المشاعر في القرآن الكريم (3)

الفرح في السياق القرآني (1)

د. مي سمير

23 يونيو 2026

193

الفرح في السياق القرآني (1)

في عصر نطارد فيه السعادة ونبحث عن الاستمتاع بالحياة، تُثار تساؤلات حول مفهوم السعادة والفرح وما الأشياء التي تحقق للإنسان سعادته حقاً؟ وهل مشاعر الفرح هي غاية في نهاية الطريق أم طريقة في التفكير وقرار نتخذه بأن نحيا حياتنا سعداء.

وإذ تناولنا شعور الحزن في الحلقتين السابقتين، وبينّا كيف حذرنا القرآن من الحزن وما يصاحبه من مشاعر سلبية كاليأس والضيق والبخع والأسى وما لتلك المشاعر من آثار جسدية ونفسية مدمرة للإنسان ومزعزعة للإيمان، نبحث في هذه الحلقة عن الشعور المقابل للحزن وهو شعور الفرح أو السعادة، وكيف عرّف الهدي القرآني ذلك الشعور؟ وما أبرز التوجيهات القرآنية بشأن الفرح؟ وهل نظر القرآن نظرة إيجابية لشعور الفرح أم لا؟

الحكمة من تكرار الحديث عن الحزن

وبينما ورد الحزن ما يزيد على 40 مرة في القرآن، فقد ذُكر الفرح ما يقارب 20 مرة، وجاءت مادة «سعد» مرة واحدة في قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (هود: 108)، وبذلك يتجلى الوزن النسبي المرجح للحزن في القرآن، إذ حظى باهتمام قرآني أكبر، وذلك لما للحزن من أخطار على نفوس المؤمنين، وذلك على خلاف الفرح الذي قد يدفع الإنسان للاطمئنان، وفي هذا المعنى قال تعالى: (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ) (الشورى: 48)، ففتنة الحزن قد تكون وطأتها أشد من وطأة الفرح على نفس الإنسان.

الفرح والحزن في القرآن

ولأن الفرح والحزن هما أبرز وأشهر شعورين يمر بهما الإنسان، نجد القرآن الكريم قد رفع شعاراً جامعاً للحزن والفرح في سورة «الحديد»، فقال سبحانه: (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد: 23)، فكما أن الحزن في الآية جاء منهياً عنه، فإنه للمفارقة جاء الفرح أيضاً منهياً عنه، وفي ذلك يقول ابن كثير في تأويل معنى الفرح المنهي عنه في الآية: «لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم، فلا تتخذوا نعم الله أشراً وبطراً؛ ولهذا قال: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)؛ أي: مختال في نفسه متكبر فخور على غيره، وقال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً».

فالمشاعر في القرآن الكريم سيان فرحاً كانت أم حزناً، والمؤمن لا يجب أن يترك نفسه فريسة للمشاعر توجهه حيثما شاءت، بل يكرس تلك المشاعر كزاد للتقوى وعدة للتزكية، والفرح قد يكون إلهاءً عن الإيمان وفتنة في القلب واغترار بنعم الدنيا وهو ما حذر منه القرآن في غير موضع،

وذلك في مقابل الفرح المحمود الذي أورده القرآن في بعض المناسبات تنبيهاً للمؤمنين وتمييزاً بين فرح الدنيا والاغترار بها وفرح المؤمن بنصر الله وفضل ورحمته في الدنيا وجنته في الآخرة.

هل الفرح فتنة؟

يعرض القرآن الكريم في غير مناسبة للفرح باعتباره فتنة للإنسان، فهو من ناحية انغماس في نعم الدنيا وانشغال بها واعتقاد بأنها أفضل من الآخرة، كما في قوله تعالى: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) (الرعد: 26)، ومن ناحية ثانية، فإن القرآن الكريم قد حكى عن أن فرح الكفار بما فتح الله عليهم من نعم قبل أخذهم بالعذاب كان فتنة لهم بعدما كذبوا دعوات رسلهم، فقال سبحانه: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) (الأنعام: 44).

بهذا المعنى يحذرنا القرآن الكريم من الفرح بمعناه المذموم، وبذلك لم يرفض القرآن الكريم كل مشاعر الفرح التي قد ترد على نفس الإنسان، وإنما نبهنا القرآن من الافتتان بالدنيا والاعتقاد بأن نعيمها حقيقي ودائم وجدير بالسعي إلى اكتسابه والحرص عليه.

أخطار الفرح المذموم في القرآن

وانطلاقاً من تلك الرؤية الحذرة من شعور الفرح، نجد القرآن الكريم قد أورد الفرح في عدد من المناسبات جاءت في الغالبية العظمى منها سلبية وكاشفة عن أضرار شعور الفرح وما يخلفه في النفس من آثار سلبية تنعكس على الإيمان بالله والزهد في الدنيا، ومن أبرز مضار الفرح كما وردت في القرآن:

1- صرف النفس عن القتال في سبيل الله طلباً للدنيا وفرحاً بها، فذلك الفرح يسبب تعلقاً بملذات الدنيا وانصرافاً عن مكاره الطاعات، وهو ما تجلى في موقف المنافقين من تثاقل في الجهاد، فقال سبحانه مخبراً عنهم: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ) (التوبة: 81).

2- طلب مدح الناس والسعي لإرضاء الآخرين على حساب الإقبال على الله وطلب رضاه سبحانه، وهو أيضاً من الأمور التي أخبر بها القرآن عن المنافقين والكفار، فقال عنهم: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران: 188).

3- الانشغال بالدنيا ومتاعها الزائل عن الآخرة وعاقبتها الباقية، فالفرح بالشهوات والملذات يخلف في النفس رضا واطمئنان بالدنيا وانصراف عن الآخرة، وهو ما أخبر به سبحانه في قوله: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) (الرعد: 26).

4- الانقسام والتفرق عن طريق الحق فرحاً بما لدى الإنسان من علم واغتراراً بنفسه، وفي ذلك قال تعالى عن الأمم السابقة: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (المؤمنون: 53)، وفي موضع آخر قال سبحانه: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم: 32).

شبكة مشاعر الفرح

ولا تقتصر أضرار الفرح المذموم على إلهاء المؤمن عن آخرته بدنياه وفتنته عن طلب رضا الله بطلب رضا الآخرين لنيل مدحهم، لكن الفرح المذموم في القرآن الكريم جاء ملتبساً بشبكة من المشاعر التي تُعزز من آثاره السلبية على نفوس المؤمنين، ومن أهم تلك المشاعر التي ربط القرآن فيما بينها وبين الفرح المذموم:

1- المرح:

يقول لقمان عليه السلام في وصاياه لابنه التي أوردها القرآن: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: 18)، والمرح لدى القرطبي هو النشاط والمشي فرحاً في غير شغل وفي غير حاجة، وأهل هذا الخلق ملازمون للفخر والخيلاء؛ فالمرح مختال في مشيته، وفي موضع آخر قال سبحانه: (ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ) (غافر: 75)، والمرح لدى الطبري هو الأشر والبطر، وهو ما يعني أن الفرح المذموم يؤدي بالإنسان للإعجاب بنفسه وعدم شكر نعمة الله وتجرؤ على سوء معاملة الآخرين.

3- الغرور والخيلاء:

وقد ورد الفرح مصاحباً للكبر والغرور في آية سورة «الحديد» التي أشرنا إليها سابقاً، وفي موضع آخر قال سبحانه: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) (هود: 10).

فالمرح والفخر والغرور والتكبر كلها مشاعر سلبية تصاحب الفرح المذموم الذي نهى عنه القرآن لما له من انعكاسات على نفس الإنسان، فالفرح بالنعم الدنيوية ينتج عنه اغترار الإنسان بنفسه ويخلق لديه اعتقاد أنه أفضل من غيره.

4- البغي والتجبر:

يسبب شعور الفرح المذموم بما لدى الإنسان من مقومات مادية دنيوية وثروات وما يصاحب ذلك من غرور وإعجاب بالنفس تمادي الإنسان في ظلم الآخرين والبغي عليهم، وفي ذلك يخبر القرآن في قصة قارون ما كان لفرحه بما عنده من أثر في بغيه على قومه، فقال سبحانه: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) (القصص: 76).

يقول الطاهر بن عاشور في تأويل الآية: إنها نزلت لتحذير مشركي مكة الذين أغرتهم أموالهم في البغي على المسلمين والكفر بدعوة الإسلام، فرحاً بأموالهم واعتقاداً منهم بأن تلك الأموال والمكانة تجعلهم أفضل من المسلمين أمثال بلال بن رباح، وعمار بن ياسر، وفي كلا المثالين –قارون وكفار مكة- نجد أن الفرح بما عندهم من ثروة ووجاهة اجتماعية قد أدى إلى بغيهم وتجبرهم على الأضعف منهم.

وبينما قد يسعى الإنسان إلى السعادة بغير انتباه ولا وعي، فإن الوحي الإلهي قد نبهنا إلى أن الفرح في حد ذاته ليس مرفوضاً، لكن تعلق القلب بغير الله والاعتقاد في الدنيا والإقبال عليها هو الأمر الذي يجب أن يحذر منه المؤمن، ويُعلّمنا الهدي القرآني أن الفرح الحقيقي الذي يريده الله سبحانه لعباده هو الفرح الدائم، بينما الفرح المذموم نجده دائماً مرتبطاً بمتع زائلة وملذات مؤقتة، وفي الحلقة القادمة نستعرض الفرح الإيجابي الذي حض عليه القرآن بما يحقق للمؤمنين سعادتهم الحقة في الدنيا والآخرة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة