هل نجحت سورية في التصدي لمشاريع التفتيت بعد «قسد»؟
في تطور مفصلي يعد الأبرز في مسار الدولة السورية الوليدة منذ سقوط نظام الأسد، وتحوّل جذري لموازين القوى في البلاد، تمكنت قوات الجيش العربي السوري، بدعم ومؤازرة قوات العشائر المحلية، من دحر القوات الانفصالية المتمثلة فيما تسمى بــ«قوات سورية الديمقراطية» (قسد) عن مناطق سيطرتها الواسعة شمال شرق سورية؛ ما عزز من مساعي الدولة الحثيثة لتقويض مشروع الحكم الذاتي الذي كانت القوات الانفصالية تطمح إلى تثبيته في تلك المنطقة، وجهود الدولة السورية لتوحيد الأراضي السورية تحت سلطة مركزية واحدة.
لقد مثل هذه
التطور البارز منجزاً مهماً وحيوياً للدولة الوليدة، باقتراب الخلاص من مشروع
لطالما شكّل صداعاً مزمناً، بل خنجراً مسموماً في جسد البلاد المثخن، تحت لافتات
وعناوين سوّقت الوهم للخارج، وادّعت زوراً وبهتاناً محاربة ومكافحة «الإرهاب»،
بممارسات هي الإرهاب بعينه
تقدم لافت.. أسبابه وجذوره
أطلق الجيش
السوري عملية عسكرية، استعاد خلالها مناطق واسعة في شرق وشمال شرق البلاد، إثر
خروقات متكررة من «قسد» للاتفاقات الموقعة مع الحكومة منذ 10 مارس الماضي، نصّت في
أهم بنودها على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرقي البلاد في إدارة الدولة
وتأكيد وحدة أراضي البلاد وانسحاب قوات «قسد» من حلب إلى شرقي الفرات.
لقد تقلصت مساحة
سيطرة «قسد» بشكل كبير، وتمكنت قوات الجيش السوري والعشائر من انتزاع السيطرة
سريعاً على المناطق ذات الغالبية العربية التي كانت خاضعة لسيطرة «قسد»، وواصل
تقدمه الميداني، وبحلول 19 يناير 2026م، طوقت هذه القوات آخر المدن التي لا تزال
تحت سيطرة القوات الانفصالية في شمال شرقي سورية.
لعل الملمح
الأبرز للعملية الأخيرة السرعة الكبيرة التي كانت تتقدم بها قوات الجيش بمؤازرة
قوات العشائر، مقابل الانسحاب السريع الذي قامت به القوات الانفصالية، وهو يؤشر
إلى عدة نقاط مهمة.
إن هذا الانكشاف
السريع، مؤشر مهم على حقيقة جلية، وهي الطبيعية «الخارجية» للتنظيم (المليشيا
الانفصالية)، المنبتة تماماً عن هذه الأرض وهذا الشعب، سواء في انتماءات عدد من
قياداتها، أو باستمداد قوتها بشكل رئيس من الغطاء والحماية والدعم التي كانت
توفرها لها قوى خارجية بحجم الولايات المتحدة وبعض حلفائها.
الأمر الآخر، أن
المليشيا الانفصالية كانت تستخدم أسلوبي الترهيب، بالتجنيد القسري، والترغيب
بالعطاء المالي، وغيرها من الأساليب، لضم بعض أبناء تلك المناطق للقتال في صفوفها؛
وهذا يعني أن التنظيم مبني في جزء كبير منه على الولاءات المصلحية أو القسرية،
التي تضمحل وتتلاشى، بل قد تصبح عاملاً مضاداً عند أول محك حقيقي.
التحديات.. بين الحل والدمج
وتؤكد مواقف
الحكومة السورية، والأطراف الدولية الفاعلة، ضرورة تنفيذ اتفاق دمج «قسد» ومناطق
سيطرتها ضمن مؤسسات الدولة السورية، السيناريو الذي ترجّحه مقاربات ترى أن واشنطن
ودولاً أوروبية مثل فرنسا تدفع باتجاه حل إداري أمني يقلص احتمالات الصدام ويُبقي
ملف محاربة «تنظيم الدولة» والسجون تحت السيطرة.
لكن رغم ما
أسلفناه من الأهمية الكبيرة للمنجز الأخير، ورغم أنه يمكن القول بثقة: إن الدولة
السورية قد وجّهت ضربة شبه قاصمة للمشروع الانفصالي المتمثل بمليشيا «قسد»، فإنه
من المبكر جداً أن نقول: إن سورية الآن باتت في مأمن كلي من مشاريع التفتيت
والانفصال، أقله على المدى القريب، فلا تزال هنالك جملة من التحديات كامنة في
تفاصيل المشهد.
الدولة السورية وجّهت ضربة للمشروع الانفصالي ولكنها ليست في مأمن من مشاريع التفتيت والانفصال
فمن ناحية
ميدانية، فالتقدم القياسي السريع الذي حققته قوات الحكومة، كان إنجازاً ضرورياً
ومهماً، من ناحية بسط السيطرة ودحر العدو، وتقليل كلفته البشرية والمادية، لكنه من
ناحية أخرى يشي بأن الإستراتيجية المقابلة كانت تعتمد على الانسحاب السريع بأقل
الخسائر؛ وهو ما يعني احتفاظ تلك المليشيات بجزء لا بأس به من قدراتها العسكرية
والبشرية، بانتظار تغير المعطيات ربما لبدء جولة جديدة من الصراع مستقبلاً.
أما من ناحية
سياسية، فبعض القوى الخارجية التي دعمت «قسد» دعماً كبيراً في السابق، وكشفت عنها
الغطاء حالياً لسبب أو لآخر، تبقى إلى حد بعيد غير مأمونة الجانب، فما دامت
المصلحة هي الحاكمة في العلاقات الدولية، وقد تواطأت أو تقاطعت مصالح تلك القوى مع
مصلحة الدولة السورية الوليدة وحلفائها، لسبب أو لآخر، فإن هذا التفاهم أو المصلحة
قد لا يستمر طويلاً.
من جهة أخرى، لا
تزال البلاد في مواجهة مفتوحة الاحتمالات مع تحديين داخليين آخرين لا يقلان أهمية
وحساسية، جنوباً وغرباً، تجمعهما مع التنظيم الانفصالي مبدأ التبني الخارجي من قبل
قوى دولية وإقليمية.
فمشروع الفلول
من بقايا النظام السابق في الساحل وفي بعض المناطق الأخرى، ما زال كامناً يترقب،
ويشن بعض الهجمات من حين لآخر، ترعاه بعض القوى التي رأت في سقوط نظام الأسد
وانتصار ثورة الشعب السوري خسارة كبيرة لها، فهي تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو
بالأحرى إفساد ما يمكن إفساده.
يمكننا القول:
إن التحديات الحقيقية التي تعترض البلاد، هي في حقيقتها ليست داخلية صرفة، بقدر ما
هي حقيقة مع جهات دولية وإقليمية، وإن تسترت بواجهات أخرى، فهي ترى في الدولة
السورية الوليدة عدواً يجب التخلص منه أو النيل منه، مستغلة نقاط ضعف داخلية،
لتنفيذ أجندتها الخبيثة.
ضمانات أكيدة
إن المعالجات
الأمنية، وما يلزمها من إجراءات سياسية وقانونية ظهيرة لها، مطلب مهم ومحق، بهدف
الفصل البنيوي الآمن والعادل بين التنظيمات الانفصالية وأية حواضن «قسرية» لها.
إن جزءاً من الحل أيضاً يتعلق بقدرة الدولة السورية على تقديم نفسها، داخلياً وخارجيا، كطرف مسيطر وموثوق وإنساني للتعامل مع الأزمات التي أحدثتها التنظيمات الانفصالية، أو التي استغلتها تلك التنظيمات لتقديم نفسها على أنها وكيلة لحل مشكلات محلية وإقليمية، كمشكلة «التنظيمات المتطرفة» مثلاً.
الحل يتعلق بقدرة الدولة على تقديم نفسها كطرف موثوق للتعامل مع الأزمات التي أحدثتها التنظيمات الانفصالية
وإضافة إلى كل
ما سبق، ينبغي الالتفات أولاً وأخيراً إلى الحلول الداخلية، فهي الحصن الحصين
والضمانة الأكيدة لمعالجة الأزمات التي تتسبب بها التنظيمات الانفصالية، ودفع
ثمنها الإخوة المواطنون الأكراد قبل غيرهم، فأصبحوا رهينة جماعات صادرت قرارهم
وعبثت بمصائرهم، وتستند هذه المعالجات إلى تقوية المناعة المجتمعية ضد أي عبث
لاحق، وذلك بتعزيز مبادئ وسبل العيش المشترك مع الشركاء الآخرين في الوطن، عن طريق
التأكيد على الأمور التالية:
1- أن المكون
الكردي مكون وطني أصيل، له إسهاماته الإيجابية، ومشاركاته الفاعلة والمؤثرة في
تاريخ سورية، وصناعة حضارتها.
2- ينبغي الفصل
فصلاً واضحاً وتاماً بين المكون الكردي، وتلك التنظيمات التي استأثرت بقراره، بقوة
الحديد والنار، وإعادة ردم الهوة التي أحدثتها تلك التنظيمات في البنية المجتمعية.
3- السعي الحثيث
الجاد للنهوض بالمناطق التي نكبت بحكم هذه التنظيمات، بتخصيص نسبة من الموارد التي
تعج بها تلك المناطق، لتنميتها تنمية شاملة مستدامة في كافة المجالات.
4- العمل على
إبراز وصناعة نخب سياسية ومجتمعية من أبناء تلك المناطق، تتبنى خطاباً جامعاً، تحت
المظلة الوطنية، يلتزم بوحدة البلاد، ويرفض فكرة الانفصال رفضاً قاطعاً كلياً،
والتشديد الفعلي على أن من حق الإخوة الكرد شأنهم شأن بقية أبناء الوطن، المشاركة
في القرار والسلطة والثروة الوطنية.
لا شك أن
المعالجات المذكورة للتعامل مع ملف «قسد»، تنطبق بشكل أو بآخر على التحديات
الأخرى، التي أساس التعامل معها وجوهره هو «العدل» بجميع أبعاده المادية
والمعنوية، الذي تنبثق عنه وتتفرع منه مبادئ أخرى تعزز العيش المشترك، مثل احترام
حقوق الإنسان، والاعتراف بالتعدد والإيمان بقيم المساواة، ورفض العنف.
هذه المبادئ هي
في صميم الحكم الرشيد، التي لا رفعة ولا منعة ولا تقدم للبلاد إلا بها ومعها.