في رحاب البيان.. كيف تصنع اللغة الراقية أدب الحوار؟

أ. أسامة حجاج

20 سبتمبر 2026

24

صورة بها عنوان الموضوع واسم الكاتب وبجورهما صورة تعبيرية لمجموعة من الناس يتحاورون

حول أدب الحوار يتداول المهتمون بالشأن الأدبي مقطعاً نادراً وممتعاً للأديب الراحل أنيس منصور، يحكي فيه بكثير من الإجلال عن كواليس تحضير لقاء تلفزيوني تاريخي مع عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين. يصف فيه كيف كانت اللقاءات تُصنع في ذلك الزمن الجميل؛ بإعداد دقيق، وقراءة عميقة للضيف وأفكاره، وانتقاء رفيع للمشاركين والأسئلة، واحترام متناهٍ لعقل المشاهد ولأنفاس اللغة العربية الفصحى بما يمثل أدب الحوار الراقي.

كان الهدف الأسْمَى يكمن في تنوير العقول والصعود بالذوق العام إلى آفاق أرقى من خلال الكلمة المنتقاة بعناية.

وحين نقارن ذلك المظهر الحضاري ببعض المشاهد الحوارية المعاصرة، ندرك حجم الفجوة البلاغية والأخلاقية التي وقعنا فيها. لقد تراجع عصر التحضير والرصانة لدى البعض، ليحل محله نمط من الحوار القائم على الإثارة والملاسنة اللفظية التي تستهلك الطاقة في الصراخ وتضحي بالمعنى.

لقد أصبحت اللغات المستعملة في بعض المناظرات تفتقر إلى جماليات البيان، حيث يظن المتحدث أن قوة الحجة تقترن بعلو الصوت، وأن إفحام المخالف لا يكون إلا بإهدار كرامته وجرح كبرياء لسانه.

إن الأزمة الحقيقية التي نعانيها اليوم في مجالسنا ومناظراتنا ليست مجرد اختلاف في الآراء والتصورات، بل هي أزمة في لغة الخطاب ذاتها. فاللسان ليس مجرد ناقل للأفكار، بل هو المعمار الذي يشكل هيبة الفكرة؛ فإما أن يُلبسها حلة من السحر والجمال فتستقر في القلوب والعقول، وإما أن يكسوها بالحدة والجفاف فتردها النفوس وإن كانت حقاً جليًّا.

سحر البيان.. سعة اللغة وسحر البدائل

تتأتى روعة اللغة العربية وسعتها البلاغية من قدرتها الفائقة على توليد المفردات التي تحفظ للحق هيبته، وللمخالف كرامته؛ فاللغة الشريفة لا تضيق بالحقائق، لكنها تتأنق في طريقة إيرادها؛ فالبيان الساحر لا يعني الضعف أو المداهنة، بل يعني امتلاك زمام الألفاظ واختيار أرقاها وأفصحها للوصول إلى الغاية بأقصر الطرق وأجملها.

في الحوارات المتدنية، نجد مفردات حادة ومواجهة مثل "أنت مخطئ"، أو "هذا كلام فارغ"، أو "أنت لا تفهم القضية".. مثل هذه العبارات تضع المخالف فوراً في حالة دفاع عن الذات لا دفاع عن الفكرة، فيغلق منافذ عقله ويستنفر لرد الإهانة.

أما متذوق سحر البيان، فيستبدل بهذه العبارات الخشنة نسائم أدبية لطيفة تحقق أدب الحوار وتؤدي الغرض وتعمق الفكرة دون أن تهدم الجسور؛ فيقول مثلاً: بدلاً من أنت مخطئ يقول: لعل للقضية وجهاً آخر لم تسلط عليه الأضواء بعد، أو لو تأملنا الزاوية المقابلة لوجدنا أفقاً أرحب. وبدلاً من هذا كلام غير منطقي يقول: يتسع هذا الطرح لمزيد من النظر والتأمل. وبدلاً من أنت يناقض بعضك بعضاً يقول: قد يستقيم هذا الرأي أكثر لو استبعدنا منه هذا الملمح.

هذا الانتقاء اللفظي البديع ليس مجرد تجميل ظاهري للقول، بل هو عمق أخلاقي ولغوي يضمن جودة السماع ويرتقي بالحوار من حلبة للمصارعة إلى محراب للتفكر والبيان.

التأصيل القرآني.. أدب الحوار مع عتاة الطغاة

إذا تأملنا النص القرآني الخالد، نجد أن منهج البيان لم يترك شاردة ولا واردة في أدب الحوار إلا رسم معالمها الدقيقة. ولعل أبهى صورة لبلاغة الكلمة وأثرها في الحفاظ على كرامة المخالف، تنتج من استحضار الموقف الإلهي العظيم حين أرسل الله جل وعلا نبيّه موسى وأخاه هارون عليهما السلام إلى فرعون؛ أعتى طغاة الأرض الذي ادعى الربوبية: (قُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) (طه: 44).

تأمل معي هذا الإعجاز اللغوي والبلاغي (قَوْلًا لَّيِّنًا).. لم يقل الحق -سبحانه وتعالى- "قولاً ضعيفاً" ولا "قولاً مداهناً"، بل وصفه باللين؛ واللين في اللغة هو المرونة التي تتشكل بها المادة دون أن تكسر.. إنها بلاغة الانتقاء التي تنفذ إلى مغاليق النفوس دون أن تحطم أسوارها.

وفعلاً، حين يواجه موسى عليه السلام فرعون، نراه يستخدم أدوات العرض والتخيير والاستفهام اللطيف بدلاً من لغة التهديد والمجابهة العنيفة: (فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى {18} وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) (النازعات).

إن أسلوب الاستفهام بـ"هَل لَّكَ" هو في أصله البلاغي عرض وملاطفة ودعوة للتروي، وليس إملاءً قسرياً.

لقد خاطب بيان النبوة كبرياء الملك بأسلوب يُشعره بالسيادة والإرادة، ليفتح له باب الاختيار. هذا هو سحر البيان القرآني الذي يعلّمنا أن صيانة كرامة المخالف هي المحور الأول في استمالة قلبه وفكره.

الهدي النبوي.. رقة الفصاحة وجمال الإنصات

أما في السيرة النبوية المطهرة، فيتجلى لنا النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه أفصح من نطق بالضاد وأعظم من أدار حواراً.. نراه في مواقفه الحوارية يمزج بين أدب الإنصات ورقة اللفظ، مجنباً جلساءه مرارة الخجل أو الانكسار.

يُذكر في سيرته الشريفة حادثة مجيء عتبة بن ربيعة مفاوضاً عن قريش، حيث أخذ عتبة يسرد معروضاته الدنيوية والسياسية بأسلوب فيه الكثير من الاستعلاء والشدة. فكيف كان رد صاحب البيان الأعظم؟

لم يقاطعه، ولم يظهر في ملامحه الشريفة زهد بالمتحدث أو ضجر، بل أنصت له إنصاتاً كاملاً حتى إذا فرغ عتبة من كل ما عنده، قال له النبي صلى الله عليه وسلم بأدب رفيع: أَقَدْ فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟

إن استخدام الكنية يَا أَبَا الْوَلِيدِ في هذا المقام هو ذروة البلاغة الأخلاقية؛ فقد خاطبه بأحب الأسماء إليه واستبقى له منزلته الاجتماعية، ثم قال له: فَاسْمَعْ مِنِّي، وتلا عليه آيات من أوائل سورة فصلت.

ولم تكن البلاغة النبوية تقف عند حدود الملاطفة، بل كانت تتجلى في اختياراته الأسلوبية الشريفة؛ فلم يكن الفاحش ولا المتفحش ولا الصخّاب في الأسواق، وكان إذا أراد تنبيه رجل أو جماعة إلى خطأ لغوي أو سلوكي، لم يشهّر بهم بل قال بأسلوب التعريض البليغ: ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا. إن بلاغة التعريض هنا تتجلى كغطاء ساتر يحمي خجل المخطئ ويجعله يتراجع عن خطئه دون أن يشعر بأنه معروض تحت أضواء التشهير.

معالم الحوار المبين

ورغم ما نشهده أحياناً من جفاف لغوي وملاسنة صاخبة في مجالسنا الحوارية، فإن الأمل يظل قائماً لاستعادة عافية الكلمة ورقة الخطاب، عبر التزام أركان لغوية عملية لتحقيق أدب الحوار؛ مثل:

1- الوقوف عند أدب الإنصات واستيعاب المقال: إن البلاغة ليست في القدرة على الكلام فحسب، بل في إتقان فن الصمت؛ فالإنصات الواعي هو الذي يمنح العقل فرصة تفكيك الأفكار واختيار اللفظ المناسب بدلاً من الرد الفوري المتشنج.

2- الاستثمار في سعة المعجم العربي: تتفوق اللغة العربية على غيرها بغزارة مترادفاتها وظلال معانيها؛ ولذا يستطيع المتحدث الذكي أن يعبر عن أقسى الأفكار وأشد الاختلافات بألفاظ رقيقة وشفافة لا تثير حفيظة المخالف.

3- الفصل بين الفكرة وصاحب الفكرة: الحوار المبين يستهدف التحليل الفكري والتفنيد العلمي، متجنباً الوقوع في فخ الشخصنة أو جرح الشخوص؛ فالفكرة تُناقش بأسلوب الأدب، والذات تُحترم بقواعد المروءة.

4- تأصيل ثقافة البدائل اللفظية الراقية: تربية الأجيال وطلاب العلم على استخدام العبارات الجاذبة التي ترتقي بالذوق العام، وتجنب العبارات الصادمة التي تقطع أواصر التواصل.

إن سحر البيان ليس مجرد محسنات بديعية أو زخارف لفظية تُزين بها المقالات والخطب، بل هو موقف أخلاقي وثقافي متكامل؛ يدرك فيه المرء أن للكلمة حرمة، وللحوار أدباً، وللمخالف كرامة لا يجوز المساومة عليها.

إن النجاح القائم على الصراخ والإفحام التجريحي هو نجاح عابر يورث الضغينة ويسطح العقول، بينما تبقى الكلمة الطيبة والبيان الرفيع هما الأثر الباقي الذي يثبت في الأرض ويسامق السماء؛ مصداقاً لقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) (إبراهيم: 24).

لتظل المحاورات الراقية المكسوة بجمال اللغة وأدب الخطاب هي الوثيقة الوحيدة التي تحفظ للإنسان إنسانيته، وللفكر بهجته، وللغة العربية سحرها الخالد.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة