تسويق «إسرائيل».. كيف تُباع الهوية الصهيونية للعالم؟

تسويق «إسرائيل».. كيف تُباع الهوية الصهيونية للعالم؟

في عام 1988م، سطَّر مايكل وارنر في ثنايا كتابه «الجمهور والجمهور المضاد»، كيف يتم صياغة الخطاب الجماهيري بحيث يحوّل الجماعات مختلفة الأجناس والطبقات إلى لُحمة واحدة؛ ما يسهل استهدافها لاحقًا بما تريد الجهة المنتجة للخطاب إملاءه عليها أو إقناعها به.

وقبله بعقود، أرسى إدوارد بيرنيز القاعدة: «نحن محكومون، وعقولنا مُشكَّلة، وأذواقنا مصوَّغة، وأفكارنا مُلقَّنة على أيدي رجال لم نسمع بهم قط».

وهذا ما عرفه ثيودور هرتزل، مؤسّس الصهيونية السياسية، ووعاه مبكرًا، فقد كتب في مذكراته يصف مشروعه بوصفه جلب الحضارة الأوروبية إلى الشرق الأوسط مصورًا المستوطنين اليهود على أنهم يجلبون الحداثة والتقدم والتنمية إلى أرض جرداء أو متخلفة، ماحيًا بذلك أي أثر لأصحابها الفعليين من الفلسطينيين، وكان هذا المحو الخطابي تمهيدًا للمحو الفعلي.

غير أنّ الصهيونية لم تكتفِ بالتأطير الفلسفي؛ إذ سرعان ما طوّرت ما يمكن تسميته الدبلوماسية الجمالية؛ بناء صورة بصرية وثقافية وسياحية متماسكة عن كيان يزرع تلك الأرض الجرداء بيد، بينما يحارب أعداؤه باليد الأخرى، مصورًا نفسه في هذه الحرب على أنه ضحية أعداء السامية الجدد، بعد أن فر من القدامى على حد تعبير هيرتزل فيحل المسألة اليهودية، التي زعم فيها هرتزل أن معاداة السامية في أوروبا دائمة وغير قابلة للحل؛ وبالتالي فإن الحل الوحيد كان إقامة دولة يهودية منفصلة، جاعلًا بذلك دولته المزعومة ضرورة إنسانية ولدت من رحم الاضطهاد والعنف الأوروبي، لا أنها مجرد ابن آخر للحركة الأوروبية الاستعمارية؛ ما يستدعي التأمّل العميق أنّ نجاح هذا التسويق لم يكن ممكنًا بمعزل عن منظومة دولية قبلت شراء الصورة لأنها وجدت فيها ما يخدم مصالحها، واتخذت من إرث ذنب الهولوكوست الأوروبي ستارًا لحليفها في الشرق الأوسط.

الهاسبارا

أدركت «إسرائيل» مبكّرًا أنّ الحرب على الوعي لا تقلّ أهمية عن الحرب على الأرض، ففي عام 2005م، أطلقت وزارة الخارجية «الإسرائيلية» برنامج «هَسْبارا» وتعني بالعبرية الشرح والتفسير، الذي يشير إلى جهود الكيان المحتل في تلميع صورته دوليًا.

ويصفها المؤرّخ اليهودي إيلان بابيه في كتابه «10 خرافات عن إسرائيل» بأنها مصطلح ملطَّف للدعاية «الإسرائيلية»، التي تمرّ دون تحدٍّ في وسائل الإعلام الغربية والدول الإمبريالية، دون أن نغفل أن معظم هذه الوسائل الإعلامية مملوكة لصهاينة بالأساس، ويصف بابيه هذه الدعاية بأنها تُكرَّر بلا توقف في الإعلام، وتُفرَض بالقوة العسكرية، وتُقبَل دون تساؤل من حكومات العالم.

توظيف الهولوكوست

يُميّز المؤرّخ نورمان فنكلشتاين في كتابه «صناعة الهولوكوست» بين الهولوكوست بوصفه حدثًا تاريخيًّا، واستغلال عقدة الذنب الأوروبية وتحويل الهولوكوست إلى منظومةً أيديولوجية تحوّل ذلك الحدث إلى سلاح يعفي الكيان الصهيوني من المساءلة حتى عند ارتكابه جريمة أشد بشاعة من التي ارتكبت بحقه، ويكأن الهولوكوست صار بمثابة صك غفران أبدي لجرائم الاحتلال!

تسويق الأمة

صاغ المستشار البريطاني سايمون أنهولت مصطلح «تسويق الأمة»، وطوّره لاحقًا في كتابه «الهوية التنافسية»؛ ومعناه أنّ الدول تمتلك هوية تجارية يتم صناعتها وصياغة الخطاب المعبر عنها لخدمة أهدافها، الاستراتيجية، مثل:

1- جذب الاستثمارات الأجنبية:

تجلّت إحدى أشدّ تقنيات التسويق الصهيوني نجاعةً في تصوير «إسرائيل» باعتبارها دولة الشركات الناشئة، وهو الخطاب الذي بلغ ذروته في كتاب دان سينور، وسول سينجر «أمة الشركات الناشئة»؛ حيث يقدّم الكتاب الكيان المحتل بصفته حامل لواء التكنولوجيا، أو بالأحرى وادي سيليكون الشرق الأوسط، محوّلًا التهجير القسري والإبادة الجماعية إلى مجرّد أمر يحدث في خلفية أكبر نهضة تكنولوجية تشهدها المنطقة التي أرهقتها الصراعات من أمرها عسرًا، وذلك حتى أشرقت سماء الكيان لتضيء تلك المنطقة بنور الابتكار والنهضة الذي لم يعرفه العالم قبل أوروبا، ولا الشرق الأوسط قبل الكيان المحتل.

2- صياغة الموقف الدولي:

ذكر الباحث يوسف مانور في كتابه «تسويق إسرائيل» أنّ التسويق الوطني يمكن أن يكون سلاحًا دبلوماسيًّا من الدرجة الأولى حين يحتاج الكيان إلى تحييد العزلة الدولية، حيث نجد الكيان المحتل في سياق سعيه لاستقطاب التعاطف الغربي، طوّر ما بات يُعرَف بـ«التبييض الوردي»؛ أي استخدام حقوق مجتمع الميم دعائيًّا لإيهام الرأي العام الغربي بأنّها دولة ليبرالية ومنفتحة في مقابل الفلسطيني المُصوَّر دائمًا بوصفه متخلّفًا ومتعصّبًا.

ووثّقت الأكاديمية الأمريكية سارة شولمان هذه الظاهرة في كتابها المفصلي «إسرائيل/فلسطين ومجتمع الميم»، مُثبِتةً أنّ ترويج «إسرائيل» لصورة تل أبيب عاصمةً للمثلية في الشرق الأوسط يترافق مع انتهاكات موثَّقة ضد المدنيين الفلسطينيين بمن فيهم ذوو الهويات المتنوّعة، وقد رصدت شولمان كيف أنّ هذه الصورة تُسوَّق تحديدًا لمنظمات المجتمع المدني الغربي لإسكات أصواتها الناقدة لسياسة الاحتلال.

نلاحظ هنا كيف أن الغرب يعطي لنفسه الأحقية في وهب الحقوق لمن يشاء فيهب لمجتمع الميم حقوقًا سلبها بالإضافة لسلبه آدمية من استرقهم أثناء حملاته الاستعمارية، وهي نفس الأحقية التي منحها لنفسه في سلب أرض السكان الأصليين لأمريكا وأستراليا، ومنح الأرض للمستوطنين المحتلين في الكيان الغاصب.

ويكفينا أن نقرأ ما قاله أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها الثالث توماس جيفرسون مبررًا الإبادة الجماعية للسكان الأصليين لندرك أن الكيان المحتل ما هو إلا استنساخ لأكبر داعميه؛ حيث يقول جيفرسون: إن هذا العرق المؤسف -يعني به السكان الأصليين من الهنود الحمر- الذي بذلنا الكثير من الجهود لإنقاذه وتحضره، قد برر الإبادة بخيانته غير المتوقعة ووحشيته الشرسة!

3- استقطاب السياح (المستوطنين):

حيث يقوم الكيان بمنح امتيازات عدة لمن يقرر الإقامة الدائمة في الكيان المحتل، حيث نرى في صفحات واحد من أكبر المشاركين في عملة التوطين موقع «Selling Israel» عملية الهجرة بأنها «الارتقاء لأرض بيت المقدس إلى أرض بيت المقدس»، وأول هذه الامتيازات بل وأهمها مسكن يتم تصويره على أنه جنة اليهودي الموعودة، في سردية تتجاهل تمامًا الجحيم الذي أُعد في سبيل بيع أو في هذه الحالة منح تلك الجنة لليهودي، يُحلّل يوسف مانور في كتابه الذي أشرنا إليه آنفًا كيف تحوّلت الصناعة السياحية «الإسرائيلية» إلى أداة دبلوماسية بامتياز؛ إذ لا تدعو المطبوعات «الإسرائيلية» الرسمية السائحَ إلى زيارة فلسطين المحتلة، بل تدعوه إلى استكشاف أرض الكتاب المقدّس، وقلب التاريخ الإنساني، يُدس سم الاستيطانُ في عسل الرحلات الدينية، وتُمحى الجغرافيا السياسية وراء خرائط المسارات الترفيهية.

كيف تُصنَع الهوية الصهيونية بصريًّا؟

لا يمكن تناول تسويق الهوية الصهيونية بمعزل عن الصناعة الثقافية الغربية، وتحديدًا هوليوود وصناعة السينما الأمريكية، الصناعة السينمائية الأضخم عالميًا بلا نظير، حلل جاك شاهين من إنتاجها أكثر من 900 فيلم وجمع ما توصل إليه في كتابه «عرب سيِّئون للغاية» الذي تم تحويله لاحقًا إلى فيلم وثائقي يحمل نفس الاسم، حيث وجد عاملًا مشتركًا في جميعها وهي أنّ صورة العربي فيها نمطية، فهي إما: الإرهابي المختل، أو الثري السفيه، وإن كانت امرأة فهي المقهورة، وفي المقابل، تُقدَّم الشخصية الغربية البيضاء باستمرار في ثوب العقلانية والتحضّر والبطولة الأخلاقية، هذا التقابل البصري والسردي المطرد كرَّس تلك الصورة النمطية في الوعي الجمعي العالمي عبر عقود متتالية.

وفي النهاية، فإنّ فهم آليات تسويق «إسرائيل» ليس ترفًا، بل هو شرط ضروري للانتصار لقضية؛ لأنّ الحروب لا تُخاض دومًا على الأرض، بل قد تكون الصورة الذهنية المُحكَمة البناء التي تجعل الضحية جلّادًا والجلّاد ضحية، وتُعيد رسم الخريطة الأخلاقية على نحو يخدم المنتصر أشد فتكًا من كثير من الأسلحة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة