د. حلمي القاعود.. فارس الهوية والأصالة

د. محمود خليل

01 يونيو 2025

326

برحيل المفكر الإسلامي الكبير د. حلمي محمد القاعود، ينثلم جانب كبير من ركن الأصالة والهوية، ويفقد الفكر والوعي الإسلامي المعاصر واحداً من أبرز رموزه، وأقدر كتابه، وأصدق رواده، الأمناء الشرفاء المرابطين.

ولد القاعود بقرية المجد التابعة لمركز الرحمانية محافظة البحيرة، الخميس 3 جمادى الأولى 1365ه / 15 أبريل 1946م، وحفظ القرآن الكريم في طفولته، ثم حصل أولًا على دبلوم دار المعلمين عام 1966م، وعمل بعدها مدرساً بالمرحلة الابتدائية، ثم التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة، فتخرج فيها عام 1977م، ثم التحق بدار العلوم فحصل فيها على الماجستير والدكتوراة في البلاغة والنقد، بدراسته في الماجستير عن «مدرسة البيان في الأدب العربي»، والدكتوراة عن «شخصية النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر العربي الحديث»، ثم انتقل للعمل مدرساً بكلية الآداب جامعة طنطا، إلى أن أعير أستاذاً مشاركاً بكلية المعلمين بالرياض، من عام 1989 إلى 1994م، ثم حصل على الأستاذية عام 1999م، وتولى رئاسة قسم اللغة العربية بآداب طنطا من عام 1999م حتى 2002م.

أبدع د. القاعود نتاجاً ضخماً، يقارب 200 كتاب، امتدت على مسطرة الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة في مجالات الأدب، والنقد، والفكر، والفن، والثقافة، والسياسة، والتاريخ، والرواية، والقصة، واليوميات.

فقد أبدع 37 كتاباً حول الأدب والنقد، والدراسات البلاغية المتخصصة، وحول الإسلام والسياسة، قدم 36 كتاباً تناولت سائر شؤون اشتباك المسلم المعاصر مع الشأن السياسي في الداخل والخارج، من زوايا الرصد الإسلامي الوسطي الأمين.

كما أصدر د. القاعود دراسته الصحفية المتخصصة «الصحافة المهاجرة رؤية إسلامية» التي صدرت عام 1992م، التي عنيت بظاهرة هجرة الصحافة العربية إلى لندن وباريس وروما وقبرص، ورصد توجهاتها وقضاياها التي عالجت من خلالها الواقع العربي الشديد الارتباك في تلك الفترة.

كذلك صدر له من قصص الأطفال، مجموعته «من واحد إلى سبعة» التي صدرت ملحقة بالعدد (174) من سلسلة كتاب «قطر الندى» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلى جانب مجموعتين قصصيتين، و3 دراسات من أدب السرديات، و4 كتب من التحقيقات والتوثيقات.

80 عاماً و200 كتاب من العلم والفكر والإبداع والحصانة الثقافية والأكاديمية الواعية

للدكتور القاعود عدة دراسات محورية في مجالها، من أهمها كتابه الفاصل «الورد والهالوك» حول شعراء السبعينيات في مصر المنشور عدة مرات، عن دار الأرقم بالزقازيق عام 1999م، ودار الاعتصام بالقاهرة عام 1998م، ودار العلم والإيمان بدسوق عام 2008م، وهي الدراسة التي كانت صدمة لشعراء الحداثة، وعصابات قصيدة النثر، وكانت بمثابة الفرز والتجنيب الرياضي، التي أثبتت الأيام صحة وجهة نظر القاعود العلمية فيها تماماً، فكل من رشحهم للصعود وكانوا من «شعراء الورد» كانوا كذلك فيما بعد! وكل من رشحهم للسقوط، وكانوا من «شعراء الهالوك» كانوا كذلك فيما بعد! ولم تغادر نظرته شخصاً واحداً من الفريقين.

كذلك كانت دراساته المنهجية المؤسسة «الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني»، و«الأدب الإسلامي.. الفكرة والتطبيق».

أهم معالم المسيرة

وربما تفرض علينا تلك المسيرة الطويلة العريضة للدكتور القاعود أن نوجز القول منها في نقاط، منها:

أولاً: حققت مسيرة د. القاعود تلك المعادلة الصعبة؛ وهي الانطلاق إلى الشهرة والعالمية، من مركز دائرة المحلية، فهو لم يغادر قريته الأم (المجد، مركز الرحمانية، محافظة البحيرة) من أول يوم إلى آخر يوم في حياته، على الرغم من بعد المسافة، فهذه القرية تبعد عن القاهرة أكثر من 150 كيلومتراً، ومن المعروف أن القاهرة هي صانعة الرموز، والأضواء وهي مركز حراك الثقافة المصرية والعربية بشكل أساسي.

ثانياً: بدأ د. القاعود حياته كباحث في كنف الشعر والقصة والرواية، فقد عمل لفترة سكرتيراً لتحرير «مجلة الشعر»، كما كان من أوائل إصداراته قصة حياة الأديب الكبير محمد عبدالحليم عبدالله، التي صاغها في صورة روائية بعنوان «الغروب المستحيل»، وبها بدأ التعرف القريب لمحمد عبدالحليم عبدالله، الذي كان يعمل مديراً عاماً بالمجمع اللغوي الذي ذهب القاعود إليه عام 1974م ليتقدم لمسابقته التي فاز بها في العام نفسه.

ثالثاً: عمل د. القاعود كمدرس بكل مراحل التعليم، فقد ارتقى سلم التعليم من أول درجة إلى آخر درجة، فعقب تخرجه في دار المعلمين عمل معلماً بالمرحلة الابتدائية، ثم بعد حصوله على ليسانس الآداب عمل بالمرحلة الإعدادية ثم الثانوية، ثم بعد حصوله على الدكتوراة انتقل إلى التدريس بالجامعة، من أول عمله كمدرس إلى الأستاذية بالدراسات العليا، بالتوازي مع انخراطه في الصحافة الإسلامية بشكل تام، كأنما كان متفرغاً لهذا المجال عاكفاً عليه، فقلما تجد صحيفة أو مجلة إسلامية، من المغرب إلى الهند، لم يكتب لها القاعود، حتى إن الكثير من الصحف والمجلات كانت تعتبره ضمن هيئة تحريرها الأساسية.

ينتقل بالمقال الصحفي الإسلامي إلى الشأن اليومي ومجريات الهم العام والخاص

فقد كتب لـ«الاعتصام» و«الدعوة» و«الوعي الإسلامي»، و«منار الإسلام»، و«المجتمع»، و«الشعب»، و«آفاق عربية»، و«البعث الإسلامي»، و«المشكاة»، و«الأدب الإسلامي»، و«المحجة»، كما كتب بـ«الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية»، و«الهلال».. وغيرها من الصحف والمجلات، لأكثر من 60 عاماً متواصلة.

رابعاً: بدأ د. القاعود حياته كبيراً مسايراً للكبار في كل مسيرته، حيث قام وهو طالب بدار المعلمين بمشاركة زميله الأسبق منه بعام دراسي السيناريست الكبير محمد جلال الغلبان الذي عرف فيما بعد باسم محمد جلال عبدالقوي في إعداد وتقديم الإذاعة المدرسية، بدار المعلمين بدسوق، ثم ساير الصف الأول من كل الكتَّاب الإسلاميين الذين عايشهم وعاش معهم وبهم.

خامساً: عرف عن د. القاعود شدة الصبر، والمراس والتحمل، وهكذا صارت حياته جميعاً، فقد أجبرته على أن يكون صبوراً في كل شيء، فحين ذهب ليتقدم إلى الجامعة بعد حصوله على الثانوية العامة، تم تجنيده بالقوات المسلحة عقب نكسة عام 1967م، ليظل بالقوات المسلحة 6 سنوات كاملة، ويخرج عام 1974م بعد تحقيق النصر، ولتثمر هذه المرحلة روايته التي تعتبر من الأعمال الأدبية الجيدة عن حرب أكتوبر «الحب يأتي مصادفة» التي صدرت عن دار الهلال عام 1976م، ثم يواصل دراسته وهو بالقوات المسلحة، ومراسلته للأدباء والكتاب في المشارق والمغارب، حتى إنه كان طالباً في الوقت الذي صدر له أكثر من 4 كتب متخصصة.

سادساً: بدأ حياته روائياً بروايته «الغروب المستحيل» عن سيرة محمد عبدالحليم عبدالله، بتقديم يوسف الشاروني، ثم صدر له فيما بعد 12 عملاً روائياً، ومجموعتان قصصيتان، ومجموعة لقصص الأطفال، إلا أن ضخامة إنتاج القاعود وغزارة عطائه، ظلمته كروائي فلم ينتبه أحد إلى هذه الأعمال المتميزة، التي تقيم منه أديباً روائياً قديراً.

كذلك، فإن معظم رواياته صدرت عن دور نشر متخصصة، وكانت تستوجب وقفة من الدارسين لهذا الجانب المظلوم من حياة هذا الراحل الكبير.

سابعاً: هناك جانب مظلوم آخر، من جوانب عطاء هذا العلم الجليل، ألا وهو مساهمته الوفيرة في وسائل الإعلام المتعددة من إذاعة وتلفزيون في الداخل والخارج، خاصة «إذاعة القرآن الكريم من القاهرة» التي كان ضيفاً كبيراً في العديد من برامجها، خاصة برنامج «بلاغة الرسول» الذي يعده ويقدمه الزميل القدير د. عبدالله الخولي، والبرنامج الشهير «قصة في حديث» للإذاعي الكبير الزميل الصديق رجب خليل، الذي كان أول من استضافه عام 1993م، إلى أن توقف البرنامج عام 2014م، وقد أصدر د. القاعود معظم هذه الحلقات في كتاب ضخم من 4 أجزاء، تحت عنوان «قصة وحديث» عن مكتبة دار الصحابة بطنطا.

ثامناً: كان د. القاعود يقيم علاقات أدبية وثقافية كاملة من خلال المراسلة البريدية -تلك الوسيلة التي كانت معهودة في ذلك العهد- فقد أقام علاقاته المتينة مع الأديب السوري الكبير فاضل السباعي، ود. عبدالسلام العجيلي (نجيب محفوظ سورية)، وغيرهما، من خلال هذه المراسلات البريدية، بما يجعل من رسائله المخطوطة مكنزاً أدبياً وثائقياً.

عاش د. القاعود حياته كلها من أول يوم إلى آخر يوم وهو يمثل درعاً واقية للأمة، مع ذلك الفريق الكبير من حماة الثقافة، ورعاة الهوية، من أمثال أنور الجندي، وعبدالحليم عويس، ومحمد عبدالله السمان، وعماد الدين خليل، ونجيب الكيلاني.. وغيرهم.

قلما تجد صحيفة أو مجلة إسلامية من المغرب إلى الهند لم يكتب لها القاعود

وقد امتاز د. القاعود بانتقاله بفن المقال الإسلامي من مجرد الحديث عن الإسلاميات والأخلاقيات وتعاليم الدين ومفاهيمه، إلى الشارع السياسي العام والمجريات اليومية الساخنة، وحديث المواطن بين اليوم والليلة، واشتباكه مع شؤون الدين والحياة، فكان مقاله قطعة حية من صناعة الحياة، يجد المسلم فيه بوصلته وسلواه وهداه.

رباعية النيل والحياة

ولعل د. القاعود قد أراد أن يختصر فلسفته وعطاءه في صياغة سيرته الذاتية، التي أصدر منها 4 أجزاء، على هذا النحو الذي ينتظم خارطته الثقافية الواعية، كالتالي:

الجزء الأول: «زمن البراءة» النيل بطعم الجوافة.

الجزء الثاني: «زمن الهزيمة» النيل لم يعد يجري.

الجزء الثالث: «زمن الغربة» النيل لا طعم له.

الجزء الرابع: «زمن الوداع» النيل يودع أحبابه.

صدرت جميعاً عام 2015م.

وقد صدق صديقه د. عبدالسلام البسيوني الذي حياه عند بلوغه السبعين بقصيدة طويلة منها:

تمشي وحدك

كأبي ذر تمشي وحدك

تهدر وحدك

تلعن أم الباطل وحدك

تجبه كالأسد الضاري

عار الطاغوت

وتواجه بالصدر العاري

فرعون.. سهام الجبروت

وتجندل.. يا قولة حق..

أصنام الكهنة والكهنوت

يا قلما منضودا من سجيل

يا لغة لا تعرف للمين سبيل

يا جيش رجوم..

من طير تنقض أبابيل

وهكذا، عاش القاعود حياته كلها، على مستوى الكلمة والفكرة والجامعة، وهو شوكة في حلوق الطابور الخامس في كل مكان، يعريهم ويجلدهم، ويجعل غزلهم أنكاثاً، وبنيانهم أجداثاً.

رحم الله الأكاديمي الكاتب المفكر القدير د. حلمي القاعود رحمة واسعة، وجزاه عما قدم خير الجزاء، وتقبله في الصادقين السابقين.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة