القرآن.. والتربية بالمآلات (1 - 2)

القرآن.. والتربية بالمآلات (1 - 2)

التربية بالمآلات: نمط من أنماط توجيه القرآن لتجديد حيوية المجتمع المسلم المعاصر وإحياء مقوماته الأصيلة من جديد، هذا النمط يتعلق بتربية الفرد المسلم عن طريق الوعي بمآلات السلوك المتوقعة، أي تربية بالمستقبل القريب أو البعيد، ويمكن أن نستخرج من هذا النمط التربوي للقرآن معادلات تربوية اجتماعية حضارية من القرآن تحقق توجيه السلوك الفردي أو تعديله أو تحسينه بحسب معطيات هذه المعادلات ومقصدها التربوي في النفس الإنسانية.

أما مقوم هذا النمط من التربية فيعتمد على الفطرة الإنسانية، فالإنسان بفطرته يفعل كل ما ينتظر منه تحقيق اللذة والسرور والراحة، ويتجنب بفطرته أيضًا ما يتوقع منه أن يحدث له ألم أو حزن أو تعب، فهذا التوقع لمآلات السلوك تتحكم وتعذي الإرادة الإنسانية ناحية الفعل أو تجنبه، الإقدام أو الإحجام.

وهنا يكمن جوهر التربية بالمالآت التي نستخرجها من القرآن الحكيم، فإذا كانت تقديرات الإنسان الذاتية في التوقع للمستقبل -في الظروف العادية- يمكن أن تحتمل الصواب والخطأ، فإن مآلات الأفعال التي يخبرنا بها القرآن لا تحتمل إلا حكمًا واحدًا هو اليقين أي التحقق؛ لأن القرآن الكريم هو مصدر اليقين والإيمان الكامل للفرد المسلم ومنه يستقي الأحكام وأركان الدين والعبادة فلا ينبغي أن يكون غير ذلك، بل إن من أركان إيمان الفرد المسلم هو اليقين التام بالقرآن وأنه من عند الله والتصديق بكل ما جاء فيه، ومن ثم فكل ما يخبرنا به القرآن واقع لا محالة ورصيد التجربة النبوية والإسلامية والتاريخية –بالإضافة إلى التسليم المطلق للمسلم- يثبت ذلك.

إذن فالتربية بالمآلات تقوم على مرتكز تصور ما هو متوقع وآت نتيجة للقيام بفعل معين، والقرآن الكريم بما أنه كتاب هداية للإنسان فقد أرشد الإنسان إلى ما ينفعه في الحاضر والمستقبل القريب (الحياة الدنيا) والمستقبل الخالد (الآخرة)، كما نبه الإنسان وحذره مما يضره في المستقبلين الدنيا والآخرة.

القرآن.. وفكرة المآلات

ميزان القرآن يقوم على العدالة، التي تفترض عدم المساواة عند الله في الأفعال المتناقضة؛ فلا يستوي المتعلم والجاهل: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر: 9)، ولا يستوي الضار مع النافع: (قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) (المائدة: 100).

 وفي ذات الوقت، يصرح القرآن بكل وضوح أن لا مساواة بين من اختار طاعة الله ومن اختار معصيته: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (آل عمران: 162)، (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) (القلم:35)، (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (الجاثية: 21).

إن فكرة الحصاد للأعمال أي المحصول النهائي فكرة مركزية في القرآن الحكيم وهي فكرة حافزة لسلوك المسلم الذي يجب أن يخضعه للتفكير الراشد قبل اتخاذ قرار الفعل أي في مرحلتي التخاطر والهم والعزم، ومن أجل ذلك يدفع القرآن المسلم إلى المراجعة وإعادة النظر فيما قدم (فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ) (الأنبياء: 64)، والقصد من التوجيه إلى تلك المراجعة الفحص والبحث عما ينفع فيستمر على فعله، أو ما يضره أو ضره بالفعل فيتراجع عن فعله ولا يكرره، ومن ثم يخرج نفسه من متوهمات التقليد البالية والعادات السيئة التي قد تهيمن كمرجعية لسلوك الأفراد في المجتمع التي تسبب جموده وتوقف حركته نظرًا لعدم القدرة على التفكير الناقد أو التفكير في المآلات الفردية والاجتماعية الدنيوية والأخروية للسلوك.

كما أن القرآن يتجه ناحية دائمًا المستقبل أي المآل يقول جل شأنه: (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (الحشر: 18)، وأنه حين يذكر الماضي يذكره للاعتبار والتجربة العملية التي بجب أن نوظف نتائجها في المستقبل، وفي ذلك يوجه القرآنُ الإنسانَ إلى العنايةِ بكل ما يفيده وما ينفعه في المستقبل، وتجنب الأضرار التي يمكن أن تمثل له عائقًا عن مواصلة مسيره؛ لذا يُطالب القرآنُ الإنسانَ بالنظر في الماضي لا بغرض الندم أو التقاعس، لكن بغرض الاعتبار وتوظيف النتائج السابقة في توليد معرفة جديدة تتجاوز إخفاقات الماضي أو قصوره.

أنموذج التربية بالمآلات

من الأساليب التي اعتمدها القرآن في التربية بالمآلات أسلوب: (وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ)، ورغم أن أهل اللغة يعتبرون هذا الأسلوب أسلوبًا تحذيريًا ينبه الإنسان إلى تجنب ما يضره، وقد استخدمه القرآن وفقًا لهذا المعنى في أغلب المواضع التي ورد فيها، إلا موضوعًا واحدًا جاء في باب الترغيب والحث على الفعل والأمر وهو الموضع الآتي: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء: 114).

جاء هذا الأسلوب القرآني (وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ) فيما يقرب من 9 مواضع في القرآن توزعت مجالاتها على النحو الآتي: التوحيد (الفرقان: 68)، وأحوال الجهاد في سبيل الله (البقرة: 85)، والعلاقات الأسرية (البقرة:231)، والمعاملات (النساء: 29-30)، والضبط الاجتماعي (النساء: 114)، شبكة العلاقات الاجتماعية (آل عمران: 28)، والتزكية الفردية (المنافقون: 9)، وسوف نقتصر في التناول على بعض من هذه المجالات.

نموذج (1): التربية بالمآلات في مجال الأسرة:

 ميدان العلاقات الأسرية، وهو أحد أهم الميادين التي اعتنى بها القرآن توضيحًا وتفصيلًا بعد توحيد الله تعالى، وجاء مضمون هذا الأسلوب التربية بالمآلات في موضوع واحد من المواضع التسعة وذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (البقرة: 231).

والهداية التي تقدمها الآية هنا تقوم على معطى رئيس هو إقرار قيمة المعروف بين الزوجين في كل مراحل الزوجية وفي كل أشكال العلاقة وفي كل الأحوال النفسية والاجتماعية التي يمكن أن تنشأ بين الزوجين، إن هيمنة المعروف في ذاته مانع/حائل للضرر وكل أشكال الاعتداء التي يمكن أن تنحرف بشكل العلاقة الزوجية التي رسمها القرآن، والأمر في الآية المذكورة موجه على وجه التعيين للرجال عند انقضاء عدة الطلاق (أي مشارفة مدة العِدة على الزوال).

فيجب على الزوج مراعاة أحد أمرين: إما المراجعة والبقاء واستعادة العلاقة الزوجية واستئنافها على أساس هذه القاعدة الأخلاقية (المعروف) الذي هو أيضًا ضد المنكر أي الاعتداء على الحقوق والحدود المقررة.

والثاني: المفارقة على هذه القاعدة الأخلاقية أيضًا (المعروف) أي بالحسنى ودون الضرر المادي أو الإيذاء المعنوي للزوجة بإرجاعها غرض الضرر بها وليس بغرض استمرار العلاقة الزوجية.

ويحذر القرآن/وينهى عن عدم الامتثال لهذين الأمرين، وينذر الزوج بأنه إن لم يفعل ذلك بأنه يدخل في دائرة الظلم لنفسه بما ظلمه للزوجة وهذا الظلم(1) أن قوله تعالى: (وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).

فيه وجوه: أحدها: ظلم نفسه بتعريضها لعذاب الله، وثانيها: ظلم نفسه بأن فوت عليها مصالح ومنافع إلى ما يحققه العبد من مصالح -إزاء الامتثال والاستجابة- في الدنيا والآخرة، أما منافع الدنيا: فإنه إذا اشتهر فيما بين الناس بهذه المعاملة القبيحة لا يُرغب في التزوج به ولا في معاملته أحد، وأما منافع الدين فهي: الثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل والثواب الحاصل مع الانقياد لأحكام الله تعالى وتكاليفه.

وخلاصة النموذج، أن المعادلة القرآنية غياب المعروف في العلاقة الزوجية يؤدي بالضرورة إلى حدوث الضرر، والمآل والحصاد خسران منافع الدنيا والعقاب في الآخرة، وتوجيه التربية تحري فعل المعروف قولًا وعملًا في العلاقة الزوجية، وتجنب الضرر والإيذاء المعنوي والمادي بكل أشكالهما وفي كافة مراحل الزوجية.

الهوامش
  • 1 الفخر الرازي: مفاتيح الغيب، ج6، ص119.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة