بين الصبر والرضا..
كيف نواجه الإيجابية السامة؟
هل شعرت يوماً
بالذنب لأنك حزين؟ الكثيرون يقعون في هذا الفخ ويصادرون حقهم في الحزن حتى يصبحوا
أشخاصاً إيجابيين.
انتشرت ثقافة
الإيجابية في مجتمعنا كأثر من آثار علم النفس الإيجابي الذي هو أحد أحدث فروع علم
النفس الذي يهتم بصحة الإنسان النفسية، ولكن المبالغة في الإلحاح على فكرة
الإيجابية واختزالها في الابتسام دائماً أو تشويه معناها عن طريق كبت مشاعر الحزن
والقلق وإنكارها حولتها لما يطلق عليه إيجابية سامة.
طارد الإنسان
المعاصر السعادة، واعتبرها الغاية النهائية من الوجود، واعتبر الحزن والألم والقلق
وكل هذه المشاعر المؤلمة أعداء السعادة فحاربها وأنكرها، إنه تصور جديد للإنسان «السوبر
مان» الذي يمتلك قدرات نفسية خارقة تجعل مشاعر الألم لا تعرف سبيلها لنفسيته أبداً.
هذا التوجه نحو
ثقافة الإنسان السعيد الذي لا يحزن ولا يتألم أبداً؛ لأنه دائم التفاؤل والإيجابية،
يفقد الإنسان أهم خصائص إنسانيته التي دفعته للتأمل وللكتابة وللأدب وللفنون على
مر التاريخ، حيث كان تعاقب المشاعر عليه من رضا إلى فقْد واشتياق إلى قلق وحزن الحافز
الأكبر الذي دفعه لبناء الحضارة.
بل ربما أفقدته
الدافع الحار للدعاء والتوجه نحو الخالق حتى يطمئن قلبه الذي ينهكه الحزن والألم
والخوف؛ فيجد في ذكر الله وفي الدعاء سكينته التي يحتاجها.
ما هي الإيجابية السامة؟
الإيجابية
السامة ليس لها علاقة بالثبات الانفعالي أو الفأل الحسن، وإنما هي تزييف الإنسان
لمشاعره التي يشعر بها، فنجد أن داخله يحترق بينما قشرته الخارجية هادئة مبتسمة،
وبالتالي فهذا اللون من الإيجابية يؤذي الإنسان؛ لأنه بدلاً من أن يسعى لإصلاح
باطنه ومعالجة ما يؤلمه ينكره ويكبته؛ وبالتالي يتضخم وتزداد صعوبة الإصلاح لاحقاً.
الإنسان الذي
يتبنى الإيجابية السامة يفتقد تعاطفه مع الآخرين؛ لأنه لا ينصت لألمهم، لا يقول
لهم: إنني متفهم لما تمر به، مقدر لما تعاني منه، بل يقفز مباشرة لتقديم الحل
والنصح، وقد يكون كل ما يحتاجه الآخر منا أن ننصت إليه ونتعاطف معه ولا نهرب عندما
يتحدث عن حزنه، بل نمنحه الفرصة حتى يقوم بتفريغه وتكون هذه الخطوة الأساسية
لتعافيه.
هل الحزن يتنافى مع الإيمان؟
الدين لا يمنع
الإنسان من الحزن، ولا يصادر شعوره بالقلق، وإنما يرفض الجزع والسخط واليأس من
رحمة الله، وعندما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة التي تبكي عند القبر لم
يقل لها: لا تحزني، بل قال لها: «اتقي الله واصبري»؛ فتقوى الله عز وجل والصبر
يمنعان هذا الحزن من أن يتحول لسخط.
النبي صلى الله
عليه وسلم حزن وعبر عن حزنه بالكلمات والدموع، فعندما كان ابنه الصغير إبراهيم
يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن
عوف: وأنت يا رسول الله؟! فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى فقال
صلى الله عليه وسلم: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا
بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (متفق عليه).
النبي صلى الله
عليه وسلم سمى الدموع رحمة، وقد أشارت بعض الدراسات الحديثة إلى أن البكاء العاطفي
قد يسهم في تهدئة الإنسان وتقليل التوتر، ووفقاً لموقع «Harvard Health»، فالبكاء قد يُحفز إفراز الأوكسيتوسين والإندورفين، وهما مادتان
تساعد على تحسين المزاج وتخفف من الألم النفسي.
النبي صلى الله
عليه وسلم لم يخجل من أن يعبر عن حزنه بالكلمات، ويحزن بسبب فراق إبراهيم، فهو يعلّم
أمته أن الحزن ليس عاراً يخجل الإنسان القوي منه، بل هو شعور طبيعي جداً نعبر عنه
بالكلمات والدموع، فقط علينا أن نتقي الله ولا نقول كلمات لا ترضي الله عز وجل.
لقد حكى القرآن
موقفاً يذكرنا بما نطلق عليه اليوم الإيجابية السامة، حين وجه حزن نبي الله يعقوب
الطويل بالإنكار، ووصف بأنه ضلال، بينما كان في أسمى درجات العبودية يشكو بثه
وحزنه إلى الله ولا ييأس من روح الله.
كانت المشاعر
المؤلمة التي تكشف إنسانية الإنسان قناة وصل مباشرة مع الله تعالى الذي يفرغ الصبر
على القلب المنكسر فتجبره وتمنحه الطمأنينة وتحيطه بالرجاء.
عن الخوف والأمان
ومن المشاعر
السلبية التي تحاربها الإيجابية السامة ولا تعترف بها مشاعر الخوف، وما يتبعها من
مشاعر القلق، رغم أن الخوف أحد المشاعر الأساسية الفطرية والغريزية لدى الإنسان،
ولقد حكى القرآن عن مشاعر الخوف التي لامست قلب نبي الله موسى في 8 مواضع.
الإيجابية
الصحية تعني أن يعترف الإنسان بخوفه ثم يتعامل معه، أما الإيجابية السامة فهي ترفض
التوقف عند منطقة الاعتراف فتخلط ما بين الاعتراف بالشعور والاستسلام له.
الدين يعترف
بهذه المشاعر التي أوجدها الخالق، لذلك نجد في المأثور دعاء الكرب والحزن ودعاء
الخوف، ولولا أن هذه المشاعر تفرض نفسها على قلب الإنسان وعقله، ما علمنا النبي
صلى الله عليه وسلم هذه الأدعية والأذكار التي تطمئن القلب وتفتح قناة اتصال مباشر
مع الخالق الرحيم الذي تقع قلوب الناس جميعاً بين إصبعين من أصابعه.
بين الرضا والسعادة
ما الغاية إذن
التي على الإنسان أن يسعى إليها؟ هل تكون هذه الغاية السعادة الدائمة في كل وقت
وعلى أي حال؟ وهل يكون الإنسان سعيداً حقاً عندما ينكر حزنه وألمه وهمه ويستنكر
مخاوفه؟ وهل يستطيع الإنسان تجنب الحزن والخوف؟ وإذا لم يكن في استطاعته تجنب هذه
المشاعر التي يصفها بالسلبية فهل يستطيع تجاوزها دون التوقف أمامها؟
هل الإنسان الذي
يكبت مشاعره سوف يكون إنساناً سعيداً؟ ولو افترضنا جدلاً أن حياة الإنسان كانت
كلها سيمفونية من السعادة التي لا تشوبها الشوائب، هل ستحتفظ السعادة وقتها
بقيمتها وألقها أم ستتحول إلى شيء مألوف روتيني أقرب للملل لا يحفز الدماغ؟
وهذا يقودنا إلى
تأمل دور التحديات التي يواجهها الإنسان في إضفاء معنى خاص على السعادة، هذه
التحديات التي تستدعي قيمة الصبر (وَلَنَبْلُوَنَّكُم
بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155).
الصبر لا يعني
الاستسلام، ولكنه يعني التحمل والصمود والسعي لمواجهة التحدي؛ ما يحقق في نهاية
المطاف حالة من حالات التوازن الإنساني يمكن أن نطلق عليها الرضا، وهو يتحقق مع
المشاعر الإيجابية والمشاعر السلبية؛ «عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس
ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له! وإن أصابته ضراء صبر فكان
خيراً له» (رواه مسلم).
بل إن الدين يحث
على الصبر الإيجابي على الهم والقلق والحزن تحديداً؛ «ما يصيب المؤمن من وصب ولا
نصب ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته» (رواه مسلم)، فإذا كان
الحزن والهم شعوراً، فإن الصبر موقفاً والرضا ثمرة وغاية، فإذا شعرت يوماً أنك
حزين فتذكر أن الأنبياء حزنوا وخافوا وبكوا لأنهم مع عصمتهم ليسوا منزهين عن
المشاعر الإنسانية لكنهم أكمل الناس صبراً ورضا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً