سورية بعد انتصار الثورة.. بين الثورات المضادة وخصوصية الحالة
بدأت ثورات «الربيع العربي»، ومنها
الثورة السورية، بين عامي 2010 -2011م، وفيما تصاعدت واستمرت أحداث الثورة السورية
على مدار 14 عاماً، فقد عبَرت ثورات «الربيع العربي» في تونس ومصر وليبيا واليمن
والسودان إلى مراحل جديدة شكَّلت بمجملها مجموعة من الدروس والعبر التي باتت
مرجعاً للحكومة والنشطاء الثوريين في سورية.
وبينما يخطئ كثير من النشطاء على الساحة
السورية عندما يعتقدون بأن سقوط جيش المخلوع بشار الأسد وفروعه الأمنية يجعل من
سورية بعيدة عن الحالة المصرية بعد نجاح ثورة 25 يناير ووصول الرئيس محمد مرسي
رحمه الله إلى حكم البلاد، فإن دراسة متعمقة تؤكِّد أن أوجه التشابه بين الحالتين
كثيرة ومتعددة في إطارها العام وإن اختلفت في التفاصيل.
الثورة المضادة
فرغم أنَّ سورية بعد انتصار الثورة وسقوط
نظام بشار الأسد، قد تمكَّنت من القضاء على المؤسستين العسكرية والأمنية وتأسيس
مؤسسات جديدة ثورية بالكامل، فإننا في الإطار العام نلاحظ النقاط التالية:
أولاً: اعتمدت الثورة المضادة في كل من
مصر وليبيا وتونس والسودان واليمن على الدعم الخارجي بالمال والسلاح والإعلام، وهو
ما يتم حالياً في سورية مع تلقي الفلول والانفصاليين دعماً علنياً بالمال والسلاح
بل والتدخل العسكري المباشر كما حدث بالسويداء.
ثانياً: خلال عام حكم الرئيس محمد مرسي
بمصر، تعمدت وسائل الإعلام المشبوهة تصدير قصص أو تريندات يومية تنتقد جانباً من
جوانب عمل الحكومة أو واحداً من قراراتها؛ بهدف تأليب الرأي العام، وإشغال
الإعلاميين المخلصين بالدفاع، بدلاً من تعرية وفضح المخططات والمؤامرات أو تسليط
الضوء على الجهود الإيجابية التي تقوم بها الحكومة، أو حتى لفت الانتباه عن الخُطة
الرئيسة للثورة المضادة على قاعدة «بُص العصفورة»، وهذا ما يحدث اليوم في سورية.
ثالثاً: محاولة زرع التفرقة والفتنة بين
أفرقاء الثورة المصرية وشركاء ثورة 25 يناير عبر زرع مجموعات من الفلول في كل طرف،
وهو ما يظهَر واضحاً في سورية، مع احتماء الفلول بمناطق الانفصاليين وتغذية
الاقتتال عند كل نجاح برأب الصدع وتحقيق التفاهم، لأن تفاهم المخلصين من أبناء
الوطن لن يكون إلا على حساب الخونة والفلول أنفسهم.
رابعاً: مع بداية حركة «تمرُّد» في مصر
كان واضحاً ضعف المنطق والدليل الذي تستند إليه؛ ما جعلها مثاراً للسخرية في أوساط
الناشطين الداعمين لحكومة الرئيس محمد مرسي، إلا أنها رغم ذلك كانت بوابة لما حدث
بعد ذلك من أحداث التي لم تستند لأي أسباب منطقية أو دليل محترم.. وهذا ما نجده
يتكرر مع افتقار الفلول في سورية اليوم لأي منطق أو دليل، فتارة يُطالب رجال الدين
مثل حكمت الهجري، وغزال غزال، بدولة علمانية! وتارة أخرى تحاول «قسد» التي لا تمثل
الأكراد في سورية أن تصادر رأيهم وتفرض رأي الأقلية على الأكثرية في موضوع
الفدرالية أو اللامركزية!
وبينما انشغل الثوار بالجدال اعتماداً
على الدليل والمنطق، كانت «تمرد» في مصر، والحركات الانفصالية في سورية، تماطل من
جهة، وتراكم الخطوات بتخطيط وتمويل خارجي وتؤدي دور «الكومبارس» ريثما تحضِّر الثورات
المضادة لعبتها الرئيسة وتُطلقها في الوقت المناسب.
وبينما شكَّلت هذه النقاط الإطار العام
لتحرك الثورات المضادة في جميع دول «الربيع العربي»، فقد كانت من المرونة بمكان أن
وظَّفت ذلك وفق الفرص المتاحة في كل دولة، فكانت المؤسستان العسكرية والأمنية في
مصر، وكان الانشقاق والحرب الداخلية في ليبيا، وكان تزييف الانتخابات وتقويض
السلطة المنتخبة في تونس.
أما في الحالة السورية، يتم توظيف تلك
الخطوط العريضة مع حالة حفتر سورية مظلوم عبدي، وحالة أنطون لحد وجيش لبنان
الجنوبي مع فلول النظام والمجلس العسكري في السويداء برعاية حكمت الهجري، واستغلال
مُدعي الثورية لضرب وحدة الأكثرية السُّنية.
خطوات حماية الدولة السورية
وبناء على كل ذلك، يُمكن تلخيص أسلوب
مواجهة تلك المخططات اعتماداً على الخبرات والتجارب السابقة بالنقاط التالية:
1- الالتفاف الشعبي حول شخص الرئيس أحمدالشرع خلال المرحلة الانتقالية، وعدم إفساح المجال للمتصيدين بالماء العكر
والبدائل التي يُمكن أن تُفرض أو تُقترح.
2- التحرك القانوني السريع والعاجل ضد أي
مؤسسات تشارك في التضليل الإعلامي والتحريض ضد سلامة واستقرار الدولة السورية.
3- وقف ومنع وملاحقة جميع أنواع التمويل
الخارجي، وحصر تعامل جميع دول العالم ليكون مع المؤسسات الرسمية السورية وفق
الأعراف القانونية والدبلوماسية المُعتمدة.
4- إسراع الحكومة السورية بإنجاز وترسيخ
وحدة الأرض والشعب في البلاد، واتخاذ جميع التدابير والإجراءات التي تُمهد لإقامة
دستور دائم وسلطة منتخبة تفرض رؤيتها فيما يتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم بقوة
الاختيار الشعبي كما في جميع دول العالم.
ختاماً، جدير بالذكر أن الحذر والانتباه
لا يعني اليأس والتشاؤم، وإنما يعني الاستعداد للمواجهة والحرب القادمة، فالشام
أرض الملاحم التي لطالما تكسَّرت على أعتابها أحلام الغزاة والطامعين وكانت مفتاح
النصر والعز والتمكين الذي يشع نوره ويمتد أثره بعيداً في جميع أنحاء المعمورة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً