العوامل التي أثرت في تكوين الصحابة ونشأتهم (1)

العوامل التي أثرت في تكوين الصحابة ونشأتهم (1)

جيل الصحابة رضوان الله عليهم أعظم أجيال أمة الإسلام، قال الله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110)؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الآية: «لو شاء الله لقال: أنتم؛ فكنا كلنا، ولكن قال: «كنتم» في خاصة أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ومن صنع مثلَ صنيعهم كانوا خيرَ أمة أخرجت للناس»، وقال عزَّ وجل: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) (البقرة: 143).

ولهذا طالب الله عز وجل أجيال الأمة سواهم بأن يكون إيمانها مثل إيمان الصحابة ليقبل منها فقال تعالى: (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ) (البقرة: 137)، وألزمها اتباع سبيلهم وإلا هلكت فقال جل جلاله: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) (النساء: 115).

وروى الإمام مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء! قال: فجلسنا، فخرج علينا فقال: «ما زلتم ها هنا!» قلنا: يا رسول الله، صلينا معك المغرب ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: «أحسنتم» أو «أصبتم»، قال: فرفع رأسه إلى السماء -وكان كثيرًا مما يرفع رأسه إلى السماء- فقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون».

نزّل صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحابةَ من الأمة منزلته هو صلى الله عليه وسلم من الصحابة، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة الصحابة فإن الصحابة هم قدوة الأمة.

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبُّوا أصحابي، فلو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما بلغ مُدَّ أحدِّهم ولا نصيفَه»، وقال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته».

وأسباب نبوغ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وارتقائهم إلى هذه المنزلة العظيمة كثيرة، ويأتي في مقدمتها:

1- القرآن الكريم وأثره العظيم فيهم.

2- وجود شخصية النبي صلى الله عليه وسلم بينهم وأثرها الكبير فيهم.

3- النشأة الجديدة لهذا الدين وما كان لها من حيوية وفاعلية.

4- المنهجية الفذة التي تعامل بها أصحاب النبي صلى الله عليه مع الوحي؛ الكتاب والسُّنة.

وأول هذه العوامل وأعظمها القرآن الكريم؛ ولئن كان القرآن باقيًا في الأمة بعد الصحابة فإنهم أكثر الأمة علمًا وفهمًا وعملًا واستضاءة به لما توفر لهم من أسباب هذا، فقد شهدوا نزوله، وعاشوا الواقع الذي نزل فيه، وهم أهل اللغة التي نزل بها، وفوق هذا أنهم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعايشوه، فمن هنا كانوا أقدر الناس على الاستفادة بالقرآن الكريم.

لقد كان وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين الصحابة معينًا لهم على فهم القرآن مِن قبيل أنه كان يتمثل القرآن الكريم في حياته، فمجرد سيره وسيرته تفسير للقرآن، وأيضًا فإن السُّنة تفسير للقرآن الكريم، وأيضًا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي بالقرآن فيخبر بذلك ويقرأه على الصحابة فينتقل القرآن من فمه الكريم إلى أسماعهم وقلوبهم فتعي هذه الأسماع والقلوب القرآن وتفهمه زيادة على مجرد قراءتهم له أو سماعهم له من غيره صلى الله عليه وسلم.

ومعلوم أن السُّنة تفصِّل مجمَل القرآن، وتخصّص عامّه، وتوضّح مشكله، وتقيّد مطلقه، وتبيّن مبهمه، وكل هذا وافر للصحابة في وجود شخص النبي صلى الله عليه وسلم بينهم.

وقد تتبعت طريقة تعامل الصحابة مع القرآن فوجدت أنهم كانوا يقبلون على الجزء منه يحفظونه، ثم يفهمونه، ثم يعملون به، وهذا واضح في أثر ابن مسعود فقد قال: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن»، وقال أبو عبدالرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا».

وأمارات هذا الأثر من حياتهم كثيرة من الناحية الواقعية:

فمنها في جهة الأخذ والحفظ: عن عبدالله بن مسعود قال: «أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد».

وعن المسور بن مخرمة، وعبدالرحمن بن عبدالقاري، أنهما سمعا عمر يقول: مررت بهشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة «الفرقان» في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت قراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أن أساوره في الصلاة، فنظرت حتى سلم، فلما سلم، لببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قلت له: كذبت، فوالله إن النبي صلى الله عليه وسلم لهو أقرأني هذه السورة التي تقرؤها.

قال: فانطلقت أقوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة «الفرقان» على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام»، فقرأ عليه القراءة التي سمعته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت».

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ يا عمر»، فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هكذا أنزلت» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر».

ومنها في جهة الفهم والعلم: عن عبدالله قال: لما نزلت (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) (الأنعام: 82)، قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: «ليس كما تقولون (لم يلبسوا إيمانهم بظلم) بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13)؟».

ومنها في جهة العمل والتطبيق: عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 284)، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير»، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 285)، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: 286) قال: «نعم»، (رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) (البقرة: 286)، قال: «نعم» (رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (البقرة: 286) قال: «نعم»، (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة: 286) قال: «نعم».

هكذا تناول الصحابة القرآن الكريم من جهة الحفظ والاستظهار، ومن جهة العلم والفهم والتدبر، ومن جهة التطبيق والعمل والتنفيذ، فأعاد القرآن الكريم بناءهم على هديه الرباني: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: 9)، أعادهم القرآن إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها يوم خلق الإنسان في أحسن تقويم؛ (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: 30).

إنه فعل هذا القرآن الكريم في النفوس حين يعيد ترتيبها ويوجّه قدراتها ويرشّد طاقاتها بعد أن كانت مبعثرة تائهة، ويقيمها على ما هو الأصلح لها في هذه الحياة ويوم تلقى الله عز وجل، وهذا جانب ينبغي أن يفتَّش القرآن ليوقف عليه من خلاله ويتعرف على طريقته هذه في إعادة ترتيب الإنسان وتشكيل اهتماماته وإيقاظ قواه للعمل بما له خلقه الله عز وجل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة