كيف يُستخدم التضليل الإعلامي في صناعة «الإسلاموفوبيا» والعنصرية ضد الفلسطينيين؟

جمال خطاب

13 يناير 2026

82

د. ياسمين زين(*)

في مجال التواصل السياسي، تُعرف الكذبة الكبرى -أو ما يُسمى بـ«تأثير الحقيقة الوهمية»- بأنها التكرار المستمر للمعلومات المضللة؛ ما يجعل الناس أكثر ميلاً لتصديقها.

التكرار سبيل الأكاذيب للانتشار، فكلما زاد التعرض لأفكار ومفاهيم محددة قد تكون ادعاءات زائفة؛ زاد احتمال فهم هذه المعلومات المضللة على أنها حقيقة.

تنتشر كميات هائلة من الأخبار الكاذبة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وعلى عكس المعلومات المضللة، التي تشير إلى المعلومات الخاطئة أو غير الدقيقة، فإن حملات التضليل الإعلامي تنشر الدعاية عمداً لخلق الخوف والشك.

صناعات التضليل الإعلامي، والوسطاء الذين يتداولون هذه العملة الزائفة، يمتلكون قدرة هائلة على نشر الدعاية ونظريات المؤامرة على نطاق واسع جداً، خارج نطاق دوائرهم المغلقة.

إنتاج الأكاذيب الاجتماعية

تنتشر عبر وسائل الإعلام والشبكات المنسقة الصور النمطية المعادية للإسلام والفلسطينيين، بالإضافة إلى نظريات المؤامرة، وفي نهاية المطاف، تُعتبر هذه الصور حقائق اجتماعية، لا سيما في أوقات الحروب والصراعات وتصاعد التوترات السياسية.

في الأوقات العصيبة، تعتمد القدرة على إضفاء الشرعية على العنف الشامل على نشر صور نمطية مُجرّدة من الإنسانية وقصص مُرعبة، هذه الدعاية المُوجّهة تُصوّر شعوبًا بأكملها على أنها شياطين شعبية منحرفة، مسؤولة عن الجرائم والمشكلات الاجتماعية، وهذا بدوره يُثير حالة من الهلع الأخلاقي، تُستخدم لتبرير أعمال القمع.

شياطين تُهدد المجتمعات الغربية

في كتابي «تحتالحصار: الإسلاموفوبيا وجيل 11 سبتمبر»، أُوثّق كيف واجه مليارا مسلم حول العالم، منذ أحداث 11 سبتمبر، عقابًا جماعيًا، حيث يُصوَّر المسلمون، في كثير من الأحيان، كشياطين تُهدد المجتمعات الغربية، ويُربطون ربطاً وثيقاً بدعم العنف والترويج له.

وقد تجلى هذا التصور مؤخرًا في تصريحات علنية أدلى بها سياسيون كنديون، بمن فيهم رئيس الوزراء جاستن ترودو، فقد وصفت عمدة تورنتو أوليفيا تشاو المسيرات وحركات التضامن مع فلسطين بأنها تمجيد للعنف، ووصفت كل من حضر هذه الفعاليات بأنه مؤيد لـ«حماس».

وقد أدى انتشار «الإسلاموفوبيا» إلى تعميم الصور النمطية عن المسلمين والفلسطينيين (بمن فيهم غير المسلمين) بأنهم ميالون للعنف والإرهاب، وعندما يتبنى السياسيون هذه الروايات العنصرية، فإنهم يُساوون زورًا بين دعم الشعب الفلسطيني ودعم الإرهاب، ويُثيرون الخوف والذعر الأخلاقي بشأن الوجود الإسلامي في كندا وخارجها.

سياسات معادية للمسلمين

وهكذا يصبح تصديق الجمهور للروايات المُشوّهة للعنف عن المسلمين أمرًا بديهيًا لدى من يشاهدون تقارير إخبارية متحيزة على وسائل الإعلام الرئيسة ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة التي تنشر روايات معادية للمسلمين، فعلى سبيل المثال؛ تجلّت المواقف السلبية تجاه المسلمين في كندا في استطلاع رأي أجرته «إذاعة كندا» عام 2017م، فقد أعرب 51% من المشاركين في الاستطلاع في كندا، و57% في كيبيك، عن قلقهم البالغ أو الشديد حيال الأمن بسبب وجود المسلمين في البلاد، وأيد ما يقرب من ربع الكنديين (23%) حظر هجرة المسلمين إلى كندا، وهي نسبة تأييد ارتفعت إلى 32% في كيبيك.

وتُترجم المشاعر المعادية للإسلام إلى سياسات وممارسات معادية للمسلمين، ففي الآونة الأخيرة، أزالت مكتبة ماركهام العامة في أونتاريو مؤقتًا معروضات شهر «التراث الإسلامي» من فروعها بعد إرسال بريد إلكتروني إلى الموظفين جاء فيه: «بالنظر إلى الوضع الراهن في الشرق الأوسط، من الأفضل لنا عدم الترويج لشهر التراث الإسلامي بشكل فعّال..».

كما أن لـ«الإسلاموفوبيا» عواقب وخيمة، ففي عام 2021م، دهست شاحنة 4 أفراد من عائلة كندية باكستانية مسلمة في مدينة لندن في أونتاريو؛ ما أدى إلى وفاتهم، وأظهرت الأدلة التي قُدّمت في محاكمة الرجل المتهم بالقتل أنه بعد اعتقاله، أشار مرارًا وتكرارًا إلى قصص مختلقة تثير الذعر حول عصابات استغلال جنسي مسلمة أثناء استجوابه من قبل الشرطة!

شائعات ومعلومات مضللة على الإنترنت

ردد رؤساء دول وشخصيات عامة ووسائل إعلام دولية مزاعم لا أساس لها من الصحة حول قيام «حماس» بقطع رؤوس 40 طفلًا «إسرائيليًا» وحرقهم، على الرغم من عدم وجود أي تأكيد رسمي من السلطات «الإسرائيلية» على هذا العمل الوحشي المزعوم.

ومع ذلك، أدى تكرار هذه القصة الكاذبة إلى تصوير الفلسطينيين بصورة مهينة، ووصفهم بـ«وحوش متعطشة للدماء» و«حيوانات بشرية»؛ ما أدى إلى تأجيج العنصرية ضد الفلسطينيين على نطاق واسع.

وأسفرت حملات التضليل والتشويه هذه، للأسف، عن مقتل وديع الفيومي، الطفل الفلسطيني الأمريكي المسلم البالغ من العمر 6 سنوات، في بلينفيلد، إلينوي، وقد طُعن 26 طعنة، على يد مالك منزل عائلته الأبيض، المتهم أيضاً بطعن والدة الفيومي مراراً وتكراراً، وهو يصيح: «يجب أن تموتوا أيها المسلمون»!

ضحايا الحرب

تُذكّرنا هذه الأحداث العنيفة بالمقولة العسكرية المنسوبة إلى الكاتب المسرحي اليوناني القديم إسخيلوس، التي تحذر من أن الحقيقة هي أول ضحايا الحرب، ففي أوقات الحروب والصراعات يُعدّ التضليل أول سلاح يُستخدم.

لم يعد استهلاك الروايات السياسية أو الإعلامية دون تمحيص خياراً مطروحاً، ففي هذه الأوقات العصيبة، يحتاج الجمهور إلى القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال، حيث تتستر الأكاذيب وراء قناع الحقيقة، فعواقب التضليل وخيمة.

_______________

(*) أستاذة علم الاجتماع، جامعة ويلفريد لورييه في أونتاريو كندا.

المصدر: «ذا كونفرزيشن». 

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة