دور الزكاة في تحقيق الكفاية المادية للفرد والمجتمع
الأصل في الإسلام أن يعمل كل فرد على توفير حد الكفاية لنفسه ولمن يعول، أما إذا استنفد المرء قدراته، وعجز عن توفير كفايته فإن الزكاة -حينئذ- هي المورد الرئيس لتوفير حد الكفاية، بل تمامها لكل فرد في المجتمع الإسلامي.
وتعتبر الزكاة أول تنظيم في العالم وأكمله وأشمله إلى يومنا هذا لمقابلة جميع حاجات الأفراد التي تمثل حد كفايتهم، وتتيح لهم حياة طيبة كريمة.
ويتضح الدور العظيم للزكاة في تحقيق الكفاية المادية في النقاط التالية:
أولاً:
المقصد الأساسي من تشريع الزكاة هو تحقيق الكفاية المادية:
إن المتأمل في
تشريعات الزكاة وأحكامها يدرك بوضوح أن المقصد الأساسي من وراء تلك التشريعات
والأحكام تحقيق الكفاية المادية للفرد والمجتمع، والدلائل على ذلك كثيرة، منها ما
يلي:
1-
سعة وعاء الزكاة وتعدد مواردها:
فقد جعل الله عز
وجل كل أنواع الأموال محلاً للزكاة، ووعاءً لها، ولم يستثن نوعاً منها؛ فجعل
الزكاة في النقدين، وعروض التجارة، وفي الزروع والثمار، وفي الأنعام، وفي المعادن
والركائز والثروة البحرية.
المقصد الأساسي من وراء فريضة الزكاة
تحقيق الكفاية المادية للفرد والمجتمع
ولا شك أن هذه
السعة والكثرة في موارد الزكاة أمر من شأنه أن يوفر معظم متطلبات الفقراء
والمحتاجين، ويحقق لهم تمام الكفاية ويرفع مستوى معيشتهم.
2-
مقدار الزكاة يمثل قدراً ضخماً:
فالزكاة -بالنظر
إلى مجموع الأمة- ليست بالقدر الهين، أو الضئيل؛ إنها تقدر بالعشر (10%)، أو نصف
العشر (5 %) من كل الحاصلات الزراعية مأكولة أو غير مأكولة -على أرجح الأقوال-
أخذاً بعموم قوله تعالى: (وَمِمَّا
أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ) (البقرة: 267).
ويقاس على
الأراضي الزراعية في عصرنا ريع العمارات والمصانع، ومؤسسات النقل البري والبحري
ونحوها، من «المستغلات» التي تدر دخلاً منتظماً، وتكون رؤوس أموال كبيرة لعدد من
الناس.
والزكاة عشر
الناتج من عسل النحل (10%) لما جاءت بذلك الآثار، وأيدها النظر والاعتبار، ويمكن
أن يقاس عليها المنتجات الحيوانية في عصرنا، كمنتجات دودة القز، ومزارع الدواجن،
وأبقار الألبان.. ونحوها.
والزكاة أيضاً
ربع العشر (2.5%) من رؤوس الأموال النقدية والتجارية للأمة، وهي نحو هذا المقدار تقريباً
من الثروة الحيوانية التي تقتني للدر والنسل، كالإبل والبقر والغنم بشرط أن تبلغ
النصاب، وأن ترعى في معظم السنة في كلأ مباح، خلافاً للإمام مالك، الذي أوجب
الزكاة في الماشية، وإن كان صاحبها يعلفها العام كله، وأوجب بعض الصحابة والتابعين
الزكاة في الخيل المعدة للنماء، وهو مذهب أبي حنيفة، وفي الكنوز التي يعثر عليها
من آثار القدماء؛ الخمس (20%)، وكذلك في الثروة المعدنية عند المحققين من الفقهاء.
والزكاة فريضة
دورية يتكرر أخذها كل حول -عام قمري- من النقود والتجارة والماشية، وعند كل حصاد،
أو جذاذ من الزرع والتمر، كما أنها فريضة عامة يشترك فيها الأكثرية العظمى من
الأمة، ولا يعفى منها إلا أصحاب الدخول المحدودة الذين لم يتوافر لديهم النصاب
الشرعي(1).
الزكاة فريضة دورية يتكرر أخذها كل عام
قمري من النقود والتجارة والماشية والزرع
ولا شك أن إخراج
هذا المقدار كاملاً غير منقوص من شأنه العمل على تحسين أحوال المستحقين، والخروج
بهم من حالة الاحتياج إلى السعة وتمام الكفاية.
3-
محلية الزكــاة:
ومعنى محلية
الزكاة أن الأصل فيها أن توزع في المحل والموضع الذي جمعت منه، فالزكاة تجبى من
أغنياء البلد، ويجب أن يتم إنفاقها داخل البلد نفسه، فإن جهل المصدّقُ - العامل
عليها- فحمل الصدقة من بلد إلى بلد آخر سواه، وبأهلها فقر إليها ردها الإمام
إليهم، كما فعل عمر بن عبدالعزيز، وكما أفتى به سعيد بن جبير(2).
وهذا دليل واضح
على أن المقصد من الزكاة تحقيق كفاية أهل البلد الذي يؤخذ منه، وسد احتياجاتهم
أولاً، فقد فرضها الله تعالى بحيث تكفيهم الاحتياج المالي إلى غيرهم من خارج
البلد.
قال الإمام أبو
عبيد: والعلماء اليوم مجمعون على أن أهل كل بلد من البلدان، أو ماء من المياه أحق
بصدقتهم ما دام فيهم من ذوي الحاجة واحد فما فوق ذلك، وإن أتى ذلك على جميع
صدقتها، حتى يرجع الساعي ولا شيء معه(3).
والأصل في ذلك
قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام
والصلاة قال: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا
الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم،
فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على
فقيرهم»(4).
4-
الزكاة لا تؤخذ إلا من المال الفاضل عن الحوائج الأصلية:
وهذا شرط ذكره
الفقهاء للمال الذي تجب فيه الزكاة؛ وهو أن يكون النصاب فاضلاً عن الحاجة لمالكه،
وهي الحاجات الضرورية التي لا غنى عنها كالطعام والملبس، والمركب، وآلات الحرفة(5).
وقد قرر القرآن
الكريم أن إنفاق المال إنما يكون من العفو الفاضل عن الحوائج الأصلية، وذلك في
قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ
مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة: 219)؛ والعفو كما قال عبدالله
بن عباس: «ما يفضل عن أهلك»(6)، وهذا الشرط يتيح للمزكي تحقيق مستوى
لائق للمعيشة، بإعفاء قدر مناسب من وارده لمقابلة الاحتياجات الأصلية.
5-
تعدد مصارفها:
المتأمل في
مصارف الزكاة الثمانية يرى أنها تنوعت وتعددت لتشمل جميع الطوائف ذوي الحاجات،
والفئات التي تستحق المساعدة.
المال الذي تجب فيه الزكاة أن يكون النصاب
فاضلاً عن الحاجة الضرورية لمالكه
فقد جعلت الشريعة الفقراء والمساكين أول الأصناف التي تصرف إليها الزكاة، وهذه إشارة إلى أن الهدف الأول من الزكاة هو محاربة الفقر في المجتمع الإسلامي، وتوفير الكفاية لكل فرد فيه.
وقد جعلت سهماً من الزكاة يُعطى تعويضاً مادياً ومعنوياً لمن اعتنق الإسلام وضحى من أجله بالأهل والمال غالباً، أو مَن يرجى إسلامه ويخشى إن دخل في الإسلام أن يفتقر أو يحتاج، أو مَن يناصر الإسلام فيعطى عوناً له على موقفه، وهذا هو سهم «المؤلَّفة قلوبهم».
كما جعلت نصيباً
من الزكاة للمسلم إذا تعرض لأزمة اقتصادية طارئة تذهب بماله، فتعرضه لدَيْن، أو
تقطعه عن ماله لسفره، كما يخصص الإسـلام سهماً من أموال الزكاة للعتق وتحرير
الرقاب؛ ليحقق للمسلم الرقيق حاجـة نفسية يتمناها من أعماق نفسه ألا وهي الشعور
بالحرية.
مصارف الزكاة الثمانية تنوعت لتشمل
الطوائف ذوي الحاجات والفئات التي تستحق المساعدة
وأما سهم «في
سبيل الله» فيعطى منه الجنود المجاهدون في سبيل الله كفايتهم وما يلزمهم من أقوات
وعتاد حربي، كما يعطى منه العلماء والدعاة ما يلزمهم من نفقات وكتب؛ لأن جهادهم
بالقلم واللسان لا يقل عن جهاد الجنود بالسيف والسنان في نصر الإسلام والدفاع عنه،
وتدعيم أركان المجتمع، وتوطيد عقيدته، ورفع لوائه.
6-
تأخير الزكاة عند الحاجة:
قد يتعرض
الاقتصاد لظروف استثنائية يكون من شأنها هلاك الناس، والأموال، وانخفاض مستوى
المعيشة إلى ما دون حد الكفاية يترتب عليه التخفيف عن الأفراد بتأخير ما يستحق
عليهم من فرض الزكاة.
وكذلك تعليق حد
السرقة حتى يتاح لكل فرد الحصول على نصيبه من الحاجات الأساسية، ويصبح توفير حد
الكفاية من الأولويات الواجب تحقيقها حتى لا تتعطل لفقدانها إحدى الحدود(7).
وهذا ما فعله
الفاروق عمر رضي الله عنه، فعن أبي ذباب أن عمر أخَّر الصدقة عام الرمادة(8)،
قال: فلما أحيا الناس (أمطروا) بعثني فقال: أعقل عليهم عقالين فاقسم عقالاً (صدقة
العام) وائتني بالآخر(9).
وعن أبي عبيد أن
عمر أخَّر عنهم الصدقة عامئذٍ، فلم يأخذها منهم، حتى أحيَوا ثم بلغ من نظره لهم أنه
درأ القطع عن السارق في مثل هذا العام فقال: لا قطع في عام سنة(10).
أي أن الإمام
إذا رأى أن يؤخر جباية الزكاة عام الجدب لمصلحة يراها، فله أن يؤخرها عنهم إلى عام
الخصب، ثم يقضيها منهم بالاستيفاء في العام المقبل.
وهكذا يتبين من
كل ما سبق أن أحكام الزكاة وتشريعاتها تهدف أولاً إلى تحقيق الكفاية المادية
للمجتمع كله.
يتبع..
_______________
(1) انظر: مشكلة
الفقر وكيف عالجها الإسلام، د. القرضاوي صـ 61، وانظر أيضاً: دور القيم والأخلاق
في الاقتصاد الإسلامي صـ 407.
(2) المرجع
السابق، صـ 712.
(3) المرجع
السابق، صـ 709 - 710.
(4) أخرجه
الإمام البخاري في صحيحه، ك (التوحيد)، ب (ما جاء في دعاء الله صلى الله عليه سلم
أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى)، جـ 6، صـ 2685، رقم (6937).
(5) فقه السنة، الشيخ
سيد سابق، جـ 1، صـ 334.
(6) تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير، جـ 1، صـ 256.
(7) الزكاة، الأسس
الشرعية والدور الإنمائي والتوزيعي، د. نعمت مشهور، صـ 399.
(8) الرمادة: في
السنة الثانية عشرة هجرية، وفيها هلك الناس والأموال.
(9) الأموال، أبو
عبيد، صـ 464.
(10) المرجع
السابق، صـ 669 - 670.