نظرية الحرب في الإسلام ومبدأ المعاملة بالمثل
الحرب أمر واقع لازم الإنسان منذ هبوطه إلى
الأرض، وهذه العداوة والمغالبة بين الحق والباطل توجب الحرب، ولذلك أقرت جميع الشرائع
بمشروعية الحرب، وجاء الإسلام ليبين البواعث المشروعة لها، ويرسي الضوابط التي ينبغي
أن تحكمها حتى لا تنحرف عن جادة الصواب فتصبح محض انتقام وغضب.
فلسفة الحرب والباعث عليها
يستعمل فقهاء المسلمين أحد مصطلحين للإشارة
إلى الحرب وهما القتال والجهاد، وثمة تعريفات كثيرة للجهاد، يقول البهوتي في «كشف القناع»
الجهاد لغة: بذل الطاقة والوسع، وشرعاً: قتال الكفار خاصة -بخلاف المسلمين من البغاة
وقطاع الطريق- وغيرهم فبينه وبين القتال عموم مطلق.
ويعرفه ابن كمال باشا بأنه بذل الوسع في القتال
في سبيل الله مباشرة، أو معاونة بمال، أو رأي، أو تكثير سواد أو غير ذلك.
وهو فرض كفاية لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً) (التوبة: 122)، فإن قام به من يكفي ويتحقق بهم المنعة
سقط عن الباقين، وإن لم يقم به من يكفي أثم الجميع.
ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض إليه قوم
يكفون في جهادهم، إما أن يكونوا جنداً مقيدين له ولهم رواتب، أو يكونوا أعدوا أنفسهم
له تبرعاً، بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم، ويكون في الثغور وعلى الحدود من
يدفع العدو عنها.
والباعث على الجهاد إما دفع اعتداء وعدوان؛
(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ
فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: 194)، وإما
لإبلاغ الدعوة وقتال المتمسكين بالكفر؛ (فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ) (النساء: 76)، و(فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)
(التوبة: 12)؛ أي دعاة الكفر الذين يصدون عن سبيل الله.
والجهاد مقيد بشرط لا ينفك عنه، وهو أن يكون
«في سبيل الله»؛ ويعني أنه لا يكون جهاداً ما أريد به غير وجه الله كأن أريد به مصالح
ذاتية (فردية) أو مصالح عامة (قومية)، فليس الجهاد لأجل نهب الشعوب وجباية الأموال،
وليس لإعلاء قومية أو أي شيء من هذا القبيل.
والجهاد تحكمه غاية أخلاقية وهي استنقاذ المستضعفين
في الأرض، يقول تعالى: (وَمَا
لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ
وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ
هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً
وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً) (النساء: 75).
وهذه الغاية تفترض أن المسلمين لا يقومون
في قتالهم بعمل يمكن أن يوصف بأنه لا أخلاقي، وهناك كثير مما يمكن أن يروى عن النبي
صلى الله عليه وسلم ومنه ما رواه البخاري: «وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً في بَعْضِ
مَغَازِي رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَنَهَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ عن قَتْلِ النِّسَاءِ والصِّبْيَانِ».
ويروى أنَّ أبا بكرٍ لما بَعث جيوشا إلى الشامِ
فخرج يمشي مع يزيدَ بنِ أبي سفيانَ وكان يزيدُ أميرَ رَبعٍ من تلك الأرباعِ فقال: إني
موصيكَ بعشرِ خِلالٍ: لا تقتلوا امرأةً، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعوا
شجرًا مثمرًا، لا تخربن عامرًا، ولا تعقرنَّ شاةً، ولا بعيرًا إلا لمأكلةٍ، ولا تُغرِقن
نخلًا، ولا تحرِقنَّهُ، ولا تغلُلْ، ولا تجبنْ.
وهي وصايا تتجاوز البعد الإنساني لتتحدث عن
البيئة، وعدم الإضرار بالحيوانات، وعدم التخريب عمداً عند مواجهة العدو، وهي لا تراعى
في الحروب المعاصرة التي تعمد فيها الدول إلى إحداث قدر من التخريب والفتك بالبشر والحجر.
الجهاد محكوم بغاية أخلاقية
ويفهم من هذه النصوص أن المبادئ الأخلاقية
تم تنزيلها واقعياً في الحروب الإسلامية، ولكنْ ثمة تساؤل: هل إذا بالغ العدو أثناء
الحرب في التخريب أو قتل المدنيين أو إتلاف البنية التحتية، هل يجوز للمسلمين أن يمارسوا
تلك الأعمال ردعاً للعدو؟
والجواب عن ذلك أنه إذا كان الجهاد محكوماً
بغاية أخلاقية، إلا أنه محكوم من ناحية أخرى بقاعدة منطقية هي المعاملة بالمثل التي
تقررت في قوله: (فَمَنِ
اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )
(البقرة: 194)، وقوله: (وَإِنْ
عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ) (النحل: 126)، وهذه
الآية الأخيرة يروى أن سبب نزولها كان تمثيل المشركين بالمسلمين يوم «أُحد»، بطنوا
بطونهم وشرموا آنافهم وما تركوا أحداً إلا مثلوا به عدا حنظلة بن الراهب وكان منهم
حمزة رضي الله عنه، وحزن له الرسول صلى الله عليه وسلم، ويروى أنه قال: «لئن أظفره
الله ليمثلن بهم»، إلا أنه عاد واختار الصبر.
ويفهم من النصوص أن دفع الاعتداء بمثله واجب
شرعي، وعليه ذهب الفقهاء إلى أن حالة الحرب يسن لها أحكام لا تسن في الأحوال العادية،
فإذا استخدم العدو الأسلحة الفتاكة الكيماوية أو النووية جاز استعمالها وإن أوقعت نساء
وأطفالاً إذ لا يتحقق الردع إلا بها، وإن عمد إلى التخريب عمدنا إليه، فقد حرق النبي
صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وهي البويرة فأنزل الله: (مَا قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوهَا
قَائِمَةً علَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ) (الحشر:
5)، وكذلك حرق أشجار ثقيف عندما حاصر الطائف، وإن اتخذوا أسرى اتخذنا أسرى،
وإن روعوا الآمنين روعنا الآمنين.
لكنَّ ثمة قيداً لمبدأ المعاملة بالمثل لا
بد من الوقوف أمامه وهو عدم تجاوز ما أمر الله به، وهو قيد لازم لا يمكن التخلي عنه
مهما كانت الدواعي، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: بَعَثَنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ في بَعْثٍ فَقالَ: «إنْ وجَدْتُمْ فُلَانًا وفُلَانًا فأحْرِقُوهُما
بالنَّارِ»، ثُمَّ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ أرَدْنَا الخُرُوجَ:
«إنِّي أمَرْتُكُمْ أنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وفُلَانًا، وإنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ
بهَا إلَّا اللَّهُ، فإنْ وجَدْتُمُوهُما فَاقْتُلُوهُمَا».
ويستخلص من هذا أن قانون الحرب في الإسلام
هو معاملة المعتدين بالمثل إلا إذا تجاوزوا حدود الله، فإن مثلوا بمن قتل منا لا نمثل
بمن قتل منهم، وإن قتلوا حرقاً لا نقتل حرقاً، وإن انتهكوا الأعراض لا نهتكها، وفي
ذلك الفرق بين من يحكم بشريعة الله ومن يحكم بشريعة الغاب.
اقرأ
أيضاً:
أخلاقيات السياسة الشرعية في التعامل مع العدو
المحارب
9 أخلاقيات للحروب
في الإسلام.. كيف غيَّر النبي ﷺ مفهوم القتال؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً