اجترار الماضي!

اجترار الماضي!

نعيش بطبيعتنا كبشر بين مسارات الزمن الثلاثة؛ الماضي، والحاضر، والمستقبل، غير أن بعض الأفراد والجماعات والمؤسسات يقبعون فيما يعرف بـ«اجترار الماضي»، وهي حالة مستمرة ولا إرادية من استدعاء أحداث الماضي واستحضارها على الدوام، فيتحول الماضي حينئذ إلى سجن نفسي وتاريخي يعوق التقدم ويشل الحركة، بدلاً من أن يكون مدرسة نستخلص منها العبر، ونهذب بها سلوكنا الحاضر، ونستضيء بها في استشراف المستقبل.

إن اجترار الماضي لا يقتصر على الأفراد، بل يتجاوزهم ليصبح ظاهرة تصيب المؤسسات والمجتمعات والأمم، ومن أراد أن يقف على مقدار الترهل الذي أصاب مؤسسة ما، فليراقب خطابها وما يكتنفه من استغراق في الماضي وتكرار لوقائعه.. فتراها، ومن يعملون فيها، يعيشون داخل سردية مكرورة لا تقدم حلًا لمشكلات الواقع، ولا تفتح أفقًا للمستقبل.

إن هذا الاجترار على مستوى المؤسسات يفضي إلى حالة من التيبس والجمود الفكري، حتى تغدو العقول عاجزة عن قراءة الحاضر إلا من خلال عدسة الماضي، فإذا أخفقت في إدارة واقعها، سارعت إلى استدعاء النماذج والأمثلة التاريخية لتبرير إخفاقها وتسويغ عجزها.

وتكمن خطورة اجترار الماضي في أنه يتحول إلى عائق يحول دون التطور، فيغدو التاريخ عبئًا يثقل كاهل المؤسسة بدل أن يكون رصيدًا يعينها على النهوض.

ويكثر هذا النمط في «المؤسسات الكسولة» التي تكتفي بترديد أمجاد الأمس بدل صناعة إنجازات اليوم والتخطيط لمكاسب الغد، فيتحول التاريخ إلى متراس تتخفى خلفه للحفاظ على النفوذ والمصالح ومواقع السيطرة.

ويتفاوت الأفراد والمؤسسات في تعاملهم مع الماضي؛ ففريق يدعو إلى القطيعة التامة معه بحجة ما يحمله من مظاهر التخلف، وهو تصور يفتقر إلى الحكمة والواقعية، وفريق آخر يحيطه بهالة من القداسة المطلقة تجعله فوق النقد والمراجعة، وبين هذين الاتجاهين يقف فريق أكثر اتزانًا، ينظر إلى الماضي بعين الاعتبار لا الافتتان، ويميز بين التاريخ البشري والتشريع الديني، ويوظف رصيد التاريخ في ترسيخ الهوية وبناء الوعي واستشراف المستقبل.

يمثل اجترار الماضي تحدياً خطيراً يمس صميم السلوك الإنساني والمؤسسي، ونحن أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن نتعامل مع الماضي بوصفه خبرة حية ومتجددة نستفيد منها في فهم واقعنا وصناعة مستقبلنا، وإما أن نسقط في فخ اجتراره على نحو جامد ومتكلس ومدمر، فنبقى أسرى قوالب بالية، ندور في حلقة مفرغة، ونتراجع إلى مؤخرة الركب، حيث تخبو الآمال وتتبدد الطموحات.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة