«الوصايا العشر» المنسوبة لموسى عليه السلام.. بين الأصيل والدخيل

محمد الحداد

18 فبراير 2026

466

فرض الله تعالى على المسلمين الإيمان بجميع الرسل وما أوتوا من كتب أنزلها سبحانه وتعالى عليهم؛ (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ) (البقرة: 285)، وأخبر عز وجل أنه قد وَكَلَ حفظ هذه الكتب إلى أصحابها؛ (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) (المائدة: 44)، وأنهم حرًَفوها (مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) (النساء: 46).

وأنه أنزل الفرقان الذي يفرق الناس به بين الحق الذي فيها وبين الباطل (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ {3} مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ) (آل عمران)، وأنه مصدق لجميع ما أنزله جل شأنه من قبل من كتب ومهيمنًا عليه؛ (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة: 48)، فكل ما في التوراة والإنجيل من خير ينفع الناس فهو في القرآن، فيستغنوا به.

وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم التحديث عن بني إسرائيل، فقال: «وحدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرجَ» (البخاري، 3461)، مع ضابط وهو ألا يُصدَّقوا ولا يُكذَّبوا؛ إلا أن يكون حقًا جاء به الوحي المحفوظ عن التحريف من الكتاب والسُّنة.

فقد كانَ أهْلُ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بالعِبْرَانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَهَا بالعَرَبِيَّةِ لأهْلِ الإسْلَامِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) (البخاري، 4485)، فإنهم إمَّا أن يحدِّثوا بحقٍّ فنكذبهم وإمَّا أن يحدِّثوا بباطلٍ فنصدقهم. (الفتاوى لابن تيمية، 58/ 12).

ولا يمكن تصور أن إجازة النبي صلى الله عليه وسلم التحديث عن أهل الكتاب بلا فائدة، بل فيه فوائد يحسن الوقوف عليها، وهذه كلمات في ذكر تلك الفوائد ثم التحديث عنهم بشيء يجمعون على صحته لديهم وهو الوصايا العشر التي يقولون: إن الرب عز وجل أعطاها لموسى عليه السلام، وتحديد ما فيها من أصيل يوافق ما جاء في القرآن الكريم والدخيل الذي يخالفه.

فوائد التحديث عن أهل الكتاب

منها ما يظهر من الحديث سالف الذكر من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 136)، وهو بيان أن المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم الوحيدون بعد مبعثه المؤمنون بجميع الرسل الذين بعثهم الله والكتب التي أنزلها، وهذا من دلائل صحة الإسلام، ومن أعظم الترغيب في الإيمان به.

ويظهر في الآية أيضًا أن الإسلام ليس دينًا حادثًا لا جذور له، بل هو دين جميع الأنبياء والمرسلين، بدليل أن كثيرًا مما حدث به من انتسبوا إلى الرسل قبل الرسالة الخاتمة أتى من نفس المشكاة، فذلك من دلالات صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم المثبتات على الإسلام.

ومنها الوقوف عما زيد في كتب الرسل وما نقص منها، والذي يفتح الباب لمعرفة الفساد الذي طرأ على أتباع تلك الرسالات التي حُرِّفت وفسوقهم عن الاستقامة عليها، ثم دعوتهم إلى الدين القيِّم، قال الله عز وجل: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة: 59).

الوصايا العشر

تقدم الوصايا العشر التي تسلمها موسى عليه السلام على جبل سيناء بعد أن خرج ببني إسرائيل من مصر، حسب اعتقاد أهل الكتاب، أصول الدين الأساسية، وهي المثبتة في «سفر الخروج» (20/ 1- 18)، وهي مع التعليق عليها:

1- «لا يكن لك آلهة أخرى أمامي»: وهذا من الحق الذي جاء به جميع الرسل والأنبياء، وهو كثير في القرآن، منه قول الله عز وجل: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (النساء: 36).

2- «لا تصنع لك تمثالاً منحوتا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن، لأنني أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي، وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي».

والنهي عن عبادة الأصنام في القرآن كثير، منه قول الله عز وجل: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (العنكبوت: 25)، وبعض ذلك النهي جاء في نهي بني إسرائيل بشكل خاص، كقول الله تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ {138} إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (الأعراف).

وذكر غيرة الله عز وجل أن تُنتهك محارمه كذلك واردة في السُّنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ يَغارُ، وغَيْرَةُ اللَّهِ أنْ يَأْتِيَ المُؤْمِنُ ما حَرَّمَ اللَّهُ» (رواه البخاري، 5223).

وإحسان الله عز وجل إلى عباده الصالحين كذلك مما ورد في القرآن، قال الله عز وجل وقال: (قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً) (الطلاق: 11)، وقال عز وجل: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ) (القصص: 77).

3- «لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً، لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلاً»، والحلف بالله على باطل من كبائر الذنوب في الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثةٌ لا يُكلِّمُهم اللهُ، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ: أُشَيْمِطُ زانٍ، وعائلٌ مُستكبِرٌ، ورجُلٌ جعَلَ اللهَ بِضاعتَه؛ لا يَشْتَري إلَّا بيَمينِه، ولا يَبِيعُ إلَّا بيَمينِه» (رواه الطبراني في المعجم الصغير (821)، والبيهقي في شعب الإيمان (4852) بإسناد صحيح).

4- «اذكر يوم السبت لتقدسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك، لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك، لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، واستراح في اليوم السابع، لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه».

وهذا من إضلال الله لهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أضَلَّ اللهُ عنِ الجمعةِ مَنْ كان قبْلَنا، فكانَ لِليهودِ يومُ السبْتِ، وكانَ للنصارَى يومُ الأحَدِ، فجاء اللهُ بِنا، فهَدانا اللهُ لِيومِ الجمعةِ، فجَعلَ الجمعةَ والسَّبْتَ والأحَدَ، وكذلِكَ همْ تَبَعٌ لنا يومَ القيامةِ، نحن الآخِرونَ من أهلِ الدنيا، والأوَّلُونَ يومَ القيامةِ، المقْضِي لَهمْ قبْلَ الخلائِقِ» (مسلم، 856).

وأشد من ذلك ضلالًا نسبة التعب إلى الله -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- وقد نقض الله قولهم الشنيع هذا؛ فقال عز وجل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ) (ق: 38).

5- «أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك».

وقد أمر الله عز وجل في القرآن ببر الوالدين في أيما آية، منها قول الله عز وجل: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً {23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الإسراء).

6- «لا تقتل»، قال الله عز وجل: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (الإسراء: 33).

7- «لا تزنِ»، قال الله عز وجل: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) (الإسراء: 32).

8- «لا تسرق»، قال الله عز وجل: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم) المائدة: 38)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا» (رواه البخاري (18)، ومسلم (1709)).

9- «لا تشهد على قريبك شهادة زور»، قال الله عز وجل: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (الحج: 30)، وقال تعالى في صفات المؤمنين: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) (الفرقان 72)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبائِرِ؟»، قُلْنا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: «الإشْراكُ باللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فقالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، ألا وقَوْلُ الزُّورِ، وشَهادَةُ الزُّورِ»، فَما زالَ يقولُها، حتَّى قُلتُ: لا يَسْكُتُ. (رواه البخاري (5976)، ومسلم (87))

10- «لا تشتهِ بيت قريبك، لا تشتهِ امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك»، قال الله عز وجل: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة