قراءة في كتاب «تحالف الغدر.. التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة»
مؤلف كتاب «تحالف الغدر.. التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة» تريتا بارسي، خبير إستراتيجي سويدي-إيراني، وواحد من أبرز المحللين السياسيين في واشنطن المتخصصين في العلاقات الإيرانية الأمريكية، يشغل حالياً منصب نائب رئيس معهد كوينسي للإدارة المسؤولية، وهو مؤسس ورئيس سابق لـلمجلس الوطني الإيراني الأمريكي (NIAC).
حصل بارسي على
الدكتوراة في العلاقات الدولية من جامعة جونز هوبكنز تحت إشراف فرانسيس فوكوياما، وتكمن
ميزته الكبرى في امتلاكه شبكة علاقات واسعة تمتد من وزارة الخارجية الأمريكية إلى
أروقة السلطة في طهران.
ألَّف ثلاثية
تاريخية حول العلاقات الإيرانية مع الغرب و«إسرائيل»، أبرزها كتاب «تحالف الغدر» الذي
فاز بجائزة جراويماير المرموقة، ويتبنى بارسي المدرسة الواقعية في السياسة
الخارجية، حيث يرى أن استقرار الشرق الأوسط يتحقق عبر الدبلوماسية وإدماج إيران في
النظام الإقليمي بدلاً من سياسات العزل والمواجهة العسكرية؛ ما جعله صوتاً محورياً
في تشكيل ملامح الحوار الإستراتيجي المعاصر.
تحالف الغدر.. حين تتحدث المصالح وتصمت الشعارات
في كتابه «تحالف
الغدر.. التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة»، لا يكتفي بارسي
بالتحليل الأكاديمي، بل يستند إلى أكثر من 130 مقابلة أجراها مع صناع القرار في
العواصم الثلاث، يفكك الأسطورة القائلة بأن الصراع الإيراني «الإسرائيلي» صدام
أيديولوجي حتمي، ليكشف عن واقع ماكيافيلي بامتياز، حيث تتحول الأيديولوجيا إلى
مجرد أداة للتعبئة الشعبية بينما تظل موازين القوى البوصلة الوحيدة.
عقيدة المحيط
تبدأ قصة
العلاقات الثلاثية بتحالف إستراتيجي بين شاه إيران السابق والكيان الصهيوني، لم
يكن حباً في الكيان، بل كان، كما يقول المؤلف، خوفاً من القومية العربية، فيرى بارسي
كيف أن «إسرائيل» كانت ترى في إيران العمق الإستراتيجي الأهم.
في إحدى
المقابلات التي أجراها بارسي، يبرز اقتباس لإسحاق رابين (رئيس وزراء الكيان
الصهيوني الراحل)، يوضح فيه الرؤية الصهيونية العميقة لإيران في ذلك الوقت قائلاً:
يقول رابين: إيران هي أفضل صديق لـ«إسرائيل»، ونحن لا ننوي تغيير موقفنا تجاهها،
لأن العلاقة مع طهران حجر الزاوية في أمننا الإقليمي، هذه الكلمات تختصر مرحلة كان
فيها «الموساد الإيراني» (السافاك)، و«الموساد الإسرائيلي» يعملان كجسد واحد ضد
الأعداء المشتركين في المنطقة.
صدمة 1979م.. حين يرتدي الصراع ثوب الدين
مع صعود
الخميني، تغيرت اللغة الرسمية، لكن الجغرافيا السياسية رفضت التغير بنفس السرعة، يكشف
بارسي أن «إسرائيل» كانت مرتعبة من سقوط الشاه ليس حباً فيه، بل خوفاً من فقدان
الحليف الإيراني.
وينقل بارسي عن
إيلي ليفي، مسؤول «إسرائيلي» سابق في طهران، قوله عما حدث بعد الثورة مباشرة: لقد
كنا في حالة إنكار؛ كنا نعتقد أن المصالح الجيوسياسية ستجبر آية الله الخميني في
النهاية على العودة إلى أحضاننا، لأن إيران لا يمكنها البقاء من دون السلاح
والتكنولوجيا «الإسرائيلية».
فضيحة «إيران-كونترا».. صفقات سرية تحت نيران الحرب
وصلت الانتهازية
إلى ذروتها في أثناء الحرب الإيرانية العراقية، فـ«إسرائيل» كانت تضغط على واشنطن
لدعم إيران بالسلاح سراً من أجل إضعاف العراق.
يقتبس بارسي عن
ديفيد كيمحي، المدير العام السابق لوزارة الخارجية الصهيونية، أحد مهندسي صفقة «إيران-كونترا»:
لم نكن نرى في إيران الإسلامية تهديداً وجودياً آنذاك؛ كان صدام حسين الخطر
الحقيقي، وكان هدفنا التأكد من أن الطرفين (إيران والعراق) ينهكان بعضهما بعضاً
حتى الموت.
ومن الجانب
الإيراني، حصل بارسي على اعترافات مثيرة توضح كيف كانت طهران تبرر التعامل مع
العدو الصهيوني.
يقول محسن رضائي،
القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، في إحدى المقابلات: في الحرب، الضرورات تبيح
المحظورات، كنا بحاجة للسلاح للبقاء، ولم يكن يهمنا حينها من أين يأتي، طالما أنه
سيحمي الثورة من الغزو العراقي.
عام 1991م.. بداية النهاية
يرى بارسي أن
العام 1991م كان بداية النهاية للتعاون السري، فبسقوط الاتحاد السوفييتي وهزيمة
العراق، فقدت «إسرائيل» وإيران العدو المشترك، وفجأة، بدأ الكيان الصهيوني يخشى من
أن واشنطن قد تطبع علاقاتها مع طهران وهذا ليس في صالح الكيان.
ويقتبس بارسي عن
شيمون بيريز، الرئيس الصهيوني الراحل، قوله في محاولة لتبرير التحول نحو معاداة
إيران: بمجرد اختفاء التهديد العراقي، أصبحت طهران المصدر الرئيس لعدم الاستقرار، كان
علينا أن نقنع العالم بأن النظام الإيراني هو الخطر الأكبر على السلم العالمي.
الورقة السويسرية.. تنازلات تاريخية ضيعتها واشنطن
في عام 2003م،
أرسلت إيران عرضاً سرياً لواشنطن، فيما عرف بـ«الورقة السويسرية»، عرضت فيه
تنازلات تاريخية، لكن المحافظين الجدد في واشنطن، بتحريض مباشر من اللوبي
الصهيوني، رفضوا العرض.
وقد كانت الورقة
السويسرية عبارة عن مقترح إيراني سري لواشنطن لعقد صفقة كبرى تنهي العداء مع
واشنطن، عرضت طهران فيها تنازلات تاريخية تشمل:
- ضمان شفافية
برنامج إيران النووي.
- الاعتراف بحل
الدولتين في فلسطين.
- وقف دعم «حماس»
و«الجهاد الإسلامي».
- الضغط على «حزب
الله» للتحول لعمل سياسي.
كل ذلك مقابل
رفع العقوبات وضمانات أمنية واعتراف بمصالح إيران الإقليمية.
ينقل بارسي عن
لورانس ويلكرسون، رئيس موظفي كولن باول في الخارجية الأمريكية آنذاك، شهادته
المحبطة قائلاً: لقد كانت لدينا فرصة ذهبية لحل كافة مشكلاتنا مع إيران، لكن
الجماعات المؤيدة لـ«إسرائيل» في واشنطن والداخلين في إدارة بوش قتلوا العرض قبل
أن يقرأه الرئيس، بحجة أننا لا نتفاوض مع محور الشر.
ازدواجية نجاد
عندما صعد محمود
أحمدي نجاد بخطابه الراديكالي، كان ذلك، كما يرى بارسي، فعلاً سياسياً مدروساً
وليس جنوناً، وكان الهدف كسر العزلة الإيرانية.
يقول جواد ظريف،
الذي كان حينها سفيراً لإيران في الأمم المتحدة، لبارسي في إحدى المقابلات: أحياناً
نضطر لاستخدام لغة خشنة لنثبت للغرب أن سياسة الضغط لا تنفع معنا، الخطاب ليس
دائماً انعكاساً للسياسة الفعلية، بل هو أداة لرفع سقف التفاوض.
ذريعة الخطر الوجودي
في المقابل،
كانت «إسرائيل» تستفيد من تصريحات نجاد لتثبيت صورة إيران كدولة مارقة، يقتبس
بارسي عن مير داغان، رئيس «الموساد» السابق، قوله في جلسة خاصة: إيران ليست غبية
لدرجة استخدام السلاح النووي، لكننا نحتاج أن يظل العالم خائفاً من هذا الاحتمال
لضمان استمرار العقوبات ومنع إيران من أن تصبح القوة المهيمنة في منطقتنا.
انحياز فج
يرى بارسي أن
أمريكا وقعت في فخ الاحتواء المزدوج، ويقتبس عن مارتين إنديك، الدبلوماسي الأمريكي
ومهندس سياسة الاحتواء: لقد حاولنا الموازنة بين حليفتنا «إسرائيل» وطموحات إيران،
لكن الضغوط الداخلية (اللوبي الصهيوني) في واشنطن تجعل من المستحيل على أي إدارة
أمريكية أن تعامل إيران كدولة طبيعية.
ميكافيلية الملالي
يختتم بارسي
كتابه بشهادة من علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، الذي يوضح فلسفة طهران
العميقة: نحن لا نبحث عن صراعات أبدية، لكننا لن نقبل بأقل من اعتراف كامل بمكانة
إيران كقوة إقليمية كبرى، الأيديولوجيا هي لباسنا، لكن المصلحة الوطنية هي جسدنا.
حتمية التحالف
ينتهي الكتاب
باقتباس يلخص فلسفة تاريتا بارسي نفسها، بذكر ما قاله له أحد المسؤولين الصهاينة الكبار
(طلب عدم ذكر اسمه): في الشرق الأوسط، إذا رأيت عدوين يتصافحان، فابحث عمن يخطط
للغدر بالآخر، وإذا رأيتهما يتقاتلان، فابحث عن الصفقة السرية التي تجري بينهما
تحت الطاولة.
في «تحالف الغدر»،
يقدم بارسي إطاراً جديداً كلياً؛ فالتوترات الإقليمية ليست سوء تفاهم، بل هي توازن
رعب مدروس، والكتاب يثبت أن الشرق الأوسط لا تحكمه عمائم الملالي ولا قلنسوات
الحاخامات، بل تحكمه حسابات القوة الباردة، وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يعلمنا
كيف نقرأ ما بين السطور، وكيف ندرك أن تحالف الغدر القيمة الثابتة الوحيدة في عالم
السياسة المتغير.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً