زواج القاصرات في غزة.. الحرب والنزوح يعيدان الفتيات إلى دائرة المعاناة
في خيام النزوح،
وبين الفقر والخوف وفقدان الأمان، تجد بعض الأسر في غزة نفسها أمام خيارات قاسية
لم تكن مطروحة قبل الحرب، ومن بين هذه الخيارات تبرز عودة زواج القاصرات في غزة،
إذ تلجأ بعض العائلات إلى تزويج بناتها في سن مبكرة اعتقاداً بأنه يوفر لهن
الحماية أو يخفف الأعباء الاقتصادية، بينما تحذر المؤسسات الحقوقية والطبية من أن
هذه الزيجات تترك آثاراً صحية ونفسية واجتماعية طويلة الأمد على الفتيات.
ومنذ اندلاع
الحرب، فقدت آلاف الأسر منازلها ومصادر دخلها، واضطرت للعيش في مراكز إيواء أو
خيام تفتقر إلى الخصوصية والأمان، وفي ظل هذه الظروف، يرى بعض أولياء الأمور أن
تزويج الفتاة قد يوفر لها الاستقرار أو الحماية من المخاطر الأمنية، بينما يعتبر
آخرون أنه يخفف الأعباء المعيشية عن الأسرة.
إلا أن خبراء
ومنظمات دولية يحذرون من أن الزواج المبكر في غزة يضع الفتيات أمام أخطار صحية
ونفسية واجتماعية وقانونية قد تمتد آثارها طوال حياتهن.
الحرب والنزوح يعيدان ظاهرة زواج القاصرات في غزة
أدت الحرب
المستمرة إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع، حيث فقدت آلاف الأسر مصادر
رزقها، وتراجعت قدرة المؤسسات المجتمعية على توفير الحماية والدعم للفتيات؛ ما جعل
بعض الأسر تنظر إلى الزواج المبكر باعتباره حلاً للظروف الصعبة.
غير أن هذه
الخطوة، وفق مختصين، لا تعالج جذور الأزمة، بل قد تنقل الفتاة من دائرة الخوف
والنزوح إلى دائرة جديدة من المسؤوليات والضغوط النفسية والاجتماعية.
زواج القاصرات يفاقم الأزمات النفسية للفتيات
تشير تقارير
الأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليون طفل في غزة يحتاجون إلى خدمات الدعم النفسي
والاجتماعي، في ظل مستويات مرتفعة من القلق والخوف نتيجة الحرب والنزوح.
وتحذر المؤسسات
المختصة من أن زواج القاصرات في غزة قد يزيد من احتمالات الاكتئاب والعنف الأسري
والانقطاع عن التعليم، خاصة أن الفتيات في هذه المرحلة العمرية يحتجن إلى بيئة
آمنة تساعدهن على النمو والتعليم، وليس تحمل مسؤوليات تفوق قدرتهن.
ورغم أن معدلات
زواج القاصرات شهدت تراجعاً قبل الحرب، فإن النزوح والفقر وفقدان مصادر الدخل
وانهيار بعض شبكات الحماية الاجتماعية أسهمت في عودة الظاهرة بشكل ملحوظ.
فتيات غزة يفقدن الطفولة تحت مسؤوليات الزواج المبكر
في خيمة نزوح
تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، تجلس الفتاة أميرة وحيد، التي لم تتجاوز الخامسة
عشرة من عمرها، وهي تحمل طفلها الأول.
قبل أشهر قليلة،
كانت طالبة تحلم بإكمال تعليمها، لكنها أصبحت اليوم زوجة وأماً، في مشهد يتكرر
بصورة متزايدة مع استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة.
وتقول أميرة
لـ«المجتمع»: ظروف عائلتي صعبة للغاية، خاصة بعد استشهاد والدي، ولم تجد عائلتي أي
مصدر دخل يعيننا على مصاعب الحياة؛ لذلك وافقت على الزواج حتى أخفف من الأعباء،
لكن كانت خطوة سيئة للغاية، فقد تغيرت حياتي بالكامل منذ اليوم الذي وافقت فيه
أسرتي على تزويجي، معتقدة أن الزواج سيمنحني الأمان وسط ظروف الحرب والنزوح.
وأضافت: كنت
أحلم أن أكمل دراستي وأصبح معلمة، لكن فجأة وجدت نفسي زوجة، وأنا لا أعرف حتى كيف
أتحمل مسؤولية نفسي، طوال الوقت أشعر بالخوف، ولم أكن مستعدة لهذه الحياة.
وتتابع: حياتي
مليئة بالمشكلات والخلافات بسبب عدم قدرتي على التكيف مع مسؤوليات المنزل ومتطلبات
الحياة الزوجية، فأنا أبكي كل يوم، وأشعر أن طفولتي انتهت قبل أوانها.
الزواج المبكر يتحول إلى معاناة جديدة للفتيات
أما الفتاة فاتن
خميس فتقول: الناس يعتقدون أن الزواج يحمينا من العنف والفقر وغير ذلك من
المشكلات، لكن بالنسبة لي لم يكن حماية، بل كان بداية لمعاناة جديدة، فقدت صديقاتي
ومدرستي، ثم فقدت حريتي أيضاً.
وتضيف، في
حديثها لـ«المجتمع»: الضغوط النفسية والاقتصادية انعكست على حياتي بشكل كبير، كنت
أشعر بالعجز لأنني لا أستطيع اتخاذ أي قرار يخص حياتي، وكل ما أتمناه اليوم أن
تعود بي الأيام لأكمل تعليمي وأعيش طفولتي.
وتوجه رسالة إلى
الأسر قائلة: لا تزوجوا بناتكم وهن صغيرات مهما كانت الظروف صعبة، فالطفلة تحتاج
إلى التعليم والدعم والحماية، وليس إلى تحمل مسؤوليات أكبر من عمرها.
آثار زواج القاصرات تمتد إلى الصحة والتعليم والمستقبل
لا تقتصر أضرار
زواج القاصرات على الجانب الاجتماعي فقط، بل تمتد إلى الصحة النفسية والجسدية، حيث
تواجه الفتيات اللاتي يتحملن مسؤوليات الزواج والأمومة في سن مبكرة معدلات مرتفعة
من القلق والاكتئاب والشعور بالعزلة.
كما يؤدي الزواج
المبكر في كثير من الحالات إلى انقطاع الفتاة عن التعليم؛ ما يحرمها من تطوير
مهاراتها والحصول على فرص مستقبلية، ويزيد من اعتمادها الاقتصادي على الآخرين،
الأمر الذي يعمق دائرة الفقر.
وتؤكد تقارير
حقوقية أن الفتيات في مناطق النزاعات أكثر عرضة للعنف القائم على النوع الاجتماعي،
نتيجة ضعف الحماية الاجتماعية وغياب البيئة الآمنة.
حماية الفتيات تبدأ بالتعليم والدعم النفسي
يقول الاختصاصي
النفسي د. عايش سمور: إن زواج الفتيات في سن مبكرة يزيد من الأعباء النفسية ويرفع
احتمالات تعرضهن للعنف الأسري، بسبب غياب النضج الكافي وعدم تكافؤ القوة داخل
العلاقة الزوجية.
ويشير، في حديثه
لـ«المجتمع»، إلى أن مواجهة زواج القاصرات في غزة لا تقتصر على التوعية بأخطاره،
بل تحتاج إلى توفير الحماية الاجتماعية، وإعادة الخدمات التعليمية والصحية، ودعم
الأسر اقتصادياً، وإنشاء مساحات آمنة للفتيات.
ويؤكد سمور أن
حماية الطفولة لا تتحقق بالزواج المبكر، وإنما بتوفير بيئة آمنة وضمان استمرار
التعليم وتعزيز خدمات الدعم النفسي والاجتماعي.
حماية الطفولة مسؤولية في ظل الحرب على غزة
في ظل الحرب
المستمرة، تبقى الطفولة إحدى أكبر ضحايا الأزمة في غزة، حيث تتحول أحلام كثير من
الفتيات إلى مسؤوليات ثقيلة تفرضها الظروف الإنسانية.
ويطالب حقوقيون
ومنظمات مجتمع مدني بتكثيف الجهود لحماية الفتيات، والحد من زواج القاصرات في غزة،
وضمان عدم تحول الحرب والفقر والنزوح إلى أسباب لفقدان جيل كامل حقه في التعليم
والطفولة والحياة الكريمة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً