فقه المسؤولية قبل المنصب
أبو بردة بن أبي موسى الأشعري.. حين تسبق الأمانةُ المنصبَ
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن أحمد بن عبدالرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمي، حدثني عبدالله
بن عياش، عن أبيه: أن يزيد بن المهلب لما ولي خراسان، قال: دلوني على رجل كامل
لخصال الخير، فدل على أبي بردة الأشعري، فلما جاء، رآه رجلاً فائقًا، فلما كلمه،
رأى من مخبرته أفضل من مرآته، فقال: إني وليتك كذا وكذا من عملي، فاستعفاه، فأبى
أن يعفيه، فقال: أيها الأمير، ألا أخبرك بشيء حدثنيه أبي أنه سمعه من رسول الله
صلى الله عليه وسلم؟ قال: هاته، قال: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ
تَوَلَّى عَمَلًا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ بِأَهْلٍ،
فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»(1)، وأنا أشهد أيها الأمير
أني لست بأهل لما دعوتني إليه.
فقال: ما زدت
على أن حرضتنا على نفسك، ورغبتنا فيك، فاخرج إلى عهدك، فإني غير معفيك، فخرج، ثم
أقام فيهم ما شاء الله أن يقيم، فاستأذن في القدوم عليه، فأذن له، فقال: أيها
الأمير، ألا أحدثك بشيء حدثنيه أبي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «مَلْعُونٌ
مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ، وَمَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ، ثُمَّ
مُنِعَ سَائِلَهُ، مَا لَمْ يَسْأَلْ هَجْرًا»(2)، وأنا سائلك بوجه
الله إلا ما أعفيتني أيها الأمير من عملك، فأعفاه(3).
يقدم هذا الخبر
صورة نادرة من أخبار السلف في التعامل مع المسؤولية العامة؛ فهو لا يعرض مجرد موقف
بين والٍ ورجل صالح، بل يكشف عن تصور متكامل لمعنى الأمانة، وحدود الطموح، ومعايير
اختيار القيادات، وتدور أحداثه في سياق الدولة الأموية، حين كانت خراسان من أهم
أقاليم الدولة وأكثرها حساسية، فاختيار العامل عليها لم يكن شأناً إدارياً عادياً،
بل كان مرتبطاً بحفظ مصالح الناس واستقرار الإقليم.
حين تصبح الولاية أمانة لا مطمعاً للجاه
لم ينظر أبو
بردة بن أبي موسى الأشعري إلى الولاية باعتبارها وجاهة اجتماعية أو فرصة للظهور،
بل تعامل معها باعتبارها مسؤولية ستُسأل عنها النفس بين يدي الله، ولهذا كان أول
موقفه منها استشعار ثقلها، لا الاغتباط بمكانتها.
وهذا المعنى
ينسجم مع الأصل القرآني في تعظيم الأمانة، قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) (الأحزاب: 72)، فالمؤمن لا يرى المسؤولية مجرد
امتياز، بل تكليفًا ثقيلًا يحتاج إلى صدق مع النفس قبل القدرة على إقناع الآخرين.
وحين تتخذ هذه
الأمانة صورة ولايةٍ على الناس، يتأكد ثقلها بما يترتب عليها من تبعةٍ وحساب؛ فقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ
ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ
وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ
فِيهَا»(4)، فليست الولاية في ميزان الشرع مجرد منزلة يتطلع إليها
الإنسان، وإنما أمانة يترتب عليها حساب ومسؤولية.
سر ثقة الحاكم فيمن يرفض تولي المناصب
المشهد الأكثر
دلالة في القصة هو أن يزيد بن المهلب لم يرَ اعتذار أبي بردة نقصاً، بل رآه دليلاً
على ما يبحث عنه، فقوله: «ما زدت على أن حرضتنا على نفسك، ورغبتنا فيك» يكشف عن أن
الأمير رأى في امتناعه عن الولاية ما يميزه عمن يتطلع إليها، إذ بدا له أن من يزهد
في المنصب أبعد عن طلب مكانته وأقرب إلى استشعار تبعته.
ومن هنا يتضح
وجه الصلة بين الزهد في الولاية والأمانة؛ فالامتناع عن طلبها لا يعني العجز عنها،
وإنما قد يكشف عن إدراك صاحبها لما يترتب عليها من تبعة، ويؤكد ذلك ما رواه أبو
موسى الأشعري، قال: «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ
اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ
الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا
الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ»(5)، فالسياق
النبوي يكشف عن منزلة ترك طلب الولاية عند إسنادها، وهو ما يفسر لماذا لم يرَ يزيد
في امتناع أبي بردة عيبًا، بل قرأه بوصفه خصلة تزيده أهلية في نظره.
وتتجلى هذه
الدلالة في موقف مسعر بن كدام مع أبي جعفر المنصور؛ فقد دعاه ليوليه، فاعتذر مسعر
وزهد في المنصب، محتجًّا بأنه لا يرضى أن يشتري لأهله حوائجهم حتى يستعين بغيره،
فكيف يتولى عملًا يعين فيه أمير المؤمنين، فقال له المنصور: «ايم الله، ما لنا في
العرب قرابة أحب إلينا منها»، ثم أعفاه، ولم يكتفِ بذلك، بل أعطاه وكساه وظل يصله
ويتعاهده(6)، ويكشف هذا الموقف أن الزهد في الولاية قد يزيد صاحبها
تقديرًا عند من يبحث عن الأمانة، لا أن ينتقص من مكانته.
ولا يعني ذلك أن
كل من طلب مسؤولية يكون مذموماً، فقد تولى الصالحون مناصب مختلفة حين رأوا القدرة
والمصلحة، وإنما الفارق أن توليهم لم يكن غايته طلب المكانة، بل القيام بالواجب.
أدب النصيحة.. كيف تخاطب السلطة بغير صدام؟
لم يدخل أبو
بردة في مواجهة شخصية مع الأمير، ولم يجعل رفضه نوعاً من التحدي السياسي، بل اختار
أن يستند إلى نص نبوي يبين خطورة الأمر، لقد نقل القضية من دائرة الرغبة الشخصية
إلى دائرة المسؤولية الشرعية؛ فلم يكتفِ ببيان أنه لا يرغب في الولاية، وإنما احتج
بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَلَّى عَمَلًا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ
لَيْسَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ بِأَهْلٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، فكانت
حجته قائمة على مبدأ شرعي يتجاوز موقفه الشخصي، ويضع المسؤولية أمام صاحب القرار
في إطارها الأخلاقي والشرعي.
وهذا المعنى
يندرج في أصل قرآني أوسع، قال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا
يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا) (الأحزاب: 39)،
فالآية تقدم أصلًا في موقف العالم حين يخاطب صاحب السلطة بالحق: أن تكون خشية الله
هي الحاكمة لكلامه: أن تكون خشية الله هي الحاكمة لكلامه، فلا يحمله مقام صاحب
السلطة على كتمان ما يراه حقًّا، ولا يحول قوله إلى خصومة معه.
وهذه طريقة
راقية في التعامل مع أصحاب القرار؛ إذ إن النصيحة المؤثرة لا تقوم على الصدام، بل
على وضوح المبدأ وحسن عرضه، فالعالم حين يذكر الحاكم بالله لا يخاصمه على سلطة،
وإنما يذكره بحقيقة السلطة نفسها.
وتظهر صورة هذه
النصيحة في الرواية الواردة عن الأوزاعي مع أبي جعفر المنصور؛ فقد دخل عليه،
فخاطبه بأحاديث الترهيب في الولاية، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا
وَالٍ بَاتَ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»(7)،
فأسند الأوزاعي نصيحته إلى النص الشرعي، موجّهًا الحاكم إلى مسؤوليته تجاه رعيته،
دون أن يجعل من النصيحة خصومة شخصية، فقبل المنصور نصيحته وقال: «قد أذنت وشكرت لك
نصيحتك، وقبلتها بقولها»(8).
وفي واقع
المؤسسات اليوم، يبقى هذا المعنى مهماً؛ فالموظف أو المسؤول الذي يعترض على قرار
أو مهمة لا ينبغي أن يجعل اعتراضه قائماً على الأهواء أو المصالح الخاصة، بل على
معايير واضحة تتعلق بالكفاءة والأمانة والمصلحة العامة، وأن يعرضها بوضوح وأدب،
بحيث يكون المقصود تصحيح القرار لا مجرد معارضة صاحبه.
القوي الأمين.. معيار القرآن في اختيار القيادات
تكشف القصة
جانباً مهماً في اختيار القيادات؛ فقد سأل يزيد عن «رجل كامل لخصال الخير»، ولم
يسأل عن صاحب الشهرة أو الأكثر طلباً للمكانة، وهذا يلفت إلى أن الكفاءة الحقيقية
ليست مجموعة مهارات فنية فقط، بل اجتماع القدرة مع الاستقامة، ويتصل ذلك بأصل
قرآني يضبط مبدأ الإسناد نفسه، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى
أَهْلِهَا) (النساء: 58)؛ فالمسؤولية أمانة، ومن ثم لا يكفي لشغلها مجرد
الرغبة فيها، بل لا بد من أهلية تبرر إسنادها إلى صاحبها.
وتتضح معالم هذه
الأهلية حين يجمع القرآن بين جانبيها الأبرز؛ فالعمل العام يحتاج إلى العلم
والخبرة، لكنه يحتاج كذلك إلى ضمير يراقب الله حين تغيب الرقابة البشرية، ولذلك
قال تعالى: (إِنَّ خَيْرَ
مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)، فالقوة تمثل
القدرة على أداء المسؤولية، والأمانة تمثل الضمير الذي يحفظها، وباجتماعهما تتكامل
صفات من يُعهد إليه بأمر من أمور الناس، وهذا ما قرره ابن تيمية بقوله: «فإن
الولاية لها ركنان: القوة والأمانة»(9)، شارحًا بذلك أساس الأهلية التي
يقوم عليها إسناد المسؤولية.
ومن بيان صفات
الأهلية إلى مسؤولية صاحب القرار عن التولية نفسها، قال عمر بن الخطاب رضي الله
عنه: «لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح ثم وليته، ثم قدمت على ربي، فقال لي: لم
استخلفته على أمة محمد؟ قلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: «لكل أمة أمين، وإن أمين هذه
الأمة أبو عبيدة بن الجراح» ، ولو أدركت خالد بن الوليد ثم وليته، ثم قدمت على
ربي، فقال لي: من استخلفت على أمة محمد؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: «لخالد سيف
من سيوف الله سله الله على المشركين»(10)، فالشاهد هنا ينقل
المسؤولية من صفات من يتولى إلى مسؤولية من يختاره؛ إذ لا يُسأل القائد عن أمانته
وحدها، بل يُسأل صاحب القرار عن اختياره لها.
ومن هنا تبرز
أهمية هذا المعنى في الواقع الإداري؛ فالمسؤول عن اختيار القيادات لا يتحمل
مسؤولية شغل المنصب فحسب، بل مسؤولية اختيار من يُسند إليه، ولذلك ينبغي أن تقوم
قرارات التعيين والترقية على معايير واضحة تجمع بين الكفاءة والنزاهة وملاءمة
الشخص لطبيعة المهمة، لا على الشهرة أو الرغبة في المنصب أو الاعتبارات الشخصية؛
فحسن اختيار القيادات جزء من أمانة الإدارة وحماية لمصالح المؤسسة ومن تخدمهم.
توصية المجتمع كشهادة صدق على أهلية المسؤول
لم يكن أبو بردة
شخصية مجهولة اختارها الأمير عشوائيًا، بل كان معروفًا بين الناس حتى دُلَّ عليه
حين طلب يزيد رجلًا جامعًا لخصال الخير، وهذه الصورة تكشف أهمية البيئة الاجتماعية
التي تعرف أهل الفضل، وتدرك ما عندهم من خصال، بحيث يكون المجتمع نفسه مصدرًا
للتعريف بمن تتوافر فيهم صفات الخير.
ولا تقف قيمة
هذا التعرف عند مجرد معرفة الفضل، بل قد يتحول إلى اعتراف بأهلية صاحبه للتقدم، وقد
ظهر ذلك في موقف الصحابة من أبي بكر رضي الله عنه؛ فعندما قال عمر بن الخطاب
للأنصار: ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟
فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر(11)،
فهنا لم يكن الأمر مجرد معرفة بفضل أبي بكر، وإنما إقرارًا جماعيًا بتقدمه وأهليته
لأن يتقدم غيره ويتحمل موقعًا من مواقع المسؤولية.
ثم تنتقل الصورة
من الاعتراف بالأهلية إلى إسناد المسؤولية نفسها، كما وقع في بيعة العقبة، حين قال
النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا
على قومهم بما فيهم»(12)، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، فلم يبقِ هذا
الاختيار الأهلية في دائرة التقدير، بل نقل أصحابها إلى موقع يتولون فيه شأن
جماعتهم ويمثلونها؛ لتتحول الأهلية المعترف بها إلى مسؤولية عملية.
وفي زماننا،
يظهر أثر هذا المعنى في الأسرة والتعليم والعمل؛ فالمربي الذي يكتشف أصحاب
المسؤولية المبكرة، والمؤسسة التي تلاحظ أصحاب النزاهة والكفاءة، كلاهما يشارك في
بناء بيئة تتعرف إلى أهل الفضل، وتقرّ بأهليتهم، ثم تتيح لهم تحمل المسؤولية.
المخبر قبل المظهر.. كيف تقيم الشخصية القيادية؟
من أجمل ما في
الرواية قول يزيد: «رأى من مخبرته أفضل من مرآته»، وهي عبارة تلخص الفرق بين
الصورة والحقيقة؛ فالمظهر قد يجذب النظر، لكن الجوهر هو الذي يبني الثقة.
وتتضح دلالة هذه
العبارة في ضوء الميزان النبوي الذي يفرّق بين الصورة التي تُرى والحقيقة التي
يُعتبر بها؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى
صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ»(13)،
فالحديث يضع الصورة الظاهرة في مقابل القلب والعمل، ليقرر أن القيمة التي يُعتد
بها لا تُستمد من الهيئة أو المال، وإنما مما استقر في القلب وظهر أثره في العمل؛
وهو المعنى الذي عبّر عنه يزيد حين جعل مخبرة أبي بردة أفضل من مرآته.
غير أن تجاوز
المظهر إلى الباطن لا يقتصر على طريقة نظرنا إلى الآخرين، بل يقتضي أن يراقب
الإنسان الفارق بين علانيته وسريرته في نفسه؛ ولذلك كان علي بن الحسين يدعو: «اللهم
إني أعوذ بك أن تحسن في لوامع العيون علانيتي وتقبح سريرتي»(14)، فالدعاء
ينقل المعنى من معيارٍ لتقويم الناس إلى محاسبةٍ للنفس، إذ يخشى الإنسان أن تكون
صورته الحسنة عند الناس أسبق من صلاح باطنه.
وهذا هو ما يمنح
الشخصية القيادية قدرتها على بناء الثقة؛ إذ لا تقوم القيادة المؤثرة على حسن
الظهور، بل على باطنٍ مستقيم يصدقه السلوك، وتعرفه المواقف قبل أن يزكيه المظهر.
وختامـــــــــًا: تظل قصة أبي
بردة بن أبي موسى الأشعري صورةً متكاملة لمعنى القيادة التي تبدأ من الإنسان قبل
المنصب؛ فقد عُرفت خصاله بين الناس حتى دُلَّ عليه حين طُلب رجلٌ جامعٌ لخصال
الخير، ثم ظهر في موقفه من الولاية أن ما أهّله لها لم يكن مجرد ما يراه الناس
فيه، بل ما استقر في مخبرته من صدقٍ وورعٍ وأمانة.
فالقائد الجدير بالثقة هو من تسبق أهليتُه منصبَه، ويكون خوفُه من تبعات الأمانة دليلًا على استعداده لحملها.
الهوامش
- 1 رواه الروياني في مسنده (1/326، ح495)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (26/ 57)، وحسَّن إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (5/ 364).
- 2 رواه الروياني في مسنده (1/ 326، ح495)، والطبراني في المعجم الكبير (22/ 377، ح943)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح2290)، وصحيح الجامع (ح5890).
- 3 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 345). شرح الأثر: يُبرز النصُّ ورع أبي بردة وأمانته؛ إذ امتنع عن الولاية لأنه رأى نفسه غير أهل لها، مستندًا إلى الوعيد النبوي فيمن يتولى ما لا يحسنه. و«فائقًا» أي متقدمًا متميزًا، و«مَخبرته» أي حقيقته وباطنه، في مقابل «مرآته» أي هيئته الظاهرة، فكان باطنه أفضل من ظاهره، و«استعفاه» أي طلب منه الإعفاء من الولاية، و«هاته» أي هاتِ ما عندك وأخبرني به، و«حَرَّضتنا على نفسك» أي دفعتنا إلى التمسك بك وتوليك العمل، وفي قوله «بوجه الله» أي متوسلًا بالله ومستشفعًا به، و«هَجْرًا» أي كلامًا فاحشًا أو ما لا يليق من السؤال؛ ويكشف ختام النص أن أبا بردة لم يطلب الولاية، بل طلب الخلاص منها.
- 4 أخرجه مسلم (1825).
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (7149)، ومسلم واللفظ له (1733).
- 6 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (7/ 215).
- 7 قال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (3/ 1369): رواه ابن أبي الدنيا في مواعظ الخلفاء، وابن عدي في الكامل في ترجمة أحمد بن عبيد، وقال محققه: وكذلك رواه البيهقي في شعب الإيمان، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر في التاريخ.
- 8 شعب الإيمان: البيهقي (6/ 30 - 34).
- 9 السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية: ابن تيمية (16).
- 10 رواه الشاشي في مسنده (ح 617)، من حديث أبي العجفاء السلمي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (1/ 372-373).
- 11 أخرجه أحمد في مسنده، (3765)، وقال محققه: إسناده حسن.
- 12 السيرة النبوية: ابن هشام (2/ 64).
- 13 أخرجه مسلم (2564).
- 14 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: سبط ابن الجوزي (10/ 48).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً