ذكرى حريق «الأقصى» وواجب العلماء اليوم

ذكرى حريق «الأقصى» وواجب العلماء اليوم

تمر الذكرى السابعة والخمسون لإحرا ق المسجد الأقصى المبارك، فلا تستدعي حادثةً مضت وانتهت، بقدر ما تستحضر فصلًا مبكرًا من فصول الاعتداء على المسجد وهويته؛ ففي صباح الحادي والعشرين من أغسطس 1969م، وبعد نحو عامين من احتلال القدس الشرقية، دخل الأسترالي دينيس مايكل روهان إلى المسجد الأقصى، وتوجه إلى المصلى القبلي، ثم أشعل النار في منطقة منبر صلاح الدين، وسرعان ما امتدت ألسنة اللهب إلى أجزاء واسعة من المسجد، فأكلت المنبر التاريخي، وألحقت أضرارًا جسيمة بالسقف والجدران والزخارف والمحراب، وكادت النيران تبلغ القبة لولا جهود المقدسيين في إخمادها.

ولم يكن منبر صلاح الدين قطعة تاريخية فحسب، وإنما كان رمزًا لذاكرة التحرير؛ فقد صنعه نور الدين محمود زنكي قبل فتح القدس بسنوات، وأعده للمسجد الأقصى، ثم وضعه صلاح الدين الأيوبي في المسجد بعد تحرير القدس سنة 583هـ/ 1187م، وحين أكلته النار سنة 1969م كانت المفارقة موجعة: احترق الرمز الذي جمع بين الإعداد للتحرير وتحقيقه.

أما منفذ الجريمة فقد اعتُقل بعد الحريق واعترف بفعلته، ثم انتهت محاكمته إلى اعتباره مختلًا عقليًّا، وأُخرج لاحقًا من فلسطين المحتلة، وقد هز الحريقُ العالم الإسلامي، واستدعى احتجاجات ومواقف واسعة، وكان من العوامل التي عجّلت بعقد أول قمة إسلامية في الرباط في سبتمبر 1969م.

حريق لم ينطفئ بعد

لكن السؤال بعد 57 عامًا ليس: من أحرق الأقصى يومئذ؟ وإنما: هل انتهى الحريق؟

إن النار التي التهمت الخشب أُطفئت، لكن الصراع على هوية المسجد ومكانته لم ينطفئ، بل إن ما يجري اليوم أخطر من حريق ظاهر؛ لأننا أمام محاولات متراكمة لتغيير الواقع التاريخي والقانوني للمسجد، وتكريس الاقتحام والطقوس داخله، والتضييق على المصلين، والتدخل في شؤون الأوقاف، وتحويل الاستثناء شيئًا فشيئًا إلى اعتياد، والاعتياد إلى واقع، والواقع إلى ادعاء حق.

ولهذا لا ينبغي أن نختزل ذكرى الحريق في البكاء على جريمة سنة 1969م؛ فالأقصى لا يحتاج منا إلى إحياء الذكرى بقدر ما يحتاج إلى إدراك تحولات الحريق، كان حريق الأمس نارًا تأكل الخشب والحجر، أما حريق اليوم فيستهدف المعنى والهوية والذاكرة والسيادة، والخطر الأكبر أن تنجح كثرة التكرار في تخدير الوعي، حتى يصبح الاقتحام مألوفًا، والاعتداء خبرًا عابرًا، وتغيير هوية المكان احتمالًا قابلًا للنقاش.

الأقصى أمانة الوحي في عنق الأمة

أول ما يجب أن يستحضره العلماء أن صلة الأقصى بالأمة ليست من إنشاء السياسة ولا من إفراز الصراع الحديث، وإنما عقدها القرآن فقال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) (الإسراء: 1)، فالذي وصل المسجد الحرام بالمسجد الأقصى هو الوحي نفسه، فلا تستطيع حدود السياسة أن تفصل ما جمعه القرآن.

وأكدت السنة هذه المنزلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»(1).

ومن هنا فإن الأقصى ليس ملك جيل من المسلمين، ولا شعب من المسلمين، ولا دولة من دول المسلمين؛ إنه أمانة الأمة التي تتوارثها الأجيال، وإذا كان أهل فلسطين والمقدسيون هم في خط الدفاع الأول، فإن ذلك لا يحوّل التكليف العام إلى شأن فلسطيني خاص، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(2).

واجبات العلماء اليوم

وفي مقدمة من تتوجه إليهم هذه الأمانة العلماء؛ لأن وظيفة العالم في الأزمات لا تنحصر في إصدار حكم بعد وقوع الحادثة، وإنما تبدأ ببناء الوعي الذي ترى الأمة به الحادثة وتفهم معناها، وقد قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: 187).

وأول واجبات العلماء اليوم تحرير الوعي بالأقصى وتثبيت مركزيته في وجدان الأمة؛ فلا يتحول من قضية إسلامية جامعة إلى ملف سياسي بعيد، ولا من أمانة شرعية إلى شأن محلي، فالعالم يحرس المعنى قبل المبنى، ويقرر للأجيال أن طول الاحتلال لا ينشئ حقًا، وأن مرور الزمن لا يحوّل الباطل إلى حقيقة.

وثاني الواجبات تسمية الأشياء بأسمائها؛ لأن معارك كبرى تحسم في اللغة قبل الأرض، فلا يتحول الاحتلال إلى “واقع”، ولا الاقتحام إلى “زيارة”، ولا فرض الطقوس بالقوة إلى “حرية عبادة”، ولا التهويد إلى مجرد “خلاف على الإدارة”، تغيير المصطلحات مدخل إلى تغيير الأحكام، وتغيير الأحكام مدخل إلى تغيير المواقف.

وثالثها بناء فقه للأقصى يتجاوز سرد فضائله إلى بيان واجبات الأمة نحوه؛ حيث إننا  نحتاج إلى الانتقال من “فضائل الأقصى” إلى “فقه الأقصى”: فقه حماية المقدسات، والدعم، ومقاومة التهويد، ومسؤوليات الحكومات والمؤسسات والأفراد، وفقه التعليم والإعلام والمال والأولويات والمآلات، فما لم يتحول الحب إلى تكليف، والفضيلة إلى مسؤولية، بقيت العاطفة موسمية.

وهنا تتجلى المقاصد الكبرى؛ فحفظ الأقصى ليس حفظًا لحجارة، بل هو حفظ للدين، والهوية، والذاكرة، وكرامة الأمة وإرادتها الحضارية، والفقيه المقاصدي لا ينتظر النتيجة الأخيرة حتى يحكم، وإنما يقرأ مقدماتها ويحذر من مآلاتها قبل أن تستحكم.

ورابع الواجبات مقاومة التطبيع النفسي والمعرفي مع الاعتداء على الأقصى، فليس أخطر من أن تمر أخبار الاقتحامات كل يوم فلا تتحرك القلوب؛ ولهذا يحتاج العلماء إلى إدخال قضية الأقصى في التعليم والخطبة والجامعة والبحث العلمي والإعلام، حتى لا يقتل الاعتياد حساسية الأمة تجاه مقدساتها.

وخامسها أن يتحول العلماء من رد الفعل الموسمي إلى العمل المؤسسي الدائم؛ فليس كافيًا أن يصدر بيان عند اقتحام كبير أو تعقد ندوة في ذكرى الحريق، ثم تعود القضية إلى الانتظار، نحن بحاجة إلى جهد علمائي منظم يرصد ما يجري، ويحلله شرعيًّا وسياسيًّا، ويصدر المواقف في وقتها، ويعد المواد العلمية والخطب والمناهج، ويكوّن جيلًا يحمل فقه القدس لا مجرد عاطفتها.

فليست مهمة العالم أن يبكي على الأقصى مع الأمة، بل أن يحوّل حزنها إلى وعي، ووعيها إلى حكم، والحكم إلى موقف، والموقف إلى عمل ممتد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»(3).

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه به العلماء أنفسهم في الذكرى السابعة والخمسين للحريق ليس فقط: أين صلاح الدين؟ بل السؤال الأسبق: أين العلماء الذين يصنعون المناخ الذي يولد فيه صلاح الدين؟ وأين الفقه الذي يرشد القوة؟ وأين التربية التي تصنع جيل التحرير؟

إن تاريخ القدس نفسه يقدم الجواب؛ فلم يكن التحرير يومًا فعل قائد منفرد، ولم تولد حطين في فراغ، ولم تقم عين جالوت بلا إعداد، بل إن وراء الانتصارات علماء وفقهاء ومربين وكتّاب دولة صنعوا الوعي، وثبتوا القيادة، وضبطوا السلطة بالشرع، وربوا الأجيال، ومن هنا تستحق ثلاثة نماذج أن نقف عندها: القاضي الفاضل مع صلاح الدين، والعز بن عبد السلام قبيل عين جالوت، وآل قدامة المقدسيون في مشروع العلم والتحرير؛ لا لنروي التاريخ، وإنما لنسأل: ماذا يقول هؤلاء لعلماء الأمة اليوم؟

علماء على طريق التحرير

إذا كان واجب العلماء اليوم أن يحرسوا وعي الأمة، ويبنون فقه الأقصى، ويقاوموا التطبيع مع تهويده، فإن تاريخ القدس يقدم نماذج حية تؤكد أن التحرير لم يكن يومًا ثمرة السيف وحده، فحطين لم تولد في صباح واحد، وعين جالوت لم تكن حادثة عسكرية منفصلة، بل سبقتهما أعوام من العلم والتربية وبناء الدولة وصناعة الوعي.

ولهذا فإن السؤال الذي يتكرر في أزمنة المحن: أين صلاح الدين؟ يحتاج إلى سؤال أسبق: أين العلماء الذين يصنعون البيئة التي يظهر فيها صلاح الدين؟ وأين الفقه الذي يرشد القوة، والتربية التي تصنع جيل التحرير، والكلمة التي تجمع الأمة على قضيتها؟

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) (الصف: 14)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»(4)، وهكذا كانت انتصارات الأمة الكبرى: تكاملًا بين العالم والمجاهد، والفقيه والقائد، والقلم والسيف.

القاضي الفاضل.. عقل العالم في مشروع التحرير

كان القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني من أبرز رجال دولة صلاح الدين الأيوبي، ولم يكن مجرد كاتب للرسائل، بل ظل مستشارًا ومدبرًا وصاحب رأي، ومن العقول التي أسهمت في بناء الدولة القادرة على مواجهة المشروع الصليبي.

ولم يكن حاضرًا بجسده في ميدان حطين؛ إذ كان مريضًا بدمشق حين جاءه خبر النصر، لكنه كان حاضرًا في صناعة المشروع الذي أفضى إليها: في الإدارة، والمراسلات، والحشد، وتثبيت القيادة، وربط القرار السياسي بهدف التحرير.

وهنا تظهر دلالة بالغة الأهمية لعلماء اليوم: ليس شرطًا أن يكون العالم في مقدمة الجيش حتى يكون من رجال التحرير، فقد يكون في جامعة أو مسجد أو مركز بحث أو مؤسسة إعلامية أو مجلس شورى، ولكن قيمة موقعه تتحدد بقدر ما يسخر علمه وقلمه وشبكة تأثيره لخدمة قضايا الأمة.

إن الأقصى اليوم يحتاج إلى “قاضٍ فاضل” في كل ميدان: في الجامعة يوجه البحث العلمي، وفي الإعلام يصوغ الخطاب، وفي المؤسسات الشرعية يحول التعاطف إلى برامج، وفي دوائر القرار يربط القوة بالحق والمصلحة العامة.

العز بن عبدالسلام.. ضمير العالم أمام السلطة

ويقدم العز بن عبد السلام نموذجًا آخر في زمن خطر المغول؛ فعندما احتاج السلطان قطز إلى المال لتجهيز الجيش، وأُثير أخذ الأموال من الرعية، لم يمنح العز السلطة تفويضًا مفتوحًا باسم الضرورة، ولم يعطل الجهاد باسم حماية الأموال.

كان مضمون موقفه أن قتال العدو واجب، وأنه يجوز الأخذ من أموال الناس عند الحاجة، ولكن بعد أن يفرغ بيت المال، ويخرج السلطان والأمراء ما عندهم من الأموال والنفائس، ويتحمل أصحاب القوة نصيبهم من الكلفة قبل عامة الناس.

وهذه ليست فتوى مالية فحسب، بل قاعدة في عدالة التضحية: لا يجوز للسلطة أن تطلب من الأمة ثمن التحرير وهي تحتفظ بترفها ومكاسبها.

ومن هنا كان العز نموذجًا للعالم الذي لا يكون تابعًا للسلطة ولا خصمًا لها بإطلاق، وإنما يظل ضميرًا شرعيًّا مستقلًّا: يؤيدها حين تتجه إلى الحق، ويُقوّمها حين تنحرف، ويرفض أن تُستخدم المقدسات لتبرير الظلم أو تحميل المستضعفين وحدهم أثمان القرارات الكبرى، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) (النساء: 135)، فالعالم لا يحرس شرعية الغاية فقط، بل يحرس كذلك شرعية الطريق إليها.

آل قدامة.. العلم والتربية والجهاد

أما النموذج الثالث فهو ألصق بفلسطين: آل قدامة المقدسيون، الذين خرجوا من منطقة جمّاعيل قرب نابلس تحت ضغط الاحتلال الصليبي، واستقروا في دمشق، وأسهموا في بناء البيئة العلمية في الصالحية.

ومن هذه الأسرة خرج علماء كبار، منهم موفق الدين ابن قدامة صاحب المغني، وأخوه أبو عمر محمد بن أحمد بن قدامة، ولم تتحول هجرتهم إلى انسحاب من القضية، بل إلى مشروع علم وتربية وبناء، فأسسوا المدارس ومجالس العلم، وربوا الأجيال، ثم شارك عدد منهم في الغزوات مع صلاح الدين وفي مشروع تحرير القدس.

وهنا تكمن الدلالة الأعمق: أسرة هجّرها الاحتلال من فلسطين، فلم تجعل الهجرة نهاية قصتها؛ صنعت في المنفى مدرسة، وصنعت المدرسة علماء، ثم عاد علماؤها مع مشروع التحرير.

إن الاحتلال قد يخرج الإنسان من أرضه، لكنه لا يستطيع إخراج الأرض من وجدانه إلا إذا احتل وعيه؛ ولهذا فإن تعليم الأجيال الفلسطينية، وحفظ ذاكرتها، وبناء نخبها العلمية والفكرية، ليس عملاً ثقافيًّا هامشيًّا، بل جزء من معركة التحرير نفسها.

خريطة لعلماء اليوم

إذا جمعنا هذه النماذج الثلاثة أمكننا أن نستخلص منها خريطة واضحة:

1- القاضي الفاضل يمثل عقل العالم في الدولة: يفكر ويدبر ويحشد ويصوغ الرؤية.

2- العز بن عبدالسلام يمثل ضمير العالم أمام السلطة: يؤيد الحق، ويمنع الظلم، ويحرس عدالة القرار.

3- آل قدامة يمثلون العالم المربي الباني: يحفظ الهوية، ويبني المؤسسة، ويربي الإنسان، ويظل حاضرًا حين تأتي ساعة المواجهة.

وهذه الأدوار الثلاثة ما يزال الأقصى يحتاجها اليوم: عقل يخطط، وضمير يراقب، ومربٍّ يبني؛ ولذلك ينبغي أن يسبق سؤال: أين صلاح الدين؟ سؤال أكثر مسؤولية: أين القاضي الفاضل؟ وأين العز بن عبد السلام؟ وأين آل قدامة؟

فصلاح الدين لم يولد في فراغ، ولم يحرر القدس وحده، بل كان وراءه تراكم من العلم والإصلاح والتربية والسياسة والجهاد، وانتظار القائد دون صناعة البيئة التي تصنعه ليس انتظارًا للتاريخ، بل إعفاء للنفس من مسؤولية المشاركة في صنعه.

واجب العلماء لا ينتهي بالتحرير

ومع ذلك، فإن مسؤولية العلماء تجاه المسجد الأقصى لا تنتهي يوم تحريره؛ بل قد تبدأ يومئذ مرحلة جديدة من الواجب؛ فالتحرير يسترد الأرض، لكن الحفاظ عليها يحتاج إلى علم وعدل ومؤسسات ووعي، وبعد زوال الاحتلال – وهو قريب إن شاء الله - سيبقى على العلماء واجب حفظ هوية القدس، وترميم ما أفسده الاحتلال، وتأصيل فقه التعامل مع مقدساتها وسكانها، وحراسة العدل، ومنع أن يتحول الانتصار إلى ظلم جديد، وقد قال الله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) (الحج: 41)، فالتمكين في القرآن ليس نهاية الطريق، بل بداية مسؤولية جديدة، ومن هنا تكون وظيفة العلماء قبل التحرير صناعة شروطه، وفي أثنائه ترشيد مساره، وبعده حراسة مقاصده وثمراته.

ولعل أجمل ما يختم به الحديث أن منبر صلاح الدين الذي احترق سنة 1969م كان قد صنعه نور الدين زنكي قبل تحرير القدس بسنوات؛ كأنه كان يبني للنصر رمزه قبل أن يأتي النصر نفسه، وهكذا ينبغي أن يفعل العلماء اليوم: أن يبنوا “منبر التحرير” قبل التحرير؛ في عقل الطفل، وفي ضمير الطالب، وفي منهج الجامعة، وفي خطبة المسجد، وفي البحث العلمي، وفي الفتوى والإعلام والمؤسسة.

فإذا كان حريق سنة 1969م قد أكل منبرًا من خشب، فإن واجب العلماء اليوم أن يمنعوا حريقًا أخطر: حريق الوعي بالأقصى في قلب الأمة؛ ولهذا فإن واجب العلماء نحو المسجد الأقصى يبدأ بحراسة معناه قبل تحريره، ويمتد إلى ترشيد طريق تحريره، ولا ينتهي بعد التحرير؛ لأن الأقصى ليس أرضًا نستردها فحسب، وإنما أمانة يجب أن نبقى أهلًا لها.

الهوامش
  • 1 أخرجه البخاري (1189)، ومسلم (1397) من حديث أبي ‏هريرة.‏
  • 2 أخرجه مسلم (2586).‏
  • 3 أخرجه مسلم (49).‏
  • 4 أخرجه البخاري (481)، ومسلم (2585).‏
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة