الحج في زمن الكاميرا.. بين الإخلاص والاستعراض
ملايين الصور
نتابعها على شبكات التواصل الاجتماعي لحجاج يؤدون مناسكهم، بينما في يد معظمهم
هاتف يسجل فيه بدقة كل حركة، صار المشهد مألوفاً؛ دعاء يلتقط في مواجهة الكعبة أو
مستدبراً إياها، وخشوع يعاد ترتيبه ليتناسب مع جودة المقطع، ولحظة بين العبد وربه
تتحول إلى لقطة قابلة للنشر، كمقطع يعاد، أو صورة لملف شخصي.
إن الشعيرة التي
كان يحرص السابقون على إخفائها، لم يعد المسلم مكتفياً بعيشها، بل أصبحت قابلة
للنشر، وتبث لحظة بلحظة، ليبرز سؤال يجب أن يقلق كل مؤدٍّ لتلك الشعيرة الغالية:
هل نعيش العبادة كما يحبها الله، أم نعرضها على الخلق لنكرّم بها منهم؟
المنطقة الرمادية بين الإخلاص والاستعراض
الأصل في
العبادات، كما قررت النصوص الشرعية أن يكون أساس العمل الإخلاص التام لله تعالى،
فيقول سبحانه: (وَمَا
أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: 5)؛
مخلصين له العبادة، ومنه قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً
لَّهُ الدِّينَ) (الزمر: 11).
وفي هذا دليل
على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله
تعالى لا غيره(1)، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال
بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله
ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»(2).
غير أن
الإشكالية أن الإنسان قد يبدأ عمله بإخلاص النية لله، وفي لحظة ما يتسلل الرياء
إلى عمله حين يستحسن الناس ما يفعل ويثنون عليه، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم
منه بقوله: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا
رسول الله؟ قال: «الرياء»، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزي الناس
بأعمالهم: «اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟»(3).
وفي وقتنا
المعاصر، تمثل البيئة الرقمية أرضاً خصبة لتسلل الرياء لقلب المؤمن حين لا يستطيع
أن يوقف رغبته في توثيق عمله بالصوت والصورة الحية ونقلها إلى المتابعين.
من العبادة الخفية إلى التدين الظاهر
في تاريخ السلف،
كان الصحابة والتابعون يعظّمون عبادة السر ويتحرجون من إظهار ما لا تدعو الحاجة
إلى إظهاره، وحين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم السبعة الذين يظلهم الله في ظله
يوم لا ظل إلا ظله، ذكر منهم: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق
يمينه»(4)، ويقول ابن المبارك: ما رأيت رجلاً ارتفع مثل مالك بن أنس
ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة(5).
هذه النصوص تؤسس
لقيمة العبادة في خفائها لا في ظهورها، أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة حيث
الكاميرا المفتوحة على الدوام تنتظر الحدث واللقطة، لتتحول العبادات ومنها الحج إلى
محتوى ينتظر عليه الإعجابات وتعليقات الاستحسان لا تجربة تعاش بالجسد والوجدان.
وفضل عبادة السر
كبير كالصدقة، يقول تعالى: (إِنْ
تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: 271)؛ قال ابن كثير: فيه
دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب
على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية(6).
هل كل نشرٍ رياء؟
والتعميم في كل
مسألة خطأ بالغ، فليس كل نشر لعبادة رياء، فهناك الكثير من الأمور المخفية لا
يعلمها إلا الله تعالى وصاحب العبادة نفسه، فقد ينشرها للتذكير بها، وقد ينشرها
للتشجيع عليها، وقد تكون مشاركة منه لتجربة غيّرت من نفسه إيجابياً فأحب أن يشارك
بها إخوانه.
قال تعالى: (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ
فَنِعِمَّا هِيَ) (البقرة: 271)، فالنشر هنا يحدده نية الناشر ودافعه،
والأثر الداخلي عليه بعد نشره لصور عبادته، وتغير سلوكه من عدمه بسبب الكاميرا إن
كان يحسن أمامها صورته ويحاول إظهار ما لا يفعله في حال انفراده بنفسه، هنا تتحول
العبادة من علاقة بين العبد وربه، إلى أداء موجه للجمهور.
لقد تحولت
الكاميرا لفاعل أخلاقي يؤثر في السلوك الإنساني، حيث يجتهد صاحبها حين يكون في
مواجهتها، ويكسل حين تختفي، فيتحول المسلم للرياء من حيث لا يدري، يقول إبراهيم بن
أدهم: ما صدق عبد أحب الشهرة(7)، وقال بشر بن الحارث: لا يجد حلاوة
الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس(8).
كيف نحافظ على الإخلاص في زمن الصورة الرقمية؟
المسألة ليست
منتهية، والتعامل مع العالم الرقمي صار واقعاً لا بد من التعاطي معه، ولذلك فقد
وجب أن يحتاط المسلم لنفسه ويراجع قلبه على الدوام ويحترز قبل الوقوع في الرياء
باتخاذ عدة وسائل، ومنها:
1- أن يفهم
المسلم أولاً معنى الإخلاص؛ أن يكون العمل لله لا ترى فيه نفسك ولا حظوظها، ولا
ترى فيه الخلق؛ وقيل: الخلاص عن رؤية الأشخاص(9)، وعلامة الإخلاص أن
يستوي العمل عند المسلم في الظاهر والباطن، فلا يتحسن بحضور الناس، ولا يقل في
غيابهم.
2- معرفة الله تعالى
وعظمته، فإن من يعرف قدر الله لا يهمه أمر الخلق.
3- معرفة قدر
نفسك وقدر الناس، فلا ثناؤهم سوف يعلي منك، ولا غيابهم عن عبادتك سوف يقلل من
شأنها عند الله، والأمر يحتاج إلى مجاهدة النفس وتعنيفها إذا لزم الأمر، يقول
تعالى: (وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69).
4- الدعاء أن
يرزقك الله الإخلاص، فالإنسان بنفسه ضعيف ونهبة للشيطان؛ (وخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) (النساء: 28)،
والدعاء في حد ذاته عبادة يحبها الله عز وجل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء
هو العبادة» ثم قرأ: (وَقال
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ)(10).
5- الحرص على
عبادة خفية بين العبد وربه، كصدقة مخفية، أو ركعتين في جوف الليل لا يعلم بهما
أحد، أو ذكر في وقت السحر لا يحدث به الناس، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها
ستكون بعدي فتن -أو قال: أمور- خير الناس فيها الغني الخفي التقي»(11).
6- ألا يترك
العمل مخافة الوقوع في الرياء، يقول ابن تيمية: «ومن كان له ورد مشروع من صلاة
الضحى، أو قيام الليل، أو غير ذلك، فإنه يصليه حيث كان، ولا ينبغي له أن يضع ورده
المشروع لأجل كونه بين الناس، إذا علم الله من قلبه أنه يفعله سراً لله، مع
اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص»(12).
7- مصاحبة
الصالحين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من
يخالل»(13)، فالصاحب المقبل على الله يكون دافعاً لصاحبه على نفس النهج
كما قال تعالى: (وَاصْبِرْ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ
هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: 28).
قد لا يكون الزحام والتدافع والمشقة والحر الشديد أخطر ما يواجه الحاج ويجب عليه الاحتراز فيه، بل أن نعود منه وقد شهد الناس أعمالنا، وغابت مراقبة الله عن قلوبنا.
الهوامش
- 1 تفسير الطبري، ج20، ص128.
- 2 أخرجه البخاري، ومسلم.
- 3 أخرجه أحمد.
- 4 رواه البخاري.
- 5 كتاب «من أعلام السلف» لأحمد فريد، ج10، ص4.
- 6 تفسير ابن كثير (1/ 705).
- 7 حلية الأولياء لأبي نعيم (8/ 31).
- 8 المرجع السابق (8/ 343).
- 9 من كتاب «دروس» للشيخ إبراهيم الدويش، ج2، ص7.
- 10 أخرجه أبو داود.
- 11 أخرجه مسلم.
- 12 مجموع الفتاوى لابن تيمية (73/ 174).
- 13 أخرجه أبو داود.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً