البيئة.. أهميتها وواجب المسلم تجاهها
لقد سخر الله
تعالى الكون للإنسان ومهد له الأرض وأمره بإصلاحها، ونهاه عن إفسادها، قال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف: 56)، (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا {30}
أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا {31} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا {32}
مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (النازعات
30ـــ33).
حديث القرآن عن البيئة
وتحدث القرآن
بشكل مباشر عن مظاهر الإعجاز في البيئة المحيطة بالإنسان ليلفت النظر للانتباه
لعظمتها والتفكر فيما أودع فيها من إبداع؛ (وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ
السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا
تَفْعَلُونَ) (النمل: 88)، وقال عز وجل: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) (السجدة: 7)،
وقال سبحانه متحدياً الإنسان بدقة الخلق وعظمته، والبحث في ذلك: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ
مِنْ تَفَاوُتٍ) (الملك: 3).
ولأهمية وجود
مساحات خضراء دعا النبي صلى الله عليه وسلم للتوسع في عملية التشجير ووعد من يقوم
بها بأعظم الأجور، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن مُسلم يَغرِسُ غَرْسًا أو
يَزرَعُ زَرْعًا فيأكُلُ مِنه طَيرٌ أو إنسَانٌ أو بهيْمَةٌ إلا كان لهُ بهِ
صَدقَةٌ» (رواه البخاري).
حرمة العبث بالبيئة
عن أنس بن مالك قال:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلةٌ
فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها» (رواه أحمد)، وأما عن
تخريب البيئة وقطع الأشجار دون حاجة فيقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَطَعَ
سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ» (صحيح الجامع)، وكان من وصايا
النبي صلى الله عليه وسلم للمجاهدين ألا تمتد أيديهم إلى شجر بضرر، كما ذم القرآن
من يتعمد الإفساد في الأرض، فقال تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ
الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: 205).
النظافة كأحد مظاهر الاهتمام بالبيئة
وتتميز حياة
المسلم بالنظافة والطهارة، فهو كما يهتم بنظافة نفسه وبيته وأبنائه، يهتم أيضاً
بنظافة البيئة من حوله؛ شارعه الذي يقطن فيه فلا يؤذي أعين الناس بإلقاء
القاذورات، أو في المتنزهات، أو المصالح العامة، فعن عبدالله بن مسعود أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» (رواه مسلم).
ولما تولى أبو
موسى الأشعري البصرة خطب الناس فقال: «إن أمير المؤمنين عمر بعثني إليكم أعلمكم
كتابكم، وسُنة نبيكم، وأنظف لكم طرقكم»(1)، وعن أبي هُريرةَ قال: قال
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اتَّقوا اللَّعَّانَينِ»، قالوا: وما
اللَّعَّانانِ يا رسولَ الله؟ قال: «الذي يَتخلَّى في طريقِ النَّاسِ أو في ظلِّهم»
(رواه مسلم).
هذه القيم تظهر
كيف أن الإسلام اهتم بالبيئة أيما اهتمام، وجعل نظافة البيئة جزءاً من الإيمان،
فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإِيمانُ بضْعٌ
وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا
اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ
الإيمانِ» (رواه مسلم).
حماية البيئة وقت الحروب
الأمن البيئي يعرف
بأنه إجمالي التأثيرات والعمليات المباشرة أو غير المباشرة التي يقوم بها الإنسان
والمجتمع البشري، ولا تؤدي إلى إحداث أضرار بالبيئة أو تهديدات بحدوث مثل هذه
الأضرار في المستقبل وتعريض البيئة وتوازنها للخلل والتشويش(2).
والحروب لها
ضوابط لا يجب تجاوزها، قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا
تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190)،
فقد هذَّب الإسلام فكرة الحرب وارتقى بها، وراعى فيها الحرمات الإنسانية تمام
الرعاية(3)، ومن ضوابطها للحفاظ على البيئة:
1- التركيز في
الحروب على الأهداف العسكرية دون المساس بالمدنيين أو بالبيئة المحيطة، فمن وصية
أبو بكر الصديق لقادة جيوشه: «لا تخونوا، ولا تغلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا،
ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة»(4).
2- تقييد أسلحة
الدمار الشامل التي تدمر البيئة أكثر مما تحقق أهدافاً عسكرية، وقد قنن الفقهاء
أشباه تلك الأسلحة تاريخياً مثل استخدام «المنجنيق» أو السهام المسمومة، ويعبر عن
ذلك قوله تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى
سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ).
3- النهي عن
التمثيل بالقتلى أو حرقهم، وذلك الفعل يهدد البيئة بانتشار الأمراض، فكان صلى الله
عليه وسلم يوصي قادته قائلاً: «اغزوا بسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر
بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا» (أخرجه الترمذي).
كذلك وقد وضع
الإسلام منهجاً للحفاظ على البيئة، ومنه:
1- تعمير
الصحراء، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ
لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقّ» (أخرجه أحمد).
2- النهي عن قطع الأشجار بغير ضرورة لصالح المسلمين، فيقول النبي صلى الله عليه وسم: «لا تَقْطَعُوا الشَّجَرَ، فَإِنَّهُ عِصْمَةٌ لِلْمَوَاشِي فِي الْجَدْبِ» (صحيح أبي داود).
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً