تيار المتدينين في السياسة الغربية بين الوهم والحقيقة (2)

في سبيل التوصل إلى الحقيقة فيما يتعلق بارتباط بعض قادة الغرب وساسته بالدين من عدمه، شرعنا في المقال السابق في عرض الواقع الديني لمجتمعات الغرب التي أفرزت هؤلاء الساسة والقادة أولًا، حيث عرضنا هناك بعض جوانب هذا الواقع، ونُكمل هنا باقي جوانب الصورة.

مِن حارس للدين والأخلاق إلى معول لهدمهما 

خطايا رجال الدين والانحراف الكنسي في مجتمعات الغرب: تتسّق أوضاع الكنائس ومكانتها في هذه المجتمعات مع الواقع الديني العام هناك، من حيث خفوت صوتها وشحوب ملامحها وتقلّص دورها ومكانتها، بل بلغت المأساة ذروتها بأن أصبح دور الكنيسة في كثير من الأحيان متصادماً مع الدين ومناقضاً لفحواه وهادماً لدوره ورسالته، إلى حد يثير الشفقة والذهول.

إذ إنه فضلاً عن قبول، بل في بعض الأحيان إصرار بعض الكنائس على تنصيب أساقفة من ذوي الميول الجنسية المثلية على رأسها، ثمة فضائح دينية أخلاقية مدوّية تهز أركان هذه المجتمعات من آن لآخر، منها فضائج جنسية لكهنة وأساقفة كبار مع بعض النساء القليلات اللائي لم يزلن يترددن على الكنائس، ثم قتل الأجِنّة ثمرات هذه العلاقات الآثمة، والأسوأ من هذا اغتصاب براءة مئات الآلاف من الأطفال جنسياً في الكنائس على يد رجال دين قساوسة وأساقفة ونحوهم.

الأخطر أنها مشكلة أو ظاهرة متفشية رأسياً وأفقياً؛ بمعنى أنها مستشرية في طول مجتمعات الغرب وعرضها ومنذ عقود، ولم تزل مستمرة بل آخذة في التوغل، وهو ما جعل من الصعوبة التكتم على تفاصيلها وحبس رائحتها الشيطانية العفنة، فغصّت وسائل الإعلام العالمية بنشر سوءاتها، من هذا، على سبيل المثال، تقرير مطوّل نشرته شبكة «BBC» البريطانية في هذا الموضوع.

ومما جاء فيه: من بلدات أسترالية ريفية إلى مدارس في أيرلندا ومدن في أنحاء الولايات المتحدة، واجهت الكنيسة الكاثوليكية سيلًا من اتهامات الاعتداء الجنسي على الأطفال خلال العقود القليلة الماضية، وفي آخر التطورات كشف تحقيقٌ مُدينٌ عن تعرض نحو 216 ألف طفل في فرنسا للاعتداء الجنسي من قِبل رجال دين منذ عام 1950م.

ويضيف التقرير: ومع أن بعض الاتهامات تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، فإن التحرش الجنسي من قِبل الكهنة حظي باهتمام إعلامي كبير لأول مرة في ثمانينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة وكندا.

ثم يواصل التقرير متابعة تفاصيل الكارثة وازدياد رقعتها: في تسعينيات القرن الماضي بدأت القضية تتفاقم، مع ظهور قصص في الأرجنتين وأستراليا وغيرها، وفي عام 1995م استقال رئيس أساقفة فيينا في النمسا وسط مزاعم بالاعتداء الجنسي؛ ما هز الكنيسة هناك، وفي ذلك العقد أيضًا بدأت تتكشف فضائح اعتداءات جنسية تاريخية واسعة النطاق في أيرلندا، وبحلول مطلع الألفية الثالثة أصبح الاعتداء الجنسي داخل الكنيسة قضية عالمية بارزة.

في الولايات المتحدة، كشف تحقيق استقصائي أجرته صحيفة «بوسطن غلوب» (كما وثّقه فيلم «سبوتلايت» عام 2015م) عن انتهاكات واسعة النطاق، وأفاد تقرير بتكليف من الكنيسة عام 2004م أن أكثر من 4 آلاف كاهن كاثوليكي في الولايات المتحدة واجهوا اتهامات بالاعتداء الجنسي خلال الأعوام الخمسين الماضية في قضايا شملت أكثر من 10 آلاف طفل، معظمهم من الذكور.

وأورد التقرير أيضاً تفاصيل عن انتشار هذه الفضائح في بلاد غربية أخرى متعددة وبألوف الوقاع أيضاً، كما تحدث عن موقف الكنيسة الكاثوليكية المتراخي من القضية، حيث ذكر التقرير: مزاعم التستر لا تزال تلاحق الكنيسة الكاثوليكية، وتقول منظمات الضحايا: إن الفاتيكان لم يبذل ما يكفي لتصحيح أخطائه، وقال رئيس لجنة التحقيق الفرنسية: إن الكنيسة حتى مطلع الألفية الحالية أبدت لا مبالاة عميقة وشاملة، بل وقاسية تجاه الضحايا، وأكد أن الاعتداءات لم تتوقف حتى اليوم، ودعا إلى تعويض الضحايا وإجراء إصلاحات داخل الكنيسة(1).

بعضها يتحول إلى ملاهٍ ليلية وحانات.. ظاهرة بيع الكنائس!

باتت الغالبية العظمى من كنائس الغرب خاوية على عروشها بقدر خواء الأرواح الذي استشرى في أبناء شعوبها، كنائس بلا أتباع أو مرتادين، ليس هذا فقط، بل إنه نتيجة لهذه الأوضاع المأساوية، أضحت الكنائس في نظر الغالبية العظمى من أبناء هذه المجتمعات جزءاً من مخلفات الماضي، ليس له أي دور أو مكان في عالمهم اليوم، ولهذا يتم عرضها للبيع وإعادة توظيفها في أنشطة دنيوية، ترفيهية غالباً.

تجاوز الأمر حد الحالات القليلة المتناثرة، وراج بيع الكنائس بشدة في أوروبا وأمريكا ليتحول إلى ظاهرة، وضجّت وسائل الإعلام بإعلانات عن كنائس معروضة للبيع، شأنها في هذا شأن العقارات السكنية ونحوها، كما ضجّت كذلك بتناول الظاهرة العجيبة من مختلف زواياها، وجميعها مأساوية.

وكالة «أسوشيتد برس» الشهيرة، على سبيل المثال، تناولت الأمر بالتحليل في تقرير مطوّل تحت عنوان يعبّر عن فداحة الظاهرة في كامل أوروبا وقالت: في كنائس أوروبا الخالية تفسح الصلاة والاعترافات المجال للشرب والرقص.

ومن أهم ما أورده التقرير الذي ابتدأ بكنائس بلجيكا: نُحّيت غرف الاعتراف، التي شهدت اعترافات أجيال من البلجيكيين بذنوبهم، في زاوية من كنيسة القلب المقدس السابقة، شاهدة على أن هذه الغرف -وكذلك دار العبادة الكاثوليكية الرومانية- قد استنفدت غرضها.

سيُغلق المبنى لمدة عامين لإضافة مقهى ومسرح للحفلات الموسيقية، على مقربة من مقر إقامة رئيس أساقفة بلجيكا، وعلى مقربة من هذه الكنيسة أيضاً تحولت كنيسة فرنسيسكانية سابقة إلى فندق فاخر، حيث قضى نجم الموسيقى ستروماي ليلة زفافه بين نوافذه الزجاجية الملونة.

في أنحاء أوروبا، القارة التي احتضنت المسيحية لما يقارب ألفي عام، تقف الكنائس والأديرة والمصليات خاوية مهجورة بشكل متزايد، مع تراجع الإيمان وحضور الكنائس على مدى نصف القرن الماضي، إنها ظاهرة منتشرة في معظم أنحاء أوروبا ذات الأغلبية المسيحية، من ألمانيا إلى إيطاليا، مرورًا بالعديد من الدول الأخرى.

والآن بتحويل المزيد من المباني التي كانت تُعتبر مقدسة إلى استخدامات مختلفة، من متاجر الملابس وجدران التسلّق إلى النوادي الليلية، في الوقت الحاضر، قد يجد زوار الجوقات الدولية أن عدد المغنين يفوق عدد المصلين، وفي بروكسل أيضاً، استولى ملهى «Spirito» الليلي على كنيسة أنجليكانية جُرِّدت من طابعها الديني، ويتخذ الملهى من لوحةٍ لكاهنٍ يقبّل راهبة شعاراً له(2).

هذه هي صورة الواقع الديني في مجتمعات الغرب التي يُزعم أنها تتجه صوب الدين، وهي نفسها المجتمعات التي أنجبت الزعماء والمسؤولين الذين يُقال: إن أغلبهم متدينون، بل وإن بعضهم متعصبون دينياً، فهل واقع كهذا من شأنه أن يُنتج زعماء بهذه الصورة المزعومة؟ وهل يمكن أن ينتُج في ظل قيادات وزعماء ذوي شعور ديني حارّ، يتمثلونه في منطلقاتهم ومقاصدهم وأقوالهم وأفعالهم؟

لن نستبِق الحُكم، وسنرجئ التحليل الشامل لحين الانتهاء من استخلاص الملامح الذهنية والنفسية لهؤلاء القادة أنفسهم، عبر قراءة توجهاتهم ومنطلقاتهم وطبيعة أدائهم قولاً وفعلاً، ومن ثمّ النظر فيما إذا كانت متّسقة بدورها مع ما يتردد عن تديّنهم أم مفارقة له، الذي هو موضوع الجزء القادم بحول الله وقوته.

الهوامش
  • 1 BBC website: Catholic Church child sexual abuse scandal, 5 October 2021, report Link: Catholic Church child sexual abuse scandal
  • 2 Associated Press, “In Europe’s empty churches, prayer and confessions make way for drinking and dancing”, 22-07-2023, Associated Press Website: In Europe's empty churches, prayer and confessions make way for drinking and dancing | AP News
الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة