«رسالة إلى فلسطين» للشاعر عبدالرحمن العشماوي

قصيدة «رسالة إلى فلسطين» للشاعر عبدالرحمن العشماوي:

اصرخي.. ربما أفاد النواحُ        في زمانٍ يسودُ فيه الصياحُ

في زمانٍ تسودُ فيه المآسي        فشعارُ الوفاءِ فيه السلاحُ

في زمانٍ تدارُ فيه كؤوسٌ          من دماءٍ بريئةٍ وتُباحُ

اصرخي.. ربما تيقَّظ غافٍ        وتخلَّى عن بغيهِ السفاحُ

اصرخي.. فالدموعُ تغسل قلبًا     عَصَرَتْهُ الآلامُ والأتراحُ

اصرخي.. فالذي يصونُك ولَّى     وحِمَى القومِ للعِدا مستباحُ

*****

واقْطفِي وردةً لينبُت رُمحٌ         إنما تهزم العدوَّ الرِّمَاحُ

قُدْسُنا والقيودُ تُدمِي يديهِ         والمُنى تحت رِجْلهِ تَنْدَاحُ

ليلُهُ السَّرمَدِيُّ لا يتوانَى           عن ظلامٍ يتيه فيه الصباحُ

أين يغدو؟ لقد دعا فتَلاشَى      صوته الحرُّ حين ضجَّ النُّبَاحُ

آهِ من عصرنا.. ينادي ضعيفٌ     فيجيبُ الصَّدَى ويهوي الجناحُ

وينادي القويُّ حين ينادي         فتلبي نداءَه الأشباحُ

كانت القدسُ وردةً لمُحِبٍّ        يأسرُ القلبَ عطرُها الفواحُ

*****

فغَدَتْ مجمرًا تشبُّ به النارُ        وتُشوى في جمرِهِ الأرواحُ

أين أهلوكِ يا فلسطينُ؟ قالت:    بعضهم أجهزتْ عليه الرماحُ

وبقايا منهمُ.. يُسامون ظلمًا      وكثيرٌ منهم على الأرضِ ساحوا

أين أهلي؟ يا جوره من سؤالٍ       تغتلي في حروفه الأتراحُ

أين أهلي؟ يطرِّزون الأماني       والأماني عن دربهم تنْزاحُ

أين أهلي؟ مشرَّدون وبابي         مُقْفَلٌ والتئامُهُم مفتاحُ

أمتي أصبحت تجرُّ خُطاها        وبأحلامها تطيرُ الرياحُ

*****

جبنت أنفسٌ ونامت عيونٌ         فجراحٌ تغدو.. وتأتي جراحُ

آه من وجه حرةٍ يتلوَّى              أنَّ والوجوه عنه تُشاحُ

آه من ليل أمةٍ يتمادى             وعلى كفِّها غفا المصباحُ

أمتي روضةٌ فأين جناحاها؟        ولماذا تقاعس الفلاحُ؟

جرحها اليوم نازفٌ فلماذا            لا يداوي نزيفه الجرَّاح؟

أظلم الليل حولها وتساوى           في حماها الهجَّاء والمدَّاحُ

بلبل، كلما ابتغى طيرانًا           حُطِّمَتْ نفسُهُ وقُصَّ الجَنَاحُ

*****

بلبلٌ يشرب الضياءَ بصمتٍ       لم يعد ينتمي إليه الصُّدَاحُ

وسؤال يزيده إحساسًا             بالمآسي.. متى يُفكُّ السَّراحُ؟

ومتى تنفض المآسي يديها        من حمانا وتستضيءُ البِطَاحُ؟

أي شرعية لحكم عدوٍّ؟           إنما دولة العدو سِفاحُ

لو جمعنا صفوفنا ما غدونا       كالمواشي يُغْدَى بنا ويُرَاحُ

حول القصيدة

تمثل القصيدة رسالة في الحث والرثاء في آن واحد؛ رثاء للأرض والناس (فلسطينَ وأهلها) واستنكارٌ للحال التي آلت إليها الأمة، مع دعوة ملحّة للاستيقاظ والصرخة والتوحّد.

الشاعر يوجّه نداءً مزدوجًا إلى الضحية (فلسطين) وإلى الأمة؛ ليكفّوا عن الصمت والجبن ويستعيدوا الكرامة والرفض.

الموضوعات والأفكار الرئيسة

الاستدعاء بالصرخة: التكرار لأمر «اصرخي» يعمل بوصفه نداء يقظة ومناجاة؛ الصرخة هنا ليست مجرد صوت، بل فعل مقاوم ومحاولة لكسر حالة الخدر واللامبالاة.

الظلم والجور: صور الدم والليل الأبدي والمآسي تقدّم فلسطين بوصفها معاناة ممتدة؛ هناك إبراز لمعاناة الإنسان المسلوب الحق والهوية.

اللوم على الصمت والجبن: انتقاد لذوي الضمائر النائمة ولمن تخلّى عن الواجب، ونداء لاصطفاف الأمة لمواجهة العدوّ.

الرمزية الوطنية والدينية: القدس (القدسُ وردةً) ترمز للقداسة والهوية؛ «أمتي» و«قدس» و«المصباح» تُضفي بعدًا دينيًّا وإنسانيًّا للقضية.

الأمل والنداء إلى الوحدة: رغم الحزن تحضر دعوة مباشرة لجمع الصفوف ووقف التفرقة لكيلا يُعامَل الناس كقطيع من الحيوانات.

الصور الجمالية والرموز البارزة

الصرخة (اصرخي): رمز للاستنفار والرفض.

الورد والرمح: «اقطفي وردةً لينبت رمحٌ»؛ تناقض رمزيّ: جمال (وردة) يتحول إلى سلاح (رمح)؛ يدل على تحوّل الحزن إلى مقاومة.

الليل السرمِدي والظلام: يرمزان إلى اليأس والاستبداد، وغياب الفجر/النهضة.

البلبل (الطائر): صورة الحسّاس المبدع مكسور الجناح، رمز للإنسان الحرّ الذي يُقمع عندما يحاول الطيران، وقد ترمز كذلك للقدس الأسيرة.

الدماء والكؤوس: تصوير للعنف المنهجي والقتل الجماعي بوصفها من الطقوس المُباحة لدى العدو.

الأسلوب والسمات الفنية

التكرار: إعادة «اصرخي» و«أين أهلي؟» و«آه من..» تزيد من الإيقاع العاطفي وتشدّ القارئ إلى ذروة الحزن والغضب.

النداء والاستفهام البلاغي: كثير من الأسئلة البلاغية («أين أهلي؟»، «متى يُفكّ السراح؟») تزيد من إحساس الانكسار وتُحمّل القارئ مسؤولية الإجابة.

التصوير الحسي: اتكاء على حواس الشاعر -صوت، بصر، شُمّ- لخلق تجربة وجدانية قوية (مثلاً: «عطرُها الفواحُ»، «جمرٌ تشبّ به النارُ»).

التضادّ والمفارقة: وردة/رمح، مصباح/ليل، بلبل/جناح مكسور؛ تضادّات تُبرز الصراع بين الجمال والدمار، الحرية والقهر.

الإيقاع والقافية: القصيدة تحتوي على تكرار صوتي ونهايات مقفاة؛ ما يعطيها طابعًا نشيديًّا أو هتافيًّا مناسبًا لمضمونها الحماسي.

اللغة: فصحى سليمة تميل إلى البلاغة التصريحية، تراعي صورًا عربية مألوفة (القدس، البلبل، الورد) فتقرب النص من المخيال الشعبي والثقافي العربي.

البنية والانتقالات الدلالية

القصيدة مقسّمة إلى مقاطع واضحة:

  • نداء الصرخة والنداء الاستنهاضي.
  • تصوير القدس وردة محروقة، ثم الدعوة للمقاومة الرمزية (الرمح).
  • مقابلة سؤالية مع فلسطين نفسها («أين أهلوك يا فلسطين؟») تتضمن إجابات موجعة.
  • لوم الأمة على التخاذل، ثم ختام بدعوة إلى وحدة صفوف الأمة.
  • الانتقال منطقي: من الصرخة الفردية إلى وصف الجرح، ثم إلى لوم المجتمع وأخيرًا دعوة عملية (التوحّد).
  • القصيدة تهدف إلى إثارة العاطفة: حزن، غضب، شعور بالذنب الجماعي، ثم تحويل هذا الإحساس إلى فعل؛ أي أن الشاعر لا يكتفي بالرثاء، بل يحرض على الفعل والاتحاد.
  • الرسالة واضحة: لا قيمة للغة الوجدانية إذا لم تُترجم إلى صفٍّ واحد ورفضٍ حازم للقهر والظلم والمهانة التي يتعرض لها الإنسان والمقدسات.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة