هذه أسباب لجوء الأسرة إلى الشعوذة

محمد العبدالله

28 ديسمبر 2025

1156

الأسرة لبنة المجتمع الحقيقية، والقائم على شؤون الأسرة وتقويمها على ثغر عظيم، ويكفي في خطورة ترك الأسرة وتحصينها من الضلال والزيف ما حذّر منه القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم: 6).

الفراغ عدو الإنسان والمساحة التي تنشط فيها وسوسة الشيطان، إذ يجب على القائم على الأسرة أن يحصّن حصنه ولا يترك فيه نافذة يتسلل منها الشيطان، بل يجب عليه تعاهده وأن يكون حامياً له من التفكك، وأن يفرّغ هموم وضغط أسرته في طاقة إيجابية، حتى لا يتفاجأ يوماً ما بولوجها لعالم آخر، تجد فيه راحة روحية مؤقتة، ولذة شيطانية مزيفة عبر السحر والشعوذة.

«المجتمع» تواصلت مع عدد من الخبراء والأكاديميين حول دور الأسرة كحصن حصين وصمام أمان وسد منيع قبل أن تتخطفهم طير الدجالين، أو تهوي بهم شبهاتهم وحيلهم في وادي الشعوذة السحيق.

الأسرة العربية.. وعلاقتها بالبعد الغيبي

الأكاديمي الجزائري إبراهيم بوزيداني، أستاذ علم النفس بجامعة إسطنبول، أكد لـ«المجتمع» أنه لأجل أن تكون الأسرة قدوة حسنا لأبنائها، فإن الأمر في الأصل يستند إلى بعدين؛ الأول: خاصية نفسية موجودة بالإنسان، والثاني: سوسيولوجيا المجتمع.

وفيما يتعلق بالبعد الأول، أوضح أن الإنسان يسعى دائماً للبحث عن إجابة للإشكالية التي يعيشها، وهذه الخاصية العميقة الموجود في الذات الإنسانية تلتقي مع بُعد آخر؛ وهو أن الأسرة في العادة يكون لديها غياب في الوعي حول بناء الأسرة بطريقة سليمة.

وأضاف أنه غالباً يغيب عن الأسرة أنه يجب أن تُبْنى وتكون خاضعة في بنائها لأسس علمية.

ونوه بأن الأسرة أو الإنسان حينما يعجز عن فهم أو إدراك أن الأسرة تبنى على قواعد وقوانين كل بحسب دوره، فحينما يفشل في ذلك يلجأ إلى البعد الغيبي لحل مشكلاته.

وتابع قائلاً: إن البعد الغيبي هنا لا يعني الغيب الإيماني، ولكن هنا بمفهومه العام، وكل ذلك مبني على أساس ضرورية الشعور في البحث عن إجابة، فعندما يبني الإنسان أسرته وفق أبعاد أو أسس غير منطقية، لجأ أيضاً إلى بُعد غير منطقي عند حدوث أزمة.

أما فيما يتعلق بالشق السوسيولوجي، فإن الأسرة العربية في عادتها وفي كثير من أحوالها تعلق أسباب فشل الأسرة على أمور غيبية، في العادة دائماً يكون السحر والحسد، فالأسرة لا تحاول دائماً أن تكتشف أخطاءها، أو تعيد ترتيب أولوياتها، لكنها دائماً تلصق ما يحدث لها بالأمور الغيبية.

أيضاً أكد بوزيداني أن الأسرة حينما تعلق أخطاءها على أمور غيبية، وأن الضرر جاءها من عالم ميتافزيقي، فإنها ستلجأ بالضرورة إلى هذا العالم لحل مشكلاتها، فالتأويل الخطأ أدى في النهاية إلى توجه ووسيلة خاطئة. 

عادة قديمة وتخلف اجتماعي

من جانبه، كشف الأكاديمي المغربي حمزة الكتاني أن الأمر منتشر في مجتمعات متحضرة وعلمانية وليس عالمنا العربي أو الشرقي فقط، مبيناً أنه كان في زيارة علمية دعوية لهولندا، حيث تواردت عليه أسئلة كثيرة، خاصة من فتيات، كلها تدور حول السحر، والعين، والشعوذة، وغير ذلك من الأمور الروحانية.

وأضاف لـ«المجتمع» أن قضية السحر منتشرة في العالم بأسره، وأصبحت هاجساً للعامة ورجال السياسة والعلم والثقافة على حد سواء، وهي عادة قديمة، ابتنت عليها أديان، وحرمتها أديان، والإسلام يلحق السحر بالموبقات السبع.

وواصل حديثه: يعتبر عمل السحر واللجوء إليه ضرباً من التخلف الاجتماعي، والرجعية؛ لأنه أسهل طريق لإيقاع الضرر بالآخر، وقد ينتج عنه أشرار بدنية أو عقلية، أو حتى القتل.

وحول انعكاسه على الأسرة، يقول الكتاني: ما من شك أن التشتت العائلي، وقلة التدين، وانتشار الأحقاد والتفكك في المجتمع والأسر، نتج عنه إقبال كبير نحو السحر والسحرة، فتجد المرأة –مثلاً– أو الرجل، يصرف أموالاً باهظة لإيقاع الضرر بالطرف الآخر، تلك الأموال التي لو بذلاها في إرساء المحبة والألفة لكانت لها نتائج فوق التصور.

ونوه بأن ترك الدولة المشعوذين والسحرة يعبثون في حياة الناس، ويتجرون بهذه الجرائم سمح بتغول السحر في المجتمعات، حتى انتشر في جميع طبقات المجتمع.

وطالب الكتاني بتشريع قوانين تردع السحرة، وتجرم ممارسة السحر، والتوعية الروحية والأخلاقية والدينية والمجتمعية، كل ذلك يعتبر حاجزاً منيعاً ضد انتشار هذا الداء الذي أصبح يفتك بالمجتمع في جميع طبقاته.

ضحايا السوق السوداء

وحول معرفة انعكاس هذا المرض المجتمعي على الأسرة في المجتمعات الأفريقية وخاصة بين المسلمين، تواصلت «المجتمع» مع الأكاديمي السنغالي أحمد بكار، الذي أكد أن الفرد الضعيف الإيمان لدى الكثير من أفراد المجتمع الأفريقي عامة والسنغالي منهم خاصة، يلجأ للسحر كحل للحسابات الفردية أو الخلافات الأسرية أو المجتمعية.

وأضاف أنه لا فرق هنا بين السنغال وبقية الدول الأفريقية في الإيمان بالشعوذة وضرورة ممارستها في حياتهم اليومية لجلب النفع أو دفع الضرر، فمن السنغاليين من يمارس الشعوذة إيماناً بها وبمفعوليتها في الجلب والدفع نتيجة ضعف إيمانه بالله، وهذا يتناقض فعلاً مع تعاليم الشريعة الإسلامية التي تفوض الأمر كله إلى الله.

كما نبه أن هناك من يمارسها لا إيماناً بها وإنما تجارة وتكالب على أصحاب العقول الضعيفة والقلوب المريضة، الذين يرون هذه الحياة الدنيا غاية لهم فيسوقهم الطمع إلى الوقوع فريسة لهؤلاء الدجاجلة.

وأشار إلى أن الدوافع في كلتا الحالتين سببها ضعف الإيمان بالله، سواء من يمارسها تجارة أو من يمارسها إيماناً بها، على أن التجارة بالشعوذة وإن اشتهر بها بعض الشعوب الأفريقية، فإنها منتشرة بشكل ملحوظ أيضاً في المجتمعات العربية التي تعتبر سوقها السوداء المروجة لهذه التجارة.

وتابع قائلاً: على الرغم من تأثر المجتمع السنغالي بالتعاليم الإسلامية في وقت مبكر، بفعل موقعه الجغرافي الذي يربطه في الشمال بدولة الشناقطة -موريتانيا حالياً- فإن العقيدة الإسلامية مع تباينها للشعوذة لم تفلح بعد في إبعاد هذه الشعوب الأفريقية عن الإيمان بها وتطهير مجتمعاتها من السحر والشعوذة، ذلك أن الإسلام وجد هذه الشعوب الأفريقية، ومن بينها الشعب السنغالي، قد تمكنت منها الشعوذة وأشربت بها قلوبهم، مثلها مثل كل المجتمعات البشرية التي لم تكن تعرف دين التوحيد، فاتخذت من الظواهر الطبيعية آلهة تتعبد بها.

وأضاف بكار أيضاً أن أفريقيا بعزلها عن العالم الخارجي، نتيجة الحملات الاستعمارية قصد نهب ثرواتها، عاشت طويلاً لا تعرف لدين التوحيد معنى، وعندما خلا التوحيد حلّت محله الشعوذة والأساطير.

واختتم حديثه بأن الاستعمار حاول الوقوف أمام الإسلام معرقلاً له، وليبقيه شكلاً من مظاهر الحياة العامة وليس عقيدة تمارس وتصحح المفاهيم من خلالها، أو منهجاً يغير به سلوك المسلم من الوثنية إلى التوحيد الخالص لله وحده.



اقرأ أيضاً:

«المجتمع» ترصد حيل السحرة لاصطياد الضحايا

«اقتصاد الانتباه» يجتذب الضحايا إلى أوكار السحر

خبراء يكشفون أسرار وقوع المتعلمين والمثقفين في شباك السحرة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة