معاصي وديون الاحتفالات..
كيف تمحق مظاهر التباهي بركة المناسبات؟
يكشف تصاعد
الإنفاق على المناسبات الاجتماعية بالعالم العربي عن أزمة سلوكية بعدما وثقت منصة «فيوتشر
ماركت إنسايتس» (Future
Market Insights) لأبحاث
الأسواق، في تقرير حديث، تجاوز الإنفاق على الأعراس الفاخرة وحدها بالمنطقة 3
مليارات دولار سنوياً؛ ما يكرس تحولاً يبتلع مدخرات العائلات، ويحول الفرح
لاستنزاف مالي يتصادم مع مقاصد الزواج الشرعي القائم على اليسر والسكينة.
وتترجم المنصات
الرقمية هذا التحول عبر مشاهد احتفالية أثارت استنكاراً عارماً خلال الأسابيع
الأخيرة من شهري سبتمبر الماضي وأكتوبر الجاري، حيث تصدرت منصات «تيك توك» و«إكس»
مقاطع لحفلات تخرج تحولت منصاتها لحلبات رقص مبتذل على أغانٍ هابطة، في مشهد غاب
عنه وقار العلم، وقوبل برفض قاطع من الأوساط المجتمعية والدعوية التي رأت فيه
انتهاكاً للحياء الشرعي وقيم مجتمعاتنا.
وتزامنت تلك
المشاهد مع تفشي «ترندات» زفات الأعراس الاستعراضية الجريئة أواخر سبتمبر الماضي،
متضمنة رقصات مختلطة للعروسين أمام الكاميرات، واستقدام فرق راقصة متبرجة ونثر
الأموال ببذخ ومواكب تعطل الطرق العامة، مبررين ذلك بكون الليلة هي «ليلة العمر».
فخ التباهي وفلسفة الحرمان المصطنعة
وتتجسد خطورة
هذه التحولات في انحراف المناسبات السعيدة من مساحات للتراحم إلى ميادين للمباهاة
والمخالفات، وفق ما يوضحه المستشار الأسري والمدرب التربوي حمزة صالح، في حديثه لـ«المجتمع»،
أن أصل المشكلة لا يكمن في ذات الفرح، فالابتهاج بالعرس أو التخرج مشروع ومحبب،
وإنما تنشأ الأزمة حين يختلط مفهوم البهجة بممارسات لا تنسجم مع الضوابط الشرعية بفعل ضغط العادات.
وكشفت مؤسسة «تريس
داتا ريسيرش» (TraceData
Research) الدولية،
في تقرير صادر عن سوق التمويل الشخصي، أن قروض تمويل الأعراس تستحوذ على حصة كبرى
من الائتمان بالمنطقة، مسجلة نمواً يعكس اضطرار آلاف الشباب للاستدانة لمجاراة
المظاهر والطقوس المكلفة، ما يحول سنوات الزواج الأولى إلى دوامة من الأعباء
المادية والنزاعات الأسرية.
وتتفاقم هذه
المعضلة حين تتحول مقولات مثل «عاداتنا» أو «لا نريد أن نكون أقل من غيرنا» إلى
مسوغات قهرية، حيث يلفت صالح إلى أن مجاراة السائد باتت مقدمة على ميزان الحلال
والحرام، يغذيها ضعف الوعي والتقليد والمبالغة في الإنفاق، إلى جانب وسائل التواصل
التي تقيس نجاح المناسبة بحجم الصخب والتباهي الخارجي، لا بما تحمله من مودة
وسكينة وبركة يرتكز عليها استقرار الحياة.
ويتقاطع هذا
الواقع مع ما رصدته مؤسسة «ستراتيجي آند» (Strategy&)
للاستشارات التابعة لشبكة «بي دبليو سي»، في تقرير ذكر أن ضغوط المنصات الرقمية
تعيد تشكيل السلوك الاستهلاكي بالشرق الأوسط، وتدفع الأفراد نحو الاستهلاك
التفاخري لتعويض القلق الاجتماعي؛ ما يفسر تحول قاعات الاحتفال لمسارح للبث الحي
وصناعة «الترندات» المصطنعة على حساب القيم الأصيلة.
ولا يقف أثر هذه
التجاوزات عند أصحاب المناسبة، بل يمتد ليطوق الحاضرين بضغوط نفسية، إذ يؤكد صالح
أن شريحة واسعة تشارك في تلك الاحتفالات وتجاري ما يتخللها من تجاوزات بدافع الحرج
والمجاملة، رغم عدم رضاهم في قرارة أنفسهم.
ويستوجب تفكيك
هذا الواقع تصحيح منطلقات النظر للأحكام الشرعية، حيث يشدد صالح على أن المطلب لا
ينطلق من التضييق على بهجة الناس، بل يستهدف تحقيق التوسعة الحقيقية المنضبطة
بحدود الشرع، مشيراً إلى أن السعادة تكمن في فهم الحلال والالتزام بالضوابط
الحافظة لقيم الإسلام وأحكامه، لتظل المناسبات فرصة لبناء الروابط دون جلب التبعات
الأخلاقية والمالية المرهقة للأفراد والمجتمع.
ويرجع العائق
الأكبر أمام إحلال هذا الفهم إلى بيئة ثقافية صورت الدين عائقاً أمام الابتهاج،
ويوضح صالح أن هذه النظرة نشأت تدريجياً عندما اختزل الالتزام في أذهان الناس إلى
قائمة من المنع والحرمان، بدل إدراكه ميزاناً دقيقاً يهذب السلوك، ويحفظ لكل
مناسبة معناها الإنساني النبيل.
ويرتكز هذا
الخلل على بُعد فلسفي يقسم الدين لثنائية مغلوطة، يلفت صالح لخطورتها حين يفرق
البعض بين العبادة النسكية وعموم الحياة، فيقصرون مفهوم العبادة على الصلاة
بالمسجد والحج والصيام، متناسين أن شؤون الحياة بأسرها تخضع لآداب الشريعة
وأحكامها؛ ما أدى لتفريغ الاحتفالات من روح التقوى ومقتضيات الانقياد الواعي،
وتهميش أثر الالتزام الديني في ترشيد سلوكيات المناسبات وصيانتها.
مناسبات استعراضية أرهقت العائلات
ويتطلب الخروج
من دائرة التجاوزات تحركاً شاملاً يستند إلى رؤية تكاملية بين المؤسسات، بحسب
صالح، الذي يوضح أن تصحيح المفهوم لا يتحقق بالمعالجات الجزئية، بل يبدأ بالتفهم
الكامل لأبعاد الظاهرة وتفكيكها، ثم تحمل كل طرف مسؤوليته المباشرة في مسار
العلاج، لبناء بيئة مجتمعية تنتصر للمعاني الأصيلة على حساب القوالب الاستعراضية
التي أرهقت العائلات وأثقلت كواهل الشباب المقبلين على الزواج.
ويشدد صالح على
مسؤولية الآباء عن غرس معايير النظر الصحيح والنقد البناء للمشاهدات المتكررة في
الاحتفالات، ليتعلم الأبناء أن العادات تراجع وتمحص، ولا تتبع لمجرد شيوعها
ورواجها العرفي في المحيط المجتمعي.
ويرسخ هذا
الاستدلال القرآني، وفق رؤية صالح، مفهوم الطاعة المبصرة، حيث يتعلم الأبناء أن
الاتباع يقوم على البصيرة والوعي، مع ضرورة إشراكهم عملياً في تخطيط مناسبات مبهجة
تراعي القدرة المالية دون مشقة أو إحراج، معولاً على القدوة الوالدية بالبيت، فحين
يعبر الوالدان عن الفرح بمحبة واعتدال، يترسخ هذا المعنى الراقي في نفوس الأبناء
وتنشأ لديهم مناعة ضد الاستعراض.
وبموازاة ذلك،
يتجه الدور نحو الدعاة لمطالبتهم بتبني خطاب تجديدي متوازن يجمع بيان الضوابط
الشرعية وشرح مقاصدها وحكمتها البالغة، حيث يشدد صالح على ضرورة تعفف الدعاة عن
التعميم والتشهير، واقتراح بدائل عملية تناسب اختلاف البيئات والأعمار، مبيناً أن
النصح يحقق أبلغ الأثر حين يقر بحاجة الناس الطبيعية للبهجة ويعينهم على تحقيقها
في إطار القيم الإسلامية بالتدرج والمتابعة.
كما يقترح إشراك
الطلاب في تصميم مناسبات تجمع بين البهجة واحترام القيم، ليتعلموا عملياً أن
الاحتفال ليس مظهراً استهلاكياً، بل فرصة كريمة للتعبير الصادق عن مشاعر الامتنان
وإظهار التقدير لثمار الإنجاز التربوي.
وتتطابق هذه
الرؤية مع ما أوردته مؤسسة «فورتشن بزنس إنسايتس» (Fortune Business Insights) العالمية، في تقرير حذرت فيه من أن الثقافة الرقمية والمؤثرين
يروجون لأساليب حياة مصطنعة تفاقم ديون الأجيال الجديدة، وهو ما يستدعي تحصيناً
تربوياً وإعلامياً لحماية الشباب من الوقوع في شرك المظاهر المستوردة التي تستنزف
مواردهم وتصادر استقرارهم النفسي والأسري طويل الأمد بمجتمعاتنا.
ويضع هذا
الاختراق الثقافي الإعلام أمام مسؤوليته المباشرة في تشكيل الذوق العام؛ ولذا،
يوجه صالح نقداً صريحاً لما يمارسه الإعلام الفاسد من بناء منظومة هشة تروج
للموضات الغربية دون تمحيص، محذراً من خطورة تصدير قادة مزيفين وصناع وعي مدلسين.
ويخلص صالح إلى
أن الغاية المنشودة تتمثل في تجاوز الثنائية الوهمية بين تحصيل الفرح والالتزام
بالدين، فالمطلوب ليس إلغاء البهجة أو كبت النفوس، ولا التساهل والتفريط في القيم،
بل إحياء مناسبات واقعية التطبيق وجميلة الأثر تدخل السرور على الناس وتراعي أحكام
شريعتهم وتحفظ كرامة الجميع، لتغدو الأفراح والمناسبات السعيدة شاهداً حياً على
سعة الإسلام وانسجام أحكامه مع نوازع الفطرة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً