من الحكم المنسوبة إلى الإمام علي

الشهوة والطمع والأماني.. حين يستعبد الإنسان ما يشتهيه

يحيى الكاتب

21 أكتوبر 2026

26

صورة معبرة عن قيود الشهوات

روي عن الإمام علي رضي الله عنه من مأثور الحكمة عن الشهوات والحرص والطمع وآثار ذلك في حياة الإنسان:

- عبد الشهوة أذل من عبد الرق.

- الحرمان مع الحرص.

- لا تتكل على المنى فإنها بضائع النوكى.

- رب آمل خائب.

- رب طمع كاذب.

- رب رجاء يؤدي إلى حرمان.

- أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع.

- الطامع في وثاق الذل. (نثر الدر)

بيان وفوائد:

حين تصبح الشهوة والرغبة قيدًا

ليست العبودية دائمًا قيدًا يُرى أو سجنًا تُغلق أبوابه؛ فقد يكون الإنسان حرًّا في ظاهره، لكنه أسير شهواته، تقوده رغباته حيث تشاء، وتدفعه إلى قرارات لا يرضاها لو أنه فكّر فيها بعقل هادئ. وفي الحكمة المنسوبة إلى الإمام علي: «عبد الشهوة أذل من عبد الرق» إشارة إلى أن الاستسلام للرغبات قد يسلب الإنسان إرادته وكرامته، فيصبح تابعًا لما يشتهيه بدلًا من أن يكون صاحب القرار في حياته. فالشهوة حين تتجاوز حدها لا تعود رغبة عابرة، بل تتحول إلى قوة تفرض على صاحبها اختياراته، وتجعله يفرّط في مبادئه أو ماله أو علاقاته طلبًا لإشباعها. وليس المقصود أن الرغبات مذمومة في أصلها، وإنما الخطر في أن يفقد الإنسان القدرة على ضبطها، فلا يعرف متى يكتفي، ولا متى يمتنع، ولا كيف يوازن بين لذة عاجلة ومصلحة أبعد. فالحرية الحقيقية ليست أن تفعل كل ما تشتهيه، بل أن تستطيع الامتناع عما يضرك، حتى حين تكون قادرًا على الحصول عليه.

الطمع الذي ينتهي إلى الحرمان

قد يظن الطامع أن الحرص الشديد يضمن له مزيدًا من المكاسب، وأن التمسك بكل فرصة يحول بينه وبين الخسارة، لكن الحياة كثيرًا ما تكشف له عكس ذلك. فالحكمة «الحرمان مع الحرص» تلخص مفارقة إنسانية واضحة؛ إذ قد يؤدي الإفراط في طلب المزيد إلى فقدان ما كان في متناول اليد. فمن يطمع في ربح أكبر قد يخاطر بأصل ماله، ومن يبالغ في التمسك بمكسب قد يخسر علاقة ثمينة، ومن لا يرضى بما يكفيه قد يقضي عمره في السعي دون أن يشعر بلذة ما حققه. وليس الحرص على تحسين الأحوال أمرًا مذمومًا، فالطموح والعمل والسعي أسباب مشروعة للتقدم، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الطموح إلى جشع لا يعرف حدًّا، وحين يصبح الحصول على المزيد أهم من سلامة الطريق أو قيمة ما نملكه بالفعل. إن القناعة لا تعني الاستسلام للفقر أو التخلي عن الطموح، بل تعني أن يسعى الإنسان إلى الأفضل دون أن يسمح لرغبته في الزيادة بأن تفسد عليه حياته. فليس كل ما يمكن كسبه يستحق المخاطرة من أجله، وليس كل زيادة في المال أو المكاسب تعني زيادة في السعادة.

الأماني لا تصنع مستقبلًا وحدها

للأمل مكانته في حياة الإنسان؛ فهو الذي يخفف عنه قسوة الواقع، ويدفعه إلى المحاولة حين تبدو الطريق بعيدة. لكن الأمل الذي لا يسنده عمل يتحول مع الوقت إلى وسيلة لتأجيل الحياة بدلًا من بنائها. وفي هذا المعنى تأتي الحكمة: «لا تتكل على المنى فإنها بضائع النوكى»، لتنبّه إلى خطورة الاعتماد على التمنيات وانتظار النتائج دون اتخاذ أسبابها. فالذي يتمنى النجاح دون أن يتعلم، أو ينتظر تحسن ظروفه دون أن يغيّر ما يستطيع تغييره، قد يكتشف بعد سنوات أن أحلامه بقيت في مكانها بينما مضى العمر. ولا يعني ذلك أن كل أمل يتحقق، أو أن العمل يضمن النتائج دائمًا، فالحياة لا تخلو من الظروف الخارجة عن إرادتنا، لكن الفرق كبير بين من يسعى ثم يواجه ما يعترضه، ومن يكتفي بتخيّل ما يريد. الأماني تمنحنا صورة لما نطمح إليه، أما العمل فهو الذي يمنحنا فرصة الاقتراب منه. لذلك، من الحكمة أن نحول رغباتنا إلى أهداف واضحة، وأهدافنا إلى خطوات عملية، وأن نراجع طريقنا كلما ظهرت لنا حقائق جديدة. فالمستقبل لا يُبنى بما نتمناه لأنفسنا، بل بما نبذله من جهد وما نحسن اتخاذه من قرارات.

بريق الأطماع وخيبة الرجاء

كثيرًا ما يقع الإنسان في الخطأ لا لأن الحقيقة غابت عنه تمامًا، بل لأن ما أغراه كان أقوى من قدرته على رؤية الحقيقة. فقد يلمع أمامه ربح سريع، أو فرصة تبدو استثنائية، أو وعد بتحقيق مكاسب كبيرة في وقت قصير، فيندفع وراءها دون أن يسأل عن المخاطر أو يتثبت من صدق الوعود. وتعبّر الحكمة «أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع» عن هذا المعنى؛ فبريق المكسب قد يعطل التفكير السليم، ويجعل الإنسان يرى ما يرغب في تصديقه، لا ما تدل عليه الوقائع. ومن هنا نفهم الحكم الأخرى: «رب أمل خائب»، و«رب طمع كاذب»، و«رب رجاء يؤدي إلى حرمان». فليس كل ما نرجوه قريب المنال، ولا كل ما نطمع فيه حقيقيًّا، ولا كل وعد يستحق أن نبني عليه قراراتنا. وقد يخسر المرء فرصة مضمونة لأنه انتظر مكسبًا أكبر، أو يبدد مدخراته وراء مشروع لم يدرس مخاطره، أو يعلّق مستقبله على شخص وعده بما لا يملك. والحكمة هنا ليست في التشاؤم أو رفض الفرص، بل في التمييز بين الرجاء المعقول والوهم، وبين المخاطرة المدروسة والاندفاع الأعمى. فكلما كان المكسب المعروض مغريًا على نحو غير معتاد، ازدادت الحاجة إلى التحقق والتروي؛ إذ لا ينبغي أن يسمح الإنسان لرغبته في الربح بأن تصادر حق عقله في السؤال والشك والتقدير.

الطامع في وثاق الذل

تختتم هذه الحكم بمعنى يجمع ما سبق: «الطامع في وثاق الذل». فالطمع لا يرهق صاحبه بما يطلبه فحسب، بل قد يجعله تابعًا لمن يملك ما يريد، فيتنازل عن استقلاله، ويقبل ما لا يرضاه، ويغض الطرف عن التجاوزات خوفًا من ضياع المنفعة المنتظرة. ومن يعلّق كرامته على رضا الآخرين أو يجعل سعادته مرهونة بمكسب لم يتحقق بعد، يمنح غيره سلطة واسعة على قراراته ومشاعره. وقد يظهر ذلك في علاقة يتمسك بها الإنسان رغم الإهانة، أو صفقة يقبل فيها شروطًا مجحفة طمعًا في الربح، أو منافسة يفقد فيها مبادئه كي يتقدم على غيره. ولا يعني هذا أن طلب المصالح أو الاستعانة بالآخرين مذموم، وإنما أن تكون المصالح في حدود تحفظ الكرامة، وأن يبقى الإنسان قادرًا على الرفض حين يصبح الثمن أكبر من الفائدة. ومن الحكمة أن يعرف المرء ما يريد، وأن يسعى إليه بجد، لكنه يحتاج أيضًا إلى معرفة ما لا ينبغي أن يضحّي به في سبيل الوصول. فالمال قد يُعوَّض، والفرص قد تتكرر، أما اعتياد التنازل عن الكرامة من أجل الطمع فقد يجعل الإنسان غريبًا عن نفسه، مهما جمع من مكاسب.

إن هذه الحكم تضع الإنسان أمام حقيقة تستحق التأمل: ليست كل رغبة تستحق الإشباع، ولا كل فرصة تستحق المطاردة، ولا كل أمنية تستحق أن نعلّق عليها حياتنا. فالشهوة إذا حكمت أذلّت، والطمع إذا تجاوز حدّه حرم صاحبه من نعمة الرضا، والأماني إذا انفصلت عن العمل استهلكت العمر دون أن تبني مستقبلًا. أما الإنسان المتزن، فيجمع بين الطموح والقناعة، وبين الأمل والعمل، وبين الرغبة والقدرة على ضبطها. يسعى إلى الأفضل دون أن يصبح أسيرًا له، ويغتنم الفرص دون أن يعميه بريقها، ويعرف أن النجاح لا يُقاس بما يحصل عليه وحده، بل أيضًا بما يحافظ عليه من كرامة ومبادئ وطمأنينة. فليست الغاية أن يمتلك الإنسان كل ما يشتهيه، وإنما أن يمتلك من نفسه ما يجعله قادرًا على الاختيار، وأن يسعى إلى أهدافه دون أن يفقد حريته في الطريق إليها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة