«الجسر الأكاديمي».. هل آن أوان المراجعة في الكويت؟

«الجسر الأكاديمي».. هل آن أوان المراجعة في الكويت؟

في خطوة لافتة ومثيرة للاهتمام، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي في دولة قطر عن إطلاق مبادرة تتيح لطلبة المسار الأدبي الالتحاق ببعض التخصصات العلمية عبر برنامج «الجسر الأكاديمي»، وذلك بعد استيفاء شروط محددة واجتياز برامج تأهيلية واختبارات تقيس مدى جاهزية الطالب للانتقال إلى هذا المسار.

هذه الخطوة لا ينبغي النظر إليها على أنها مجرد تعديل إجرائي في نظام القبول الجامعي، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين التعليم الثانوي والتعليم الجامعي وإعادة التفكير في مدى عدالة ومرونة الأنظمة التعليمية التي قد تربط مستقبل الطالب بقرار اتخذه في سن مبكرة.

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن كثيراً من الطلبة يختارون مساراتهم الدراسية في المرحلة الثانوية وهم في عمر لا يسمح دائماً بتحديد ميولهم الحقيقية أو تصور مستقبلهم المهني بشكل واضح، وقد يكون اختيار المسار الأدبي أو العلمي ناتجاً عن ظروف معينة أو نصيحة أسرية أو اجتهادات مدرسية أو حتى بسبب أداء مؤقت في مادة دراسية معينة، لكن هل يجب أن يبقى هذا القرار حاسماً لمستقبل الطالب الأكاديمي والمهني لعشرات السنوات القادمة؟

ما قامت به قطر يقدم إجابة مختلفة، فبدلاً من إغلاق الأبواب فتحت نافذة جديدة قائمة على مبدأ «الفرصة الثانية»، ولكن ضمن ضوابط أكاديمية واضحة، فالطالب لن ينتقل مباشرة إلى التخصصات العلمية، وإنما يخضع لبرنامج تأهيلي واختبارات تحدد قدرته على النجاح في هذه التخصصات بما يضمن المحافظة على جودة المخرجات الأكاديمية وعدم الإضرار بمستوى التعليم.

من الفوائد المتوقعة لهذه التجربة أنها توسع الخيارات الأكاديمية أمام الطلبة، وتقلل من الشعور بالندم الناتج عن اختيارات مبكرة، كما تساعد على الاستجابة بشكل أكثر مرونة لمتطلبات سوق العمل المتغيرة، خصوصاً في المجالات العلمية والتقنية التي تشهد طلباً متزايداً في مختلف دول العالم.

كذلك، فإن نجاح مثل هذه البرامج قد يسهم في اكتشاف طاقات وقدرات كامنة لدى بعض الطلبة لم تتح لهم الفرصة لإبرازها في المرحلة الثانوية، فليس كل طالب في المسار الأدبي يفتقر إلى القدرات العلمية، كما أن التميز في التخصصات العلمية لا يرتبط دائماً بالمسار الدراسي بقدر ما يرتبط بالدافعية والاستعداد والبيئة التعليمية المناسبة.

وفي الكويت، ربما يكون من المبكر إصدار أحكام قاطعة حول جدوى هذه التجربة، إلا أنه من الحكمة متابعتها عن كثب، ورصد نتائجها الفعلية خلال السنوات القادمة، فالتجارب التعليمية الناجحة في الدول الشقيقة تمثل فرصة للتعلم والاستفادة، لا سيما عندما تتعامل مع تحديات متشابهة تواجه أنظمتنا التعليمية.

ولعل الحديث عن هذه التجربة يفتح الباب أيضاً لمراجعة بعض الإجراءات التعليمية المطبقة لدينا في الكويت، فقبل الوصول إلى مرحلة الجسور الأكاديمية بين المسارات في التعليم الجامعي، يمكن البدء بخطوات أكثر بساطة ومرونة داخل المرحلة الثانوية نفسها، ومنها السماح لطلبة القسم العلمي في الصف الحادي عشر الذين اجتازوا العام الدراسي بنجاح وانتقلوا إلى الصف الثاني عشر بالتحويل إلى القسم الأدبي مباشرة إذا رغبوا في ذلك دون إلزامهم بإعادة دراسة الصف الحادي عشر من جديد، فإعادة سنة دراسية كاملة بسبب تغيير المسار تمثل عائقاً كبيراً أمام كثير من الطلبة وقد تدفع البعض إلى الاستمرار في مسار لا يتناسب مع قدراتهم أو ميولهم الحقيقية.

إن الأنظمة التعليمية الحديثة تتجه نحو زيادة المرونة وتوسيع خيارات الطلبة، والكويت ليست بمعزل عن هذه التحولات، ومن المهم أن نتابع التجارب التعليمية الناجحة في محيطنا الخليجي والعربي، وأن نستفيد من نتائجها ودروسها، فالحكمة تقتضي أن نتعلم من تجارب الآخرين الناجحة بدلاً من انتظار سنوات طويلة لاكتشاف ما اكتشفوه قبلنا.

إن الحاجة اليوم ليست إلى استنساخ التجارب بشكل مباشر، وإنما إلى دراستها بعناية وتحليل آثارها على جودة التعليم ونسب النجاح الجامعي ومدى مواءمة مخرجاتها مع احتياجات سوق العمل.

فإذا أثبتت التجربة القطرية نجاحها في تحقيق التوازن بين المرونة الأكاديمية والمحافظة على جودة التعليم، فمن الضروري أن تدرس الكويت إمكانية تبني نموذج مشابه يتناسب مع خصوصية نظامها التعليمي واحتياجاتها الوطنية.

إن تطوير التعليم لا يعني التمسك بالنظم التقليدية لمجرد أنها مألوفة، كما لا يعني الانبهار بكل جديد دون تقييم موضوعي، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الجرأة في طرح الأسئلة الصحيحة: هل تخدم أنظمتنا الحالية مصلحة الطالب؟ وهل توفر له فرصاً عادلة للنمو وإعادة توجيه مستقبله عندما يكتشف قدراته الحقيقية؟

قد تكون مبادرة الجسر الأكاديمي في قطر تجربة تستحق المتابعة، وربما تمثل بداية لتحول أوسع في فلسفة التعليم في المنطقة، ويقوم عليها منح الطلبة فرصاً أكبر ومسارات أكثر مرونة ومستقبلاً لا تحدده قرارات مبكرة بقدر ما تصنعه القدرة والإرادة والاجتهاد.

في النهاية، تبقى جودة التعليم المعيار الأهم؛ فإذا نجحت التجربة في قطر وأثبتت بالأرقام والنتائج قدرتها على تخريج كفاءات مؤهلة وقادرة على المنافسة، فإن من الواجب علينا في الكويت ألا نتردد في دراسة تطبيقها؛ لأن الهدف الأسمى لأي نظام تعليمي تمكين أبنائه من تحقيق أفضل ما لديهم وفتح الأبواب أمام الطموح لا إغلاقها مبكراً.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة