متى فُرِض الصيام؟ وكم رمضـان صامه النبي ﷺ؟

د. رمضان أبو علي

13 فبراير 2026

2073

الناظر في تاريخ التشريع الإسلامي لفريضة الصيام يجد أن توقيت تشريعه لم يكن عادياً، بل جاء في لحظة مهمة من لحظات بناء الأمة الإسلامية، فالصيام عبادة شاقة، من شأنها أن تهذب النفس وتواجه الشهوات، وتسعى إلى تشكيل وجدان المسلم ليصبح قادراً على حمل الأمانة وإحسان العبادة.

وإن السؤال عن تاريخ فرضية الصيام وعدد الرمضانات التي صامها النبي صلى الله عليه وسلم لا يعد من باب الترف الفكري أو المعرفة التاريخية فقط؛ وإنما هو بحث عن منهج التشريع الإسلامي وتتبع التطبيق النبوي لهذه الفريضة المباركة.

متى فرض صيام رمضان؟

قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن صيام رمضان فرض في السنة الثانية من الهجرة(1)؛ حيث نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183} أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {184} شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة).

مراحل فرض الصيام

قال ابن القيم: كان فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وقد فُرض أولاً على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم، وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا الصيام، فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً، ورخص للمريض والمسافر أن يفطرا ويقضيا، وللحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك، فإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم، فإن فطرهما لم يكن لخوف مرض، وإنما كان مع الصحة فجبر بإطعام المسكين كفطر الصحيح في أول الإسلام.

وكان للصوم رتب ثلاث، إحداها: إيجابه بوصف التخيير.

والثانية: تحتمه، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة، فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة، وهي التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة(2).

وهي التي فرض فيها الصيام في شهر رمضان على القادر المستطيع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

حكمة التدرج في تشريع الصيام

سبق التأكيد أن الصيام فرض على مرحلتين؛ الأولى: التخيير بين الصيام والإطعام مع تفضيل الصيام عليه، الثانية: تعيين الصيام دون تخيير.

وقد اقتضت حكمته سبحانه أن يأتي تشريع الصيام بهذا التدرج، مراعاة لأحوال الناس، فقد قال ابن قدامة: والسبب في التدرج -والله أعلم- في فرضية الصيام، ليكون أسهل في قبوله(3).

قال ابن القيم: لما كَانَ الصيام ‌غير ‌مألوف ‌لَهُم ‌وَلَا ‌مُعْتَاد، والطباع تأباه، إِذْ هُوَ هجر مألوفها ومحبوبها، وَلم تذق بعد حلاوته وعواقبه المحمودة وَمَا فِي طيه من الْمصَالح وَالْمَنَافِع، فخيرت بَينه وَبَين الْإِطْعَام وندبت إِلَيْهِ، فَلَمَّا عرفت علته يَعْنِي حكمته وَالْفِقْه وَعرفت مَا تضمنه من الْمصَالح والفوائد حتم عَلَيْهَا عيناً، وَلم يقبل مِنْهَا سِوَاع فَكَانَ التَّخْيِير فِي وقته مصلحَة، وَتَعْيِين الصَّوْم فِي وقته مصلحَة، فاقتضت الْحِكْمَة الْبَالِغَة شرع كل حكم فِي وقته لِأَن الْمصلحَة فِيهِ فِي ذَلِك الْوَقْت(4).

وقال أيضاً: ولمَّا كان فَطْم النُّفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشقِّ الأمور وأصعبها عليها، أُخِّر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لمَّا توطَّنت النُّفوس على التَّوحيد والصَّلاة، وأَلِفتْ أوامرَ القرآن، فنُقِلتْ إليه بالتَّدريج(5).

كم رمضانَ صامه النبي؟

إذا كان الصيام قد فرض في السنة الثانية للهجرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وقد صام تسع رمضانات(6)؛ حيث توفي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة.

الحكمة من توقيت فرض الصيام

لم يفرض الصيام إلا بعد فرض الصلاة في رحلة الإسراء والمعراج، وكذلك بعد فرض الزكاة في السنة الثانية من الهجرة، ليكون الصيام هو الركن التالي لهما، لما يتضمنه هذا الترتيب من دلالات تربوية، تتمثل في كون الصلاة تسهم في التربية على حسن الصلة بالله، والزكاة تطهر النفس وتهذب علاقة الإنسان بالناس من حوله، ثم يأتي الصيام لتهذيب الشهوات وتقوية سلطان الإيمان في النفس الإنسانية.

ويضاف إلى ذلك أن فرض الصيام -كمعظم شرائع الإسلام- في المدينة بعد الهجرة، حيث كان العهد المكي عهد تأسيس العقائد، وترسيخ أصول التوحيد ودعائم القيم الإيمانية، والأخلاقية، في العقول والقلوب، وتطهيرها من رواسب الجاهلية في العقيدة والفكر والخلق والسلوك.

أما بعد الهجرة، فقد أصبح للمسلمين كيان وجماعة متميزة، تُنَادى بـ«يا أيها الذين آمنوا»، فشرعت عندئذ الفرائض، وحدت الحدود، وفصلت الأحكام، ومنها: الصيام(7).


اقرأ أيضا

الصوم تهذيب لا تعذيب

فلسفة الصوم في الإسلام

الهوامش
  • 1 وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه: ابن قدامة (2/ 114).
  • 2 زاد المعاد (2/ 29).
  • 3 وبل الغمامة: ابن قدامة (2/ 114).
  • 4 مفتاح دار السعادة (2/ 29).
  • 5 زاد المعاد (2/ 36).
  • 6 المرجع السابق (2/ 29).
  • 7 فقه الصيام: د. يوسف القرضاوي، ص 21.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة