الْقِيَادَةُ بِلَا مَنْصِبٍ
لِمَاذَا سَلَّمَ حَسَّانُ بْنُ مَالِكٍ الْخِلَافَةَ؟
أورد الإمام
الذهبي في «سير أعلام النبلاء»: عَنْ حَسَّانَ بْنِ مَالِكِ(1) بْنِ
بَحْدَلٍ بن أُنَيف، أمير العرب، أبي سليمان الكلبي، من أُمَرَاءِ مُعَاوِيَةَ
يَوْمَ «صِفِّينَ»، وَهُوَ الَّذِي شَدَّ مِنْ مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ وَبَايَعَهُ،
قَالَ الكَلْبِيُّ: سَلَّمُوا بِالخِلَافَةِ عَلَى حَسَّانٍ أَرْبَعِيْنَ
لَيْلَةً، ثُمَّ سَلَّمَ الأَمْرَ إِلَى مَرْوَانَ، وَلَهُ قَصْرٌ بِدِمَشْقَ،
وَهُوَ قَصْرُ البَحَادِلة، ثُمَّ صَارَ يُعْرَف بِقَصْرِ ابْنِ أَبِي الحديدِ، وَهُوَ
الَّذِي كان يَفْتَخِرُ وَيَقُوْلُ: فَإِنْ لَا يَكُنْ منَّا الخَلِيْفَةُ
نَفْسُهُ، فَمَا نالها إلا ونحن شهود(2).
يقف هذا الخبر
التاريخي عند لحظة شديدة الحساسية من تاريخ الدولة الأموية، حين اجتمع ضعف المركز
السياسي مع اتساع دائرة المنافسين واضطراب الولاءات، وهذه القراءة لا تتعامل مع
الموقف باعتباره مجرد انتقال للسلطة، بل تنظر إليه بوصفه نموذجًا في فهم القيادة
وإدارة الأزمات وحدود الطموح السياسي، مع مراعاة أنَّ أخبار هذه المرحلة نُقلت في
كتب التاريخ والسير بروايات متعددة تحتاج إلى التعامل معها بوعي نقدي.
حين يتحول الفراغ السياسي إلى اختبار للقيادة
لم يكن حسان بن
مالك شخصية عابرة في المشهد الأموي؛ فقد كان من كبار زعماء كلب، وهي القبيلة التي
شكلت إحدى أهم القوى الاجتماعية والعسكرية الداعمة لبني أمية في الشام، وعندما
اضطرب الأمر بعد وفاة معاوية بن يزيد، ظهر فراغ سياسي كاد يفتح الباب لانهيار
البيت الأموي من الداخل.
في مثل هذه
اللحظات لا تكون المشكلة غياب الحاكم فقط، بل غياب مركز الثقة الذي تلتف حوله
الجماعة، وهنا ظهر دور حسان بن مالك بوصفه صاحب نفوذ وشوكة، فاجتمعت عليه الكلمة
مدة من الزمن، ثم انتهى إلى دعم مروان بن الحكم.
ويُبرز هذا
الموقف مبدأً أصيلًا في القيادة الإسلامية، مؤداه أنَّ القيادة لا تقوم على مجرد
تقلد المنصب، وإنما على تحمل المسؤولية وسد الفراغ عند الأزمات؛ فالقائد الحق
يُقاس بقدرته على جمع الكلمة، وحماية الجماعة، واتخاذ القرار الذي يصون مصالح
الأمة ويحول دون تفككها.
ويتجسد هذا
المعنى بجلاء في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه من مانعي الزكاة، الذي يُعد من
أبرز النماذج التطبيقية للقيادة الراشدة في إدارة الأزمات؛ إذ واجه عقب وفاة النبي
صلى الله عليه وسلم تحديًا وجوديًا هدد وحدة الأمة واستقرارها، فتعامل معه بثبات
وبصيرة، مقدمًا حفظ كيان الدولة ووحدة المسلمين على التردد أو المساومة.
وقد تجلى ذلك
عندما انعقد رأيه على قتال مانعي الزكاة، في حين خالفه عدد من كبار الصحابة،
محتجين بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى
يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي
دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»(3)،
غير أن أبا بكر رضي الله عنه استند إلى فهمه العميق لمقاصد الشريعة، مبينًا أن
الزكاة من حقوق المال التي لا تنفك عن الصلاة، وقال كلمته الخالدة: «والله لأقاتلن
من فرَّق بين الصلاة والزكاة»، فكان موقفه الحاسم سببًا في صيانة وحدة الأمة
وترسيخ هيبة الدولة الإسلامية.
وهذا المعنى
نجده يتكرر في سنن الاجتماع البشري؛ فالمجتمعات عند الأزمات تبحث عن صاحب القدرة
على تثبيت السفينة قبل البحث عن شكل القيادة النهائي.
كيف انتصر حسان بن مالك على فتنة المنصب؟
من أكثر الجوانب
لفتًا في قصة حسان بن مالك أنه لم يصل إلى الخلافة بعد انتصار عسكري أو صراع طويل،
بل وصل إليها في ظرف اضطراري، ثم تركها بعد مدة قصيرة، ومهما اختلفت التفسيرات
التاريخية لهذا القرار، فإن فيه صورة من صور إدراك الفرق بين امتلاك السلطة
وامتلاك القدرة على إدارة آثارها.
فالمنصب قد يكون
مغريًا للإنسان لأنه يمنحه الاعتراف والمكانة، لكن القيادة الناضجة تسأل سؤالًا
آخر: هل بقائي في هذا الموقع يحقق المصلحة أم يزيد الأزمة؟
وهنا يظهر معنى
قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ
الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ
وَلَا فَسَادًا) (القصص: 83)؛ تلك الآخرة التي تحدث عنها الذين أوتوا العلم،
العلم الحق الذي يقوم الأشياء قيمتها الحقيقية، تلك الدار الآخرة العالية الرتبة
البعيدة الآفاق، تلك الدار الآخرة (نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا
فَسَادًا) فلا يقوم في نفوسهم خاطر الاستعلاء بأنفسهم لأنفسهم؛ ولا يهجس في
قلوبهم الاعتزاز بذواتهم والاعتزاز بأشخاصهم وما يتعلق بها، إنما يتوارى شعورهم
بأنفسهم ليملأها الشعور بالله، ومنهجه في الحياة، أولئك الذين لا يقيمون لهذه
الأرض وأشيائها وأعراضها وقيمها وموازينها حساباً، ولا يبغون فيها كذلك فسادًا، أولئك
هم الذين جعل الله لهم الدار الآخرة تلك الدار العالية السامية(4).
ومن ثمَّ، فإن
من كمال الإخلاص وتجرد النفس أن يؤثر المرء مصلحة الجماعة على حظوظها، وأن يعزف عن
منصب يقدر عليه إذا غلب على ظنه أن المصلحة العامة تتحقق بتقديم غيره، ابتغاء وجه
الله، وصيانة لوحدة الأمة، وتجردًا من إرادة العلو في الأرض.
وقد برز هذا المعنى في امتثال خالد بن الوليد -رضي الله عنه- لقرار عزله من قيادة جيوش المسلمين في الشام من قبل الخليفة عمر بن الخطاب، حيث تجرد من حظوظ النفس وتجاوز فتنة المنصب القيادي الأعلى، مسلماً الراية لأبي عبيدة بن الجراح طواعية إيثاراً للمصلحة. حيث قال خالد كلمته التاريخية: "واللَّهِ لو ولِّيَ عُمَرُ عَلَى امرأةٍ لسمعت وأطعت"5. فهنا ضرب لنا خالد بن الوليد رضي الله عنه نموذجًا رفيعًا في الانضباط الشرعي؛ إذ قدم مصلحة الأمة على التمسك بالمنصب، مؤكدًا أن قيمة القيادة الحقيقية تكمن في الإخلاص للرسالة لا في التشبث بالموقع، وأن من عرف قدر نفسه وقيمتها الحقيقية لم تغره المناصب أو الدنيا.
القائد الذي يختار التأثير بدل الظهور
تكشف شخصية حسان
بن مالك عن مفهوم مهم في القيادة، مفاده أنَّ النفوذ لا يساوي دائمًا المنصب
الرسمي، فقد يكون الإنسان خارج إطار القرار الظاهر، لكنه يملك من المكانة والثقة
ما يجعله مؤثرًا في اتجاه الأحداث، ولهذا كان انتقال السلطة إلى مروان بن الحكم
ليس مجرد تنازل فردي، بل إعادة ترتيب لموازين الشرعية السياسية في ذلك الزمن؛ إذ
كانت قريش تحتل موقعًا مركزيًا في تصور العرب للخلافة، وكان مروان يملك خبرة
سياسية ونسبًا قرشيًا يساعدان على جمع أطراف متفرقة.
ويرتبط هذا
المعنى بمبدأ قرآني أصيل في اختيار القيادات؛ (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)
(القصص: 26)؛ فالاختيار الناجح لا يقوم على القرب العاطفي فقط، وإنما على
اجتماع القوة والأمانة والقدرة على أداء المهمة.
ويظهر هذا
المنهج في سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في بداية الدعوة الإسلامية؛ إذ اعتمد
أسلوب التأثير الفعّال وبناء الثقة بعيدًا عن الظهور والمواجهة العلنية في مراحل
الدعوة الأولى، فاستثمر مكانته ليصنع صفاً قيادياً متيناً، فأسلم على يديه كبار
الصحابة مثل، مثل عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد
الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم(6).
وفي واقع
المؤسسات اليوم، قد يكون المدير الناجح هو من يعرف متى يتقدم ومتى يفسح المجال لمن
هو أصلح للمرحلة، فالقائد الذي يجعل بقاء المؤسسة أهم من بقاء صورته الشخصية يختلف
عن الباحث عن اللقب.
إدارة المرحلة الانتقالية قبل حسم مصير الدولة
يرتبط خبر حسان
بن مالك بمدة أربعين ليلة، وهي مدة اكتسبت في الوعي العربي والإسلامي دلالاتٍ
ترتبط بالاكتمال والتهيؤ والانتقال من مرحلة إلى أخرى، ومع ذلك، لا يلزم من ورود
هذا العدد الجزم بأن المقصود منه رمزيته، وإنما تكشف هذه المدة –في سياق الحدث– عن
مرحلة انتقالية اقتضت التروي قبل حسم مصير الدولة، وإعادة ترتيب البيت الأموي في
ظل اضطراب سياسي هدد استقرار الحكم ووحدة الجماعة.
ويؤيد هذا
المعنى ما جرى في الشورى التي انتهت باختيار عثمان بن عفان رضي الله عنه خليفةً
للمسلمين؛ فقد قدم عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه نموذجًا رفيعًا في التثبت عند
اتخاذ القرار المصيري، فلم يبادر إلى ترجيح أحد المرشحين، بل استنفد المدة في
البحث والموازنة، ووسع دائرة الشورى لتشمل كبار الصحابة ووجوه المسلمين، حرصًا على
الوصول إلى القرار الذي يحقق مصلحة الأمة ويحظى بأوسع قدر من الرضا والقبول، وقد
وصف ما تحمله من مشقة في سبيل ذلك بقوله: «ما ذاقت عيناي كثير نوم منذ ثلاث ليال»(7)،
ثم أخذ يستشير أهل الشورى واحدًا واحدًا حتى استقر رأيه على اختيار عثمان بن عفان
خليفة للمسلمين.
وتكشف هذه
المواقف أن القيادة الراشدة لا تجعل سرعة الحسم غاية في ذاتها، وإنما تقدم سلامة
القرار على سرعته؛ فالقرارات المصيرية تُبنى على قراءة الواقع، واستيعاب موازين
القوى، وتقدير المآلات، وموازنة المصالح والمفاسد قبل الإقدام على الحسم، ومن ثم،
يغدو التروي في مثل هذه المواقف صورةً من صور الحكمة القيادية، لا ترددًا أو ضعفًا
في اتخاذ القرار، وهي قاعدة لا تزال تحتفظ بقيمتها في إدارة الأزمات المعاصرة على
مستوى الأسرة والمؤسسة والدولة؛ إذ إن كثيرًا من الإخفاقات ترجع إلى قرارات فُرضت
تحت ضغط اللحظة قبل استكمال معطياتها واستشراف نتائجها.
ماذا يفعل القائد حين تصطدم العصبية القبلية مع مصلحة الدولة؟
يُلقي موقف حسان
بن مالك الضوء على أحد أكثر التحديات تعقيدًا في القيادة السياسية، إذ لم يكن
قراره نابعًا من اعتبارات شخصية فحسب، بل صدر عن زعيم قبيلة ذات نفوذ ومصالح راسخة،
ومن ثَمَّ، وجد نفسه أمام معادلة دقيقة بين مقتضيات العصبية القبلية ومتطلبات
استقرار الدولة؛ فالقيادة الرشيدة لا تنحصر في الاستجابة لتطلعات الجماعة، وإنما
تمتد إلى توجيهها نحو ما يحقق المصلحة العامة، ولو خالف رغباتها الآنية.
ومن هذا
المنطلق، لم يكن انتقال السلطة من حسان بن مالك إلى مروان بن الحكم تخليًا عن مكسب
قبلي محتمل، بقدر ما كان تغليبًا لاستمرار النظام السياسي على الاعتبارات القبلية
الضيقة.
ومن التطبيقات
العملية لهذا المبدأ موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند تنظيم أمر الخلافة؛ إذ
استبعد ابنه عبد الله من المرشحين، مع إقراره بفضله وصلاحه، وأبقاه شاهدًا
ومستشارًا دون أن يكون له نصيب في الأمر، قائلًا: «يشهد عبدالله بن عمر معهم، وليس
له من الأمر شيء»(8)، ويُعد هذا الموقف من أبلغ النماذج في تقديم
المصلحة العامة على اعتبارات القرابة، وترسيخ مبدأ حياد السلطة، وسد الذرائع
المؤدية إلى توريث الحكم أو إثارة الشبهات حول نزاهة اختيار الخليفة.
وتؤسس هذه
المواقف لقاعدة قيادية راسخة، تتضمن أن القائد لا يكون أسيرًا لتوقعات جماعته أو
لعلاقاته الخاصة، وإنما يزن قراراته بميزان المصلحة العامة ومآلاتها؛ إذ قد تمنح
الاستجابة للضغوط مكسبًا آنيًا، لكنها قد تُفضي إلى اضطراب طويل الأمد، بينما يسهم
القرار الذي يقوم على الحكمة والتجرد في ترسيخ استقرار المؤسسات وحماية وحدة
الجماعة، ولا تزال هذه القاعدة تحتفظ بأهميتها في مختلف مجالات القيادة المعاصرة؛
حيث يحتاج المربي، والداعية، والمدير، وصانع القرار إلى الشجاعة في مخالفة
التوقعات متى اقتضت المصلحة العامة ذلك.
كيف يصنع الرصيد الاجتماعي نفوذًا يفوق السلطة؟
لا ينشأ النفوذ
دائمًا من السلطة الرسمية، بل قد يتكون قبلها من رصيد اجتماعي يُبنى على الثقة،
وحسن السمعة، واتساع شبكة العلاقات، حتى يصبح صاحبه قادرًا على التأثير في مسار
الأحداث دون حاجة إلى منصب رسمي، وفي هذا الإطار، لم يكن قصر البحادلة بدمشق مجرد
مقر لإقامة الأسرة، وإنما مثل عنوانًا لمكانتها السياسية والاجتماعية، ومركزًا
تلتقي فيه دوائر النفوذ وصناعة القرار، بما يعكس ما بلغته هذه الأسرة من حضور مؤثر
في الدولة الأموية.
ولم يكن هذا
النموذج استثناءً؛ فقد أدرك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه منذ فتح العراق أن
استقرار الدولة لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما يحتاج إلى مركز يجمع
القيادة والإدارة والناس، فنزل كما جاء في الرواية: «القصر الأبيض، واتخذ الإيوان
مصلى»(9)، وبذلك أصبح القصر مركزًا لإدارة شؤون المسلمين، ومقرًا
لاجتماع الناس، ومنطلقًا لترسيخ الاستقرار في المجتمع.
ويستفاد من ذلك
أن بناء الدول لا يعتمد على العمران وحده، وإنما يقوم كذلك على ما تُنتجه الشخصيات
القيادية من ثقة، وما تبنيه من علاقات، وما تمتلكه من قدرة على توجيه المجتمع، وفي
هذا السياق، برز أبو بكر الصديق رضي الله عنه بوصفه نموذجًا بارزًا في توظيف
المكانة الاجتماعية لخدمة الدعوة؛ فقد كان «رجلًا مَألَفًا لقومِه مُحَبَّبًا
سَهْلًا، وكان رجال قومه يَأْتُونَه ويألفونه، لغير واحد من الأمر؛ لعلمه،
وتجارته، وحُسْنِ مجالسته»(10)، فاستثمر هذه المكانة في استقطاب نخبة
قريش إلى الإسلام، لتغدو مكانته الاجتماعية رافدًا من روافد نجاح الدعوة في
مراحلها الأولى.
ومن ثم، فإنَّ
دراسة الشخصيات التاريخية لا تقتصر على تحليل قراراتها السياسية، بل تمتد إلى فهم
البيئة الاجتماعية التي أسهمت في تكوين نفوذها، والوسائل التي أحسنت توظيفها في
خدمة رسالتها وتحقيق أهدافها.
الفخر بصناعة الملوك لا بامتلاك الملك
ويعبر هذا البيت
الوارد في النص(11) عن حسان بن مالك -إن صحت نسبته إليه- عن معنى قيادي
عميق؛ إذ يدل على أن الإسهام في صناعة القرار وتوجيه مسار الأحداث قد يفوق في أثره
مجرد تقلد المنصب، فليست القيادة مقصورة على من يتصدر المشهد، بل قد يمارسها من
يمتلك القدرة على التأثير في القرارات، وتوحيد الصفوف، وصيانة استقرار الدولة، وإن
لم يكن صاحب السلطة المباشرة.
ويجد هذا المعنى
شاهدًا عمليًا في موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ إذ لم يحصر دوره في تولي
الخلافة، بل عدَّ مشاركته في تثبيت الدولة ومؤازرة الخلفاء الذين سبقوه جزءًا من
واجبه تجاه الأمة، فقال: «فأديت إلى أبي بكر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في
جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزوا إذا أغزاني، وأضرب بين يديه بسوطي.. فأديت إلى
عمر حقه، وعرفت طاعته.. وأضرب بين يديه الحدود بسوطي»(12)، ويبرز هذا
النص أن قيمة القائد لا تُقاس بالموقع الذي يشغله فحسب، وإنما بما يقدمه من إسهام
في حفظ الجماعة وترسيخ الاستقرار، ولو كان ذلك من موقع المعاون والمساند.
ومن ثَمَّ،
فإنَّ الأثر الباقي في حياة الأمم لا يصنعه دائمًا أصحاب الألقاب، بل يصنعه أيضًا
أولئك الذين يضعون مصالحها فوق تطلعاتهم الشخصية، فيسهمون في بناء الدولة
واستقرارها من أي موقع يشغلونه.
حين يصبح الاستقرار المؤسسي أهم من الأضواء
إنَّ الناظر في
المواقف السابقة يجد أنها تُفضي إلى حقيقةٍ مفادها أن النفوذ الحقيقي لا يرتبط
بالمنصب الرسمي وحده، بل يقوم كذلك على الحكمة، والرصيد الاجتماعي، وحسن تقدير
المآلات، والقدرة على التأثير في صناعة القرار، ولهذا لم يكن أثر القادة الراشدين
رهينًا بما تقلدوه من مناصب، وإنما بما خلفوه من استقرار، وما أرسوه من قيم
ومؤسسات بقيت آثارها بعد زوال سلطانهم.
ولا يقتصر هذا المبدأ على المجال السياسي، بل يمتد إلى مختلف دوائر الحياة؛
- ففي الأسرة قد تتمثل القيادة الرشيدة في تقديم تماسك البيت واستقراره على الرغبة في الانتصار للرأي،
- وفي المؤسسات التعليمية يقاس نجاح المعلم بما يغرسه في طلابه من قيم وعلم أكثر مما يقاس بحضوره الشخصي،
- وفي بيئات العمل يبرز القائد الحقيقي عندما يبني فريقًا قادرًا على مواصلة النجاح، لا عندما يحتكر الإنجاز أو يربط المؤسسة بشخصه.
وبناءً على ما سبق، فإن القيادة الراشدة لا تُقاس بمدى الحضور أو السعي إلى الظهور، وإنما بقدرتها على بناء الإنسان، وترسيخ المؤسسات، وتحقيق الاستقرار، وهي معانٍ تجلت في موقف حسان بن مالك، ولا تزال تمثل مبادئ قيادية قابلة للاستفادة منها في مختلف البيئات والمجالات عبر العصور.
الهوامش
- 1 يُعَدُّ حَسَّانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ بَحْدَلٍ الْكَلْبِيُّ مِنْ أَبْرَزِ زُعَمَاءِ قَبِيلَةِ كَلْبٍ وَأُمَرَاءِ الشَّامِ فِي الْعَصْرِ الْأُمَوِيِّ، حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَكَانَةِ الْقَبَلِيَّةِ وَالصِّلَةِ الْوَثِيقَةِ بِالْبَيْتِ الْأُمَوِيِّ؛ فَهُوَ ابْنُ خَالِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ تَوَلَّى إِمَارَةَ فِلَسْطِينَ فِي عَهْدِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ وَلَّاهُ يَزِيدُ قِنَسْرِينَ وَالْجَزِيرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَوْفَى أَنْصَارِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَأَسْهَمَ بِدَوْرٍ مُؤَثِّرٍ فِي أَحْدَاثِ سَنَةِ (64هـ/ 684م) الَّتِي انْتَهَتْ بِتَوْلِيَةِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الْخِلَافَةَ، وَتُوُفِّيَ فِي الْعَامِ نَفْسِهِ، البداية والنهاية: لابن كثير، (12/ 129)، وانظر أيضًا: مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: لشمس الدين المعروف بسبط بن الجوزي (8/ 259).
- 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 503).
- 3 متفق عليه، البخاري (1/14/25)، ومسلم (1/39/22).
- 4 في ظلال القرآن: سيد قطب (5/ 2714).
- 5 شذرات الذهب في أخبار من ذهب: أبو الفلاح عبدالحي بن أحمد ابن العماد الحنبلي (1/ 159).
- 6 البداية والنهاية: ابن كثير (4/ 73).
- 7 تاريخ الإسلام: الذهبي (2/ 169).
- 8 المرجع السابق (2/ 153).
- 9 تاريخ الرسل والملوك: الطبري (4/ 14).
- 10 البداية والنهاية: ابن كثير (4/ 73، 78).
- 11 وهو قول حسان بن مالك: «فَإِنْ لَا يَكُنْ منَّا الخَلِيْفَةُ نَفْسُهُ، فَمَا نالها إلا ونحن شهود».
- 12 سير أعلام النبلاء: الذهبي (2/ 509، 510).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً