إعجاز العدول الأسلوبي في النظم القرآني بين (تصدَّق) و(اصَّدَّق)

القرآن الكريم كتاب الله الخالد، الذي لا تنقضي عجائبه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومن أوجه البيان والإحكام في النظم القرآني المبارك: «ارتباط المبنى بالمعنى»؛ فالنظمُ القرآني يأبى الاعتباطية في اختيار مبانيه؛ إذ لا تنوبُ مفردةٌ عن أخرى بدعوى الترادف، أو لمجرد المقاربة في المعنى؛ فكل صيغة من الصيغ اللغوية هي الأنسب لموضعها، والأدق في التعبير عن المقصد القرآني المُبلّغ.

وفي حديث القرآن الكريم عن «الصدقة وإنفاق المال تطوعًا في أوجه الخير» وَرَدَ الفعل: «اصَّدَّق» بصيغ تصريفية واشتقاقات مختلفة في آيات الذكر الحكيم (تبعًا لرواية حفص وما وافقها من الروايات العشر في المواضع التالي ذكرها) على النحو التالي:

-  إبدال التاء الزائدة صادًا وإدغامها في الصاد الأصليّة، في الأفعال: «يَصَّدَقُوا، لنصَّدَقَنَّ، أَصَّدّق»، عدولاً عن الأصول اللغوية: «يَتَصَدَّقُوا، لنَتَصَدَّقَن، أَتَصَدَّق».

-   حذف التاء الزائدة في الفعل: «تَصَدَّقُوا» عدولاً عن الأصل اللغويّ: «تَتَصَدّقُوا».

-   الإبقاء على الأصل اللغوي في الفعل الماضي: «تَصَدَّقَ»، وفعل الأمر: «تَصَدَّقْ».

-   اسم الفاعل المذكر والمؤنث من الفعل في حالته الأصليّة: «الْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ».

-   اسم الفاعل المذكر والمؤنث من الفعل في حالة الإبدال والإدغام: «الْمُصَّدَّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ».

وفيما يلي بيان ما حاولت استنباطه من دلالات مرتبطة بهذه الصيغ المذكورة.

أثر اقتصاد النطق في سرعة الامتثال

وفيما يتعلق بالصيغ الأولى التي تحقق فيها الإبدال والإدغام جاء قول الله عز وجل على النحو التالي:

صيغة المضارع المبدوء بالياء: «يَصَّدَّقُوا»، الدال على الغائبين، عدولاً عن: «يَتَصَدَّقُوا»، في قول الله عز وجل: ﴿ومَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء: 92].

- صيغة المضارع المبدوء بالنون: «لنَصَّدَّقَنَ» للدلالة على جماعة المتكلمين عدولاً عن «لنتصدقن»، في قول الله عز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة: 75].

صيغة المضارع المبدوء بالهمزة الدال على المتكلم المفرد في الفعل: «أَصَّدَّق»، عدولاً عن: «أَتَصَدّق»، في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون: 10].

وبمقارنة الصيغ الواردة في الآيات القرآنية سالفة الذكر: «يَصَّدَقُوا، لنصَّدَقَنَّ، أَصَّدّق» بالأصول اللغوية التي تم العدول عنها: «يَتَصَدَّقُوا، لنَتَصَدَّقَن، أَتَصَدَّق» سنجد أنَّ اختيار النص القرآني لهذه الصيغ يمثل أقصى درجات الاقتصاد الصوتي وأسلسها منطقًا؛ لأن الاستعاضة عن التاء الزائدة بصاد مدغمة في الصاد الأصليّة قد اختصر مقطعًا صوتيًّا من الكلمة التي تم العدول عنها، ولذا كان التلفظ بها أسرع؛ فضلا عن السلاسة الناتجة وتحرير اللسان من عناء الانتقال بين مخرجي حرفين متقاربين (التاء) و(الصاد) في الفعل: «تصدق» وتصاريفه، حيث يتطلب الأمر استيفاء النطق بالتاء، ومن ثمَّ الانتقال إلى حرف مقارب لها واستيفاء النطق به مجدّدًا، واختصار هاتين الخطوتين بصاد مضعفة مما يجعل النطق أيسر وأخف.

ونخلص من هذا كله إلى استنباط فحواه: أن الصيغ التي تجردت فيها الكلمات من التاء إنما هي موحية في مبناها الصوتي بسهولة الصدقة ويسرها وسرعة المبادرة إليها دون مغالبة للنفس أو مجاهدة للطبيعة البشرية التي جُبل الإنسان عليها من محبّة المال التي تدفع إلى الشح به.

سماحة النفس الموتورة وعفو الكرام

وفي قول الله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا اعتُبِرَ العفوُ عن الديّة صدقةً ممنوحةً للقاتلِ الذي تجاوز أولياء الدم عن عقوبته بدايةً، ثم تجاوزوا عن الدية فيما وراء ذلك، ومن المعلوم أن وليَّ الدم رجل موتورٌ تتطلع نفسه إلى الانتقام، وقد يتجاوز عن العقوبة لحاجته إلى المال المبذول إليه تعويضًا، أو للطمع في الاستحواذ على مزيد من المال إن كان ذا سعةٍ؛ فالنفس تتطلع إلى المال سجيةً وطبعًا؛ والعفو عن القاتل مع قبول التعويض كرم وتفضّل في كل حال من الأحوال؛ لأنه افتداء من الموت الذي تهون دونه كل غرامة؛ وبالتبعيّة يكون العفو عن القاتل مع التنازل عن التعويض ذروة الكرم، ومنتهى المنِّ والتفضّلِ، ولا يأتي ذلك إلا عن سماحة غير معهودة، وخُلُقٍ كريمٍ قلما يكون معهودًا عند الناس؛ ولذا كان التعبير بالفعل: «يَصَّدَقُوا» هو الأنسب للتعبير عن هذا المسلك الكريم غير المعتاد ولا المألوف؛ لدلالة الكلمة على المبادرة السخيّة التي لا تتطلب نزاعًا وعراكًا مع النفس المجبولة على الشح، ولا مغالبةً لها وانتصارًا عليها؛ لأن المتجاوزَ عن الدم والدية معًا رجل سمح النفس، شديد السخاء، سبَّاق إلى البذل والعطاء.

وعود المتطلعين ورهبة الموت.. حين يكون الكلام أيسر

ويبدو اليسر والتساهل في العطاء عن رضا وسماحة وقبول ويستبين جليًّا في وعود المتطلعين إلى فضل ربهم، أولئك القوم الذين يتمنون على ربهم سعةً في الرزقِ ولمَّا يستحوذوا على العطيّة الربانيّة بعدُ؛ إذ تراهم يقولون: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ، فالصدقة عندهم لم تتحقق بالفعل، والعطاء لم يتجلَّ بشكل واقعيّ يعبر عن السخاء وبذل المال قهرًا لنفسٍ مجبولة على محبته والشح به؛ وإنما هي محض عهود، وما أيسر الكلامَ تطلعًا وعهودًا، وما أعسرَه وفاءً وتحقيقًا!

والصدقة –كذلك– تصبح يسيرة هينة على امرئٍ قامت قيامته، ورأى العذاب عيانًا، فتطلع إلى العودةِ إلى الحياةِ مجدَّدًا؛ للخلاصِ والنجاة، فَجَأر بالقول: ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ، وما أيسر الصدقة وما أهونها عليه وقد أيقن أن المال أزهد شيء وأقله لو كان مبذولاً في سبيل الخلاصِ من عذابٍ أبديٍّ أليم؛ فأي داع يدعوه إلى أن يحبس المال، أو يتردد في إنفاقه، وكيف تنازعه نفسه في الإبقاء عليه أو الشح به وقد عاين القيامة والحساب عيانًا يقينا؟

مقام الحث على التساهل والمجاوزة في صيغة «تَصَدَقُوا»    

وفيما يتعلق بصيغة الفعل «تَصَدَقُوا» فقد ورد موجهًا إلى جماعةِ المـُخَاطَبين في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]. وفي هذه الحالة حُذفت التاء بالكليّة عوضًا عن إبدالها وإدغامها في الصاد (فيما ذكرناه في الآيتين الكريمتين السابقتين)، وبهذا الحذف تم التخلص من توالي حرفين متماثلين إذا بقيت التاء الزائدة بعد تاء المضارعة، وفي هذه الحالة كانت الكلمة مكونة من أربعة مقاطع عوضًا عن خمسة في الفعل «تَتَصَدّقٌوا»، لكن القارئ في الفعل: «تَصَدَّقوا» ينتقل من تاء المُضارعة على إلى الصاد، وهما حرفان متقاربان، فهو –على هذا النحو– أثقل من الفعل «تَصَّدَّقُوا» الذي حوّلت فيه التاء إلى صاد مدغمة في مثيلتها، ونخلص من هذا إلى أن ثمة تخفّفًا وتيسيرًا في هذه الحالة أيضًا؛ لكنها أقل قليلاً من الحالة السابقة.

ويأتي قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ في سياق النهي عن الربا، ودعوة المرابين إلى التخلي عن مكاسبهم المـُحرّمة، ونبذ ثرواتهم المشبوهة الدنسة التي اكتسبوها من مضاعفة الدَيْنِ أضعافًا متكاثرةً، على أن المولى عز وجلَّ قد أباح لهم استرداد رؤوس أموالهم المحدودة، مع إمهال المعسرين، أو التصدق عليهم بالتنازل عن الدَيْن كليّةً. وبدهيّ أن المرابين متيمون بالمال ولعون باكتنازه، أشحَّاء به، وإذا كان هؤلاء القوم قد امتثلوا للأمر الرباني الذي يدعوهم إلى التخلي طواعيةً عن مكاسبهم الوافرة وقد تهيأوا لجنيها؛ فإنه لمن الشاق والعسير عليهم وهم أرباب المال مضاعفة الخسارة بالتخلي طواعيةً عن رؤوس أموالهم، ففي استخدام الفعل بهذه الطريقة شيء من الحثّ على التساهل والمجاوزة، والتنازل عن رؤوس الأموال – بطبيعة الحال – ليس مُلزمًا ولا مفروضًا، ومن ثم لا يُتوقَّع أن يستجيب له إلا ذوو السخاء من أهل البر، وقلما يوجد هؤلاء بين المرابين، وإن وُجدوا فهم – وإن كانوا أسخياء – أقل سخاءً من الطبقة التي ذكرها مع الصيغة السابقة.

مقام المجاهدة ومغالبة الشح في صيغة «تَصدّق»  

وعلى جانب آخر نجد النظم القرآني المبارك وقد استخدم الصيغة الأصيلة للفعل دون عدول عنها في آيات الذكر الحكيم على النحو التالي:

صيغة الماضي المبدوء بالتاء، الدال على الغائب في الفعل: «تَصَدَقَ»، في قول الله عز وجلَّ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة – 45].

صيغة الأمر المبدوء بالتاء، الدال على المـُخاطب المـُفرد في الفعل: «تَصَدَقْ»، في قول الله عز وجل على لسان إخوة يوسف عليه السلام: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [يوسف: 88].

وقد ذكرنا من قبل أن إبدال التاء والاستعاضة عنها بصاد مدغمة في الصاد الأصلية مما يدل على اليسر والتساهل في الصدقة، وسرعة المبادرة إليها عن طيب خاطر، كما ذكرنا أن حذفها بالكليّة دون ذلك في اليسر والتساهل، وبالتبعية نقول: إن إثبات هذه التاء مما يدل على درجة أدنى من الدرجتين السابقتين، إذ يكون فيها مغالبة النفس ومجاهدة الإرادة البشرية لحملها على ما تكره، أو دفعها إلى سلوك يخالف سجيتها الشحيحة المحبّة للمال.

عفو المكلوم وتضرع المحتاج.. ثقل اللفظ ومعاناة النفس

أما فيما يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ فإن الضمير في قوله تعالى «تصدّق به» إنما هو عائد على القصاص، فالتصدّق في هذه الآية يتعلق بالعفو عن العقوبة، والتصدّق بالعفو عن العقوبة متحقق أيضًا مع النزول بها إلى درجة التعويض، فولي الدم يتصدق على القاتل بالإبقاء على حياته عند العفو عنه وقبول الدية، وكذا الموتور في عضو من أعضائه يتصدق على المـُعتَدِي عليه بالإبقاء على العضو المماثل عنده؛ وإن قبل منه تعويضًا عن جنايته؛ على أن الموتور المـوجوعَ قلّما يَصَّدَّقُ بالعفو عمَّن ألحق به الأذى في يسرٍ ومطاوعة، وإنما هو يغالبُ نفسَه ويُجاهِدُها، ويتناسى ثأرَهُ ورغبتَه في التَشفِّي بعدَ لأيٍ ومشقَّة؛ على الأخص مع بقاء العاهة التي أحدثها الجاني ودوامها، ولا جرم أن مطالعتها مما يُشقي النفسَ ويثير الضغينة والرغبة في الانتقام، ولذا لا يكون التصدّق بالعفو إلا بعد جهاد للنفس وإكراه لها.

وأما إخوة يوسف فلم يكن في تصوّرهم وقد اتُّهموا بالسرقة، وأصابتهم معرَّة الجريمة، لم يكن في تصوّرهم أن عزيزَ مصر من شأنه أن يعفوَ عنهم، وأن يَصَّدَّقَ عليهم في يسرٍ وهوادة، ولذا كان التماسهم تضرّعًا ميؤوسًا منه، ومشكوكًا في سرعة المبادرة إليه عن رضا نفس وطيب خاطر، فكان الالتماس بصيغة الأمر: «تصدّق» التي تعبّر عن مجاهدة يوسف عليه السلام نفسه في إعطاء المذنبين والجود عليهم، على ما اقترفوه من مأثمة السرقة.

اسما الفاعل.. والمقارنة بين صفات العادة ودرجات الريادة

وأخيرًا بقيت المقارنة بين استخدام اسم الفاعل: «الْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ» المأخوذ من صيغة الفعل الأصليّة (تَصَدّقَ) في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ والصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 35]، والعدول عنها إلى اسم الفاعل: «الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ» بإجراء الإبدال والإدغام، وذلك في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد: 18].

وفيما يتعلق باستخدام اسم الفاعل: «الْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ» في سورة الأحزاب فهو وارد ضمن حشد مطوّل من الصفات الإيمانية التي يحض عليها النص القرآني المبارك، وهي مسوقة على ما هو كائن في الأعم الغالب، لا على ما ينبغي أن يكون في الأخص الاستثنائي الفريد، لأنها مقومات استيفاء الدرجة الإيمانية في صورتها المأثورة المعهودة، والتي قد يشوبها الضعف والتقصير، وقد يعتريها التقلّب بين الكمال والنقص، ولذا وعد الله أولئك المثابرين الذين يغالبون نقصهم البشريّ وذاتهم الإنسانية الأمَّارة بالسوء؛ وعدهم مغفرةً على ما كان من نقص أو تقصير، وأجرًا عظيمًا على ما كان من بذلٍ وإخلاص؛ خلافًا لآية سورة الحديد التي أفردت بتمامها للحديث عن (الصدقة) بحسبانها نوعًا مخصوصًا من العبادة التي تؤدّى في صورتها العليا، حيث يكون «الْمُصَّدِّقِونَ وَالْمُصَّدِّقَات» أمضى مبادرةً، وأسخى نفسًا، وأتمَّ عطاءً.

وبالنظر إلى هذه الصيغ التركيبية: «الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ» في سياقها من سورة الحديد نجد أن الوصول إلى هذه الرتبة من سماحة العطاء وعجلة المبادرة إلى النفقة كان مسبوقًا بالحض المتوالي على الصدقة والتحريض عليها، والدعوة التحفيزيّة إليها، فقد استُهِلّ الحديث عن (الصدقة) في السورة الكريمة بالحضِّ عليها بدايةً، وحث المؤمن على الإنفاق مما جعله الله مُستخلفًا فيه، والوعد بأجر كبير في الآية السابعة من السورة، واستؤنف بتجديد الحض على النفقة وتعظيم درجة من أنفق في الشدة والعسرة من المؤمنين السابقين إلى الإيمان قبل الفتح، وذلك في الآية العاشرة، واستؤنف الحضّ مجدّدًا في الآية الحادية عشرة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ.

وفي هذا التتابع التدريجي والتحريض المتعاقب ما يدل على أن التطوّع بالنفقة من الأمور التي تشق على الإنسان في مألوف حياته؛ لما جُبل عليه من إيثار ذاته ومحبة المال والشح به، ومن ثمّ كان الحديث عن «الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ» تبعةً وعاقبةً للسياق القرآني التحفيزيّ السابق عليها؛ لأنهم صنف متميز من الناس، لا تستبقي نفوسهم المال، ولا تعبأ بالجود به على أعجل ما يكون، طاعةً لربهم، والتماسًا لمرضاته. والله عز وجلَّ أعلى وأعلم.

 والله عز وجلَّ أعلى وأعلم.

 


اقرأ أيضاً:

تجسيد المعاني.. من الذهن إلى الصورة

في ظلال «التقوى».. إعجاز الصيغة وعمق الدلالة 

 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة