«دولة التلاوة».. ودور النساء بين الماضي والحاضر

حقق هذا البرنامج التلفزيوني الحديث والرائد منذ إذاعته في نوفمبر 2025م مشاهدات عالية جداً تجاوزت حتى الآن نحو 200 مليون مشاهدة على المنصات الرسمية، واكتسب جماهيرية لافتة جددت الاهتمام لدى المشاهد العادي بحقل تلاوة القرآن الكريم، وفنون التجويد والترتيل والمقامات بطريقة عصرية تفاعلية لعرض واكتشاف المواهب الشابة.

أصبح «دولة التلاوة» مثابة تذكرة بالمدرسة المصرية الأصيلة في القراءات وبرموزها وروادها، تلك التي كتب عن تاريخها الكاتب محمود السعدني في كتابه الشهير «ألحان السماء» (1996م).

وما لم يعرفه الكثيرون أنه أفرد فصلاً كاملاً عن المقرئات بمصر اللاتي انتشرن في بداية القرن العشرين بدءاً من إحياء ليالي المآتم بالتلاوة الحية في تجمعات النساء حتى الوصول إلى الفضاء المهني الأعم والشهرة عندما أصبحت تُذاع تلاوتهن في الإذاعة المصرية الرسمية منذ إنشائها في منتصف الثلاثينيات، وذكر السعدني 3 أسماء بالتحديد: نبوية النحاس، وكريمة العدلية، ومنيرة عبده، وتلك الأخيرة هي أول من قرأ وسجّل في الإذاعة، ونالت إعجاباً وشهرة كبيرة في سائر العالم العربي.

واستمر تخصيص أيام وأوقات محددة لتلاوة المقرئات حتى ظهرت حوالي 1949م فتوى غامضة غير معلوم مصدرها بالتحديد أو ربما آراء لشيوخ عن عورة صوت المرأة وعدم جواز هذه القراءة العامة، فتم الإلغاء درءاً للمشكلات، وإن استمرت أنشطتهن في أحياء القاهرة الشعبية وفي الريف بعض الوقت حتى اندثرن تدريجياً.

تاريخ طويل

تكشف لنا د. ياسمين أمين في بحث أصيل وافٍ عن تاريخ ممارسة قراءة/تلاوة القرآن لدى النساء منذ البدايات الأولى في جيل الصحابيات والمهاجرات والتابعيات، مثلاً الخليفة عمر بن الخطاب أول من عين رسمياً قرّاء لهذه المهمة؛ واحداً للرجال وواحدة للنساء؛ ما يعني أنهن أيضاً تعلّمن ومارسن التلاوة مبكراً في المجتمع الإسلامي.

وتنقّب أمين في مختلف المصادر عن المعلومات والتفاصيل التي تفيد باستمرار وتطور هذه الممارسة بأشكال متعددة وعبر مجتمعات وسياقات وأزمنة متعددة أيضاً.

مثلاً، يذكر ابن سعد في «الطبقات» أن أم ورقة كانت حافظة وقارئة للقرآن، وتنبّه الباحثة إلى دور المهاجرات الأوائل إلى الحبشة في حفظ وتعليم القرآن، ثم إلى أهم محطة تاريخية في هذا الخط الزمني وهي الفترة المملوكية خاصة في مصر والشام وغرب الجزيرة العربية؛ حيث انتشار ظاهرة مهنة المحدّثات والفقيهات والمفتيات والواعظات والشيخات الصوفيات في المنازل والمساجد والحرم المكي والمقدسي والأماكن العامة، وتذكر كثير من التراجم قراءتهن للقرآن.

ومن المعلومات المثيرة التي توردها لنا د. أمين أن الوالي محمد علي كان يدعو قارئة شهيرة اسمها أم محمد للقراءة في حرملك قصره ويدفع لها أجراً عالياً، ثم من إعجابه بها ابتعثها إلى إسطنبول لتقرأ عند الباب العالي، كذلك سكينة حسن المولودة عام 1892م التي أول من سجّلت قراءتها على أسطوانات «جراموفون».

ويبدو كما ذكرت د. أمين، في مقابلة لها في «بودكاست» توثيقي سجلته سلمى الورداني لقناة «بي بي سي» في يوليو 2025م، أن كثرة تواجد المقرئات عموماً أثناء حكم محمد علي وبعد ذلك من خلال الإذاعة الرسمية جعلت مصر تُعرف أنها بلد تلاوة النساء.

وعودة إلى مصادر تاريخ عالمات الدين المسلمات قبل العصر الحديث، نكتشف من خلال سير وتراجم المحدّثات خاصة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي التي سجّلها لنا محدّث ومؤرخ مثل شمس الدين محمد بن عبدالرحمن السخاوي في قاموس إعلامه «الضوء اللامع»، نكتشف تفاصيل صغيرة تدل على ممارسة معظم هؤلاء العالمات المتخصصات تلاوة القرآن في دوائر وحلقات ومجالس العلم ويسمعها العلماء الرجال ويبدون إعجابهم بإتقانها.

سنقدم هنا، على سبيل المثال، اقتباسات من نص هذه التراجم تفيد بذلك.

المحدّثة أم هانئ ابنة نور الدين بن عبدالملك المصرية الشافعية (ولدت عام 1376م) التي تلقت العلم من كثير من مشايخ مكة ومصر وحصلت على الإجازات العلمية منهم لنقل وشرح المؤلفات المعتمدة، ويصفها الكاتب أنها «فصيحة العبارة مجيدة للكتابة ولديها فهم وإجادة لإقامة الشعر، حفظت القرآن في صغرها ومختصر أبي شجاع في الفقه، وسمعنا من لفظها وحفظها سورة الصف بفصاحة وحسن تلاوة» (ص157).

وزينب ابنة القاضي الكمال أبي الفضل محمد بن عبدالعزيز (ولدت عام 1363م) التي حصلت كذلك على إجازات: «كانت رئيسة عاقلة تقرأ القرآن وتذاكر بأخبار وأشعار حسنة.. وكانت ناظرة على أوقاف والدتها» (ص 46)، ثم زينب ابنة إبراهيم بن محمد بن أحمد «سمع منها الطلبة حملتُ عنها وكانت كاتبة قرأت القرآن ونظرت في كتب العلم وأكثرت من العبادة والخير» (ص 39).

قارئات وخطاطات

ونلاحظ أحياناً في سير هؤلاء المحدّثات العالمات أن بعضهن جمعن بين شهرة في فن الخط وفي الحفظ والتلاوة، فكنّ قارئات وخطاطات مما يبين علاقة روحانية وجمالية وثيقة ومتميزة بينهن وبين كتاب الله تعالى، مثلاً خديجة ابنة عبدالعظيم المدولب وُصفت أنها «كاتبة قارئة» (ص28)، وخديجة ابنة علي بن عمر بن أبي الحسن الأنصاري (ولدت عام 1386م) «قرأت في صغرها اليسير من القرآن ومن العلم وتعلمت الخط» (ص 29)، وبيرم ابنة أحمد بن محمد بن سرور الديروطية المالكية التي أنشأها أبوها على «قراءة القرآن ومخالطة الفقهاء»، وتذكر الترجمة أنها «دخلت مع أبيها بيت المقدس فقرأت على من به من الشيوخ ووعظت النساء» (ص 15)، وغيرهن كثيرات فقط من مصدر واحد.

أما في الوقت المعاصر، فقد أجازت دار الإفتاء المصرية في عام 2015م تلاوة النساء للقرآن في حضور الرجال مع الكراهة، وعدم الكراهة في سماعه مسجلاً وإذاعته ونشره، مع نفي أن صوت المرأة عورة في حد ذاته، فالممنوع هو فقط «الخضوع بالقول»؛ ما شجع مقرئات من الأجيال الشابة الآن اللاتي تعلمن وتدربن على هذا الفن على تسجيل وإذاعة قراءاتهن بصفة غير رسمية على وسائل التواصل والمواقع الإلكترونية وأصبح لهن متابعون ومهتمون، بل إن واحدة من المقرئات الحاليات قد صرّحت أن الأزهر يدعمها عن طريق دعوتها للمشاركة بالتلاوة أحياناً في فعاليات علمية أو مؤتمرات.

والجدير بالذكر أن شابات المقرئات في المجتمعات الإسلامية في جنوب شرق آسيا مثل إندونيسيا وماليزيا يشاركن بالتلاوة الحية ويتصدّرن بحضورهن منذ زمن في فعاليات وتجمعات عامة رسمية بكل الفخر بحفظهن وأدائهن.

وخلاصة الأمر، قد يكون من فوائد البرنامج إعادة تعريفنا بتراث عالمات الإسلام قبل وبعد العصر الحديث، وأن نعتبر ذلك من تطبيقات المشاركة الدينية والاجتماعية العامة في شؤون الأمة كما جاء في القرآن الكريم: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 71).



اقرأ أيضاً:

أطفالنا و«دولة التلاوة»

إذاعة الأذان بصوت المرأة

الهوامش
  • 1 ياسمين أمين: دراسة بالإنجليزية تحت الطبع في مؤلف عن مساهمات النساء في تفسير القرآن، تحرير Nimet Seker (De Gruyter, 2026)،
  • 2 رابط (البودكاست): https://www.bbc.com/audio/play/p0lmbp8z
  • 3 شمس الدين عبد الرحمن السخاوي: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (جزء 12)، القاهرة، مكتبة القُدسي 1936.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة