العمالة المنزلية في الكويت.. نعمة تُهدد التربية إذا غاب التوازن

العمالة المنزلية في الكويت.. نعمة تُهدد التربية إذا غاب التوازن

في كل صباح، تنشغل شوارع الكويت بخطى الرجال والنساء الذاهبين إلى أعمالهم، بينما تبقى في المنازل أيدٍ أخرى تدير الحياة اليومية بهدوء وصمت، إنها العمالة المنزلية التي باتت جزءًا لا ينفصل عن البيوت الكويتية.

بين الحاجة والاعتماد

ليس خافيًا على أحد أن وجود العاملة المنزلية يمنح الأسرة راحةً لا غنى عنها، فهي تنظف، وتطهو، وترتب كل شيء، حتى أصبحت بيوت كثيرة تعتمد عليها اعتمادًا كاملًا، لكن خلف هذه الراحة المادية، تسكن أسئلة صامتة عن التربية والتوجيه والحنان والقدوة.. أسئلة تُطرح كلما بدا الطفل يطلب من الخادمة ارتداء حذائه، أو إعداد حقيبته المدرسية، أو حتى حمل كأس الماء إلى الطاولة القريبة.

حين تختفي الأم خلف العاملة

يقول محمد الشمري، مواطن كويتي: وجود الخادمة مفيد في الأعمال المنزلية، لكني لاحظت أن الأطفال أصبحوا معتمدين عليها بشكل كبير، حتى في الأشياء البسيطة مثل ارتداء الملابس، ويرى أن هذه الظاهرة تنشئ جيلاً اتكاليًا عاجزًا عن القيام بأبسط أموره دون مساعدة خارجية.

أطفال بلا مهارات اجتماعية أو مسؤولية!

أما فهد، معلم ابتدائي، فقال في التصريح ذاته: الأطفال الذين يعتمدون كثيرًا على الخادمات يعانون من ضعف في المهارات الاجتماعية وقلة المسؤولية، خصوصًا في المراحل الأولى من التعليم، مشيراً إلى أن المعلمين يلاحظون أثر ذلك جليًا في سلوكياتهم اليومية في المدرسة، بحسب مجلة «آفاق» الجامعية.

إذا أصبحت الخادمة بديلة للأم تبدأ المشكلات

من جانبه، يرى طلال العنزي، اختصاصي اجتماعي، أن الأمر مرتبط بدور الخادمة؛ الأثر يختلف حسب دور الخادمة، فإذا اقتصر على النظافة والرعاية الجسدية، فالأمر مقبول، أما إذا أصبحت بديلة عن الأم في التوجيه والتربية، فهنا تبدأ المشكلات، فالأسرة التي تعتمد على العاملة المنزلية في تربية الأطفال تعاني من مشكلات كثيرة.

فجوة عاطفية خفية

يرى كثير من الآباء أن العاملة المنزلية سدت فراغًا فرضه انشغال الوالدين بوظائفهما، لكن بعضهم بدأ يلحظ أثر ذلك حين رأى أبناءه ينادون العاملة أكثر مما ينادون الأم، أو حين يقفزون للجلوس بجانبها لا بجانب والدتهم.

يقول طالب جامعي: الخادمة تأخذ وقت الأهل مع الطفل، فينشأ بينه وبين والديه جفاء، وكأنه لا يجد الدفء إلا معها.

في المقابل، يرى خبراء علم النفس أن الطفل الذي يعتاد على وجود من يلبي حاجاته بلا عناء، يكبر وهو يظن أن العالم كله مثله، يأمر فيُطاع، فلا يتعلم الصبر، ولا يخوض تحديات حياته البسيطة.

حين تصبح القدوة غريبة عن ثقافتنا

يحذر مختصون من أن الطفل يتعلم سلوكياته الأولى ممن يقضي معها أطول وقت، فإذا كانت الخادمة هي الحاضنة والمعلمة والراعية، فقد يكتسب عادات لا تشبه بيئته أو لغته أو دينه، وقد يختلط عليه مفهوم المرجعية والقدوة.

الحل.. توازن لا حرمان

لا أحد ينكر أن الأسر الكويتية بحاجة ماسة لمن يعينها في أعمال المنزل، خاصة مع التزامات العمل والدراسة الكثيرة، لكن الحاجة لا تعني أن نُفرط بالتربية والتوجيه والحنان والوقت مع أبنائنا.

فالطفل يحتاج إلى قلب أمه ونظرة أبيه أكثر من حاجته لوجبة معدة أو ثوب مكوي، التربية مسؤولية لا تُفوّض، حتى لو أحسنت العاملة نيتها، لأنها ستبقى دومًا غريبة عن روح الأسرة مهما طالت العشرة.

العمالة المنزلية نعمة حين تُحسن إدارتها، لكنها تتحول إلى خطر صامت إذا أسندنا إليها دور الأم والمعلم والمربي، فالأبناء لا يحتاجون خادمة بقدر ما يحتاجون قلبًا يربيهم ويدًا تهديهم طريق الحياة، تلك اليد، لا بد أن تكون يد الوالدين.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة