فضل شهر رجب.. بين التهويل والتهوين
شاع بين الناس
الحديث عن شهر رجب بين التهويل في بيان فضله واختصاصه ببعض العبادات واعتقاد أن
لها فضلاً فيه عن غيره، وبين من يهون من شأنه وينفي عنه كل فضل، وإن ورد.
ومن مظاهر
التهويل في بيان فضله ذكر ما ورد فيه من أحاديث إما ضعيفة وإما موضوعة، فمن الضعيف
فضل الذبح فيه كما كان أهل الجاهلية يفعلون، وهو ما يعرف بالعترة، أو ما روي عن
أنس: «إن في الجنة نهراً يقال له رجب»، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخصه
بصيام مع رمضان وشعبان، أو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «صم شهر
الصبر»، أو «صوم أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين، والثاني كفارة سنتين، ثم كل يوم
شهراً»، وكذلك ما ورد عن النهي عن صيام شهر رجب، فكل هذه أحاديث ضعيفة.
ومن الأحاديث
الموضوعة: «رجب شهر الله»، وحديث: «فضل رجب على سائر الشهور كفضل القرآن على سائر
الكلام»، وغيرها من الأحاديث التي تعظم رجب عن بقية الشهور بما في ذلك شهر رمضان.
والفريق الآخر
وهو وإن كان حسن النية ويريد أن يرد كل ما لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من
فضل خاص بشهر رجب مما ورد في الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وينفون عنه أي أفضلية
مطلقاً.
ولكن يصح كلام
هذا الفريق في أن رجب ليس له خصوصية عن غيره في صيام أو صلاة أو عبادة خاصة، كما
نقل ذلك عن ابن تيمية، والحافظ ابن أبي بكر الدمشقي، وغيرهما.
قال الحافظ أبو
عبدالله محمد بن أبي بكر الدمشقي (ت 691 هـ): «وكل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض
الليالي فيه فهو كذب مفترى».
وقال شيخ
الإسلام ابن تيمية: «ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجب حديث، بل عامة
الأحاديث المأثورة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها كذب».
ما صح في فضل رجب
هناك أحاديث
وآثار تدل على أن لشهر رجب أفضلية عن غيره من الشهور، وهو حسب استقراء فضائل
الأحاديث يقع في الرتبة الرابعة، بعد رمضان ومحرم وشعبان، ثم يأتي شهر رجب.
وقد نص على هذا
المعنى بعض العلماء، كابن حجر رحمه الله بعد أن قرر أنه لم يرد في فضل شهر رجب ولا
في صيامه ولا قيامه حديث يحتج به، ثم قال: إن أمثل ما ورد في ذلك ما رواه النسائي
من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور
ما تصوم في شعبان، قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان..»، فهذا فيه
إشعار بأن في رجب مشابهة برمضان، وأن الناس يشتغلون من العبادة بما يشتغلون به في
رمضان، ويغفلون عن نظير ذلك في شعبان؛ لذلك كان يصومه، وفي تخصيصه ذلك بالصوم إشعار
بفضل رجب، وأن ذلك كان من المعلوم المقرر لديهم.
وبيان فضل رجب
عن غيره من الشهور، ما يلي:
1- كونه من الأشهر الحرم:
ودليله ما ورد
في الصحيحين عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الزمان قد استدار
كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، والسنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم؛
ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان».
2- استحباب الصيام فيه مثل غيره:
ودليله ما ورد
في المسند وعند مسلم عن عثمان بن حكيم الأنصاري قال: سألت سعيداً بن جبير عن صوم
رجب؟ ونحن يومئذ في رجب، فقال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم.
3- الدعاء عند استقباله:
كما ورد عن أنس
بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: «اللهم بارك لنا في
رجب وشعبان، وبارك لنا في رمضان» (رواه أحمد، والنسائي، وحسنه الألباني).
ومما يدل على
فضله هنا، اقترانه برمضان وشعبان، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يبارك فيه مع
هذين الشهرين دليل على أن له فضلاً.
4- العمرة في رجب:
اختلفت الآثار
في فضل العمرة في رجب، فقد أورد ابن رجب ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعاً إحداهن في رجب، فأنكرت ذلك عائشة عليه، وذهب بعض
أهل العلم إلى تصحيح الحديث، لكن استحباب العمرة في رجب هو مذهب عمر بن الخطاب،
وعثمان، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمر، وكانت عائشة تفعله.
ونقل ابن سيرين
عن السلف أنهم كانوا يفعلونه، معللين أن أفضل الإنسان أن يؤتى بالحج في سفرة
والعمرة في سفرة أخرى غير أشهر الحج، وممن قال باستحباب العمرة في رجب مع ابن
سيرين الأسود بن يزيد، وتلاميذ عبدالله بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر
الصديق، وأيوب السختياني، وجرى عليه العمل عند أهل مكة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من
المذاهب الفقهية.
الخلاصة
وبالجملة، فإن
شهر رجب من الشهور ذات الفضل التي تميزت عن غيرها، وهو واقع في جملة شهور ورد فيها
أحاديث وآثار تدل على فضله عن غيره، وإن كان هو أقل الشهور رتبة في الشهور
الفاضلة، لكن ليس له فضل في ذاته تحديداً، أو ليس فيه عبادة مستحبة عن غيره، إلا
ما ورد عن الصحابة والتابعين وجمهور العلماء من استحباب العمرة فيه، وذلك تدقيق في
بيان مكانة الشهر بين الشهور دون تهويل أو تهوين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً