كيف ننتقل من التنظير إلى صناعة التأثير؟
الريادة الحضارية في عالَم متحوِّل
لم يجعل الله تعالى خيرية هذه الأمة
وصفًا عِرقيًا ولا امتيازًا تاريخيًا ثابتًا، بل ربطها بشروط واضحة تحفظ لها
ريادتها الحضارية ودورها الإنساني في عالم متحوِّل، فقوله سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110) ليس خبرًا عن واقع دائم، بقدر ما هو
تكليف ومسؤولية ومنهج حياة.
وفي زمن تتسارع فيه التحوُّلات السياسية
والثقافية والاقتصادية والفكرية، وتتبدل فيه موازين القوة والمعرفة؛ تصبح الحاجة
ملحَّة إلى إعادة قراءة هذا الوصف القرآني قراءة وعي وبصيرة، فالريادة الحضارية في
التصور الإسلامي لا تقوم على التفوق المادي وحده، بل على منظومة متكاملة من
الإيمان، والقيَم، والعمل، والشهود الأخلاقي على الناس.
ومن هنا نطرح سؤالًا جوهريًا: ما الشروط
التي تجعل الأمة المسلمة جديرة باستعادة موقعها الريادي في عالم متغيِّر، دون
ذوبان في الآخر أو انكفاء عن العصر؟
الإيمان ومقتضياته أساس الريادة الحضارية
بصلاح القلب بالإيمان بالله كما أمر؛
يستقيم صاحبه، ويؤدي ما عليه من مقتضيات، كما ينطلق من إيمانه لفهم دوره في هذا
الكون، وبالتالي يشارك في رفع القيَم وإشاعتها وتعمير الأرض وإحقاق الحق؛ «ألَا
وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا
فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ»(1).
وبذلك يكون لبنة صالحة مصلحة، ونافذة
تنويرية مع غيره من المسلمين ذوي الإيمان والاستقامة، وهذا ما جاءت به الرسالة
الخاتمة؛ (كِتَابٌ
أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (إبراهيم: 1)،
قال ابن تيمية: «وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما
ملأ العالم نورًا وهدًى»(2)، وإن للعقيدة الإسلامية موقعًا في بناء
الإنسان القادر على الشهود والتأثير، وهي تتميَّز بمميِّزات تجعل منها القادرة على
بناء الحضارة المنشودة؛ ومن ذلك:
1- ربَّانية المصدر: فأساس البناء
الحضاري في الإسلام قام على الهداية الإلهية التي تحرِّر الإنسان من هيمنة الأهواء؛
(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ
شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ) (الجاثية: 18).
2- الانضباط بمنهج الوحي في الرؤية
والتشريع: «تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا، كتابَ اللهِ،
وسُنَّةَ نبيِّه»(3).
3- قدرتها على تحقيق التوازن بين الروح
والمادة، والأخلاق والعمران: فهي حضارة لا تُقصي القيم باسم التقدم، ولا تُعطّل
العمران باسم الزهد؛ (وَابْتَغِ
فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا) (القصص: 77).
4- تأسيسها لمفهوم المسؤولية الإنسانية
أمام الله والتاريخ: إذ لا تنفصل الحرية عن المحاسبة، ولا العمل عن السؤال (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم
مَّسْئُولُونَ) (الصافات: 24).
5- انسجامها بين نور العقل وهداية الوحي
دون تعارض أو إقصاء؛ فالعقل أداة للفهم، والوحي مرشد للمسار؛ (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ
الْقُرْآنَ) (النساء: 82).
6- سعيها إلى ربط المعرفة بالمقصد
والقيمة؛ فلا تنفصل العلوم عن الغاية الأخلاقية، ولا المعرفة عن الهداية؛ (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ
فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي
الصُّدُورِ) (الحج: 46).
7- انفتاحها الواعي على خبرات الأمم مع
حفظ الخصوصية القيمية؛ فهي تستفيد دون ذوبان، وتتعلم دون تبعية؛ (فَبَشِّرْ عِبَادِ {17} الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) (الزمر).
العمل والإتقان وصناعة الفاعلية
العمل المُتقن هو الجسر الحقيقي للانتقال
من الخطاب إلى الإنجاز، ومن كثرة القول إلى صدق الفعل وصناعة الفاعلية، وقد قرر
القرآن هذا المبدأ بوضوح؛ (وَقُلِ
اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:
105)، فجعل الميزان هو العمل لا الادعاء، والإتقان شرط القبول والبركة،
وضمان النجاح والتميز؛ (وَأَحْسِنُوا
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 195)، «أمرهم بالإحسان في
أعمالهم كافة، وإحسان الأعمال إتقانها وتجويدها، وتنقيتها من الخلل والفساد،
وواعدهم إن هم أحسنوا أعمالهم بتأييدهم ونصرهم، ومن أحبه الله أكرمه ونصره وما
أهانه ولا خذله»(4).
فالإتقان عبادة لا تقل شأنًا عن سائر
العبادات، والانتقال من الاستهلاك إلى التأثير لا يتحقق إلا حين يتحول العلم إلى
ممارسة، والفكرة إلى مشروع، والنية إلى أثر ملموس.
وقد جسَّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا
المنهج في سيرته، فبنى الدولة بالتخطيط والعمل لا بالشعارات، وحفر الخندق، ونظم
الصفوف، وأحسن إدارة الموارد، كما ربَّى أصحابه على الفاعلية، فكان كل واحد منهم
صاحب دور ومسؤولية، يعمل فيما يُحسنه ويبدع فيه، وفي السيرة شاهد واضح على أن قلة
الإمكانات لا تمنع عظمة الإنجاز إذا وُجد الإخلاص والإتقان، فالخطاب بلا عمل
استهلاك للوقت، أما العمل المتقن فهو الذي يصنع الثقة ويغير الواقع، وبذلك تتحقق
الفاعلية المنشودة حين يصبح العمل قيمة، والإتقان منهجًا، والإنجاز شاهدًا على صدق
الرسالة.
موانع الريادة الحضارية
تتعطل الريادة الحضارية حين تنخرها موانع
داخلية تُفقد الأمة قدرتها على الفعل والتأثير، وفي مقدمتها الانقسام والتنازع،
وقد حذَّر القرآن من هذا الداء؛ (وَلَا
تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46)، فالتفرق
سبب مباشر لفقدان القوة والهيبة، ومن أخطر الموانع كذلك فقدان البوصلة القيمية،
حين تنفصل الحركة عن الهداية، ويُقدَّم النفع الآني على المبدأ؛ (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ
فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ
هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) (القصص: 50)، واتباع الهوى يورث
الاضطراب ويمنع الاستقامة الحضارية.
وحين تُهمَّش القيم؛ تفقد الأمة معاني
الخيرية ومقوماتها، وحتى مع وجود شيء من النجاح؛ فإن الإنجاز يتحوَّل إلى شكل بلا
روح، وقوة بلا عدل، وبذلك أيضاً تفقد الحضارة رسالتها الأخلاقية.
أما غياب المشروع الجامع؛ فيجعل الجهود
متناثرة، والطاقات مهدورة، رغم كثرتها وتنوعها، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم
إلى مركزية الهدف ووحدة الوجهة التي تُعد من أهم ضمانات التفوُّق والريادة؛ «مثَلُ
المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا
اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى»(5).
وفي السيرة النبوية تجلَّى المشروع
الجامع بوضوح في صحيفة المدينة، التي وحَّدت المكوِّنات المختلفة حول رؤية مشتركة
ومسؤوليات متبادلة، وحين توافرت وحدة الصف، ووضوح القيم، والمشروع المشترك؛ تحققت
الريادة رغم قلة العدد والعدة، فلا ريادة حضارية بلا وحدة، ولا نهضة بلا قيم، ولا
تأثير بلا مشروع يجمع ولا يفرِّق.
نحو استعادة الدور.. من الخيرية النظرية إلى الخيرية الواقعية
لا بد للمجتمع المسلم أن يقوم بخطوات
عملية لإحياء معنى الآية في حياة الأمة اليوم، والمسؤولية فردية وجماعية، إذ
الخيرية في الإسلام دعوة عملية تتطلَّب تحويل النية إلى أثر ملموس، «وترى الديانة
الإسلامية قائمة على أساس الاستقلال والعقل، جامعة بين مصالح الروح والجسد، ولا
يليق ذلك إلا بأمة بلغت سن الرشد العقلي والارتقاء الفكري»(6).
وبناء الإنسان القادر على العطاء
والمستعد للمشاركة الفاعلة في النهضة يتطلَّب وعياً بذلك الدور، وعملاً بمقتضياته
التي تنطلق أولاً من قيَم الدين الحنيف؛ «وإنه لتفكير سديد؛ ذلك الذي يرى أن تكوين
الحضارة كظاهرة اجتماعية إنما يكون في نفس الظروف والشروط التي ولدت فيها الحضارة
الأولى، كان هذا صادرًا عن عقيدة قوية، ولسان يستمد من سحر القرآن تأثيره، ليذكِّر
الناس بحضارة الإسلام في عصوره الزاهرة»(7).
وهكذا يعلِّمنا الإسلام العمل بالأسباب والتحرك العملي، ولا يمكن أن تتحقَّق خيرية أو تنطلق نهضة بالتراخي والتّسويف والتأجيل، ومن الأهمية بمكان على المستوى الجمعي بناء خطط متكاملة تنطلق من القيم القرآنية والسيرة النبوية، وتركِّز على نماذج مُستدامة تحرِّك الموارد والطاقات معاً، لتكون الخيرية محورًا ثابتًا في خدمة الإنسان والمجتمع.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً