الكويت وإحياء اللغة العربية

المادة الثالثة من الدستور الكويتي: «لغة الدولة الرسمية هي اللغة العربية»، وعلى الرغم من الأهمية الكامنة في هذا الحضور للغة العربية وللمكانة التي تحظى بها عند المجتمع الكويتي، لكن شأن الحفاظ على اللغة العربية وإحيائها لا يقف عند حدود مادة في الدستور، وإن كان للأمر ثقله الذي لا يجحد، إذ إننا لو تتبعنا سردية اللغة العربية في تاريخ الثقافة في الكويت لوجدناها روحاً سارية فيه، وركيزة راسخة في كيان الشخصية الكويتية.

في الخطاب العلمي

فعلماء الكويت منذ نشأتها كانت اللغة العربية محط اهتمامهم وعنايتهم، فعلى سبيل المثال، هذا الشيخ عثمان بن سند، أحد أبرز علماء الكويت، بل والخليج العربي في زمنه، قد أولى اللغة العربية عنايته البالغة؛ تعليماً وتأليفاً، حيث ألّف في اللغة العربية، نحوها وصرفها وبلاغتها وعروضها وشعرها، فقد كتب «نظم اللبيب عن كتب الأعاريب»، وهي منظومة في النحو تقع في 5 آلاف بيت، قال عنها الإمام الألوسي: «أتى فيه بالعجب».

كما نظم قواعد الإعراب لابن هشام، وكتب في علم العروض «جيد العروض في القوافي والعروض» جاء فيه:

سمّيته جيد العروض لكي أرى       به جيد من رام العروض مُجمّلا

وهذه العناية في اللغة العربية تتجلى في صنيع عالم الكويت الشيخ محمد بن الجراح الذي تأسس على حب اللغة العربية، وترجم ذلك الحب بالنهم من علومها، فقد قرأ في يفاعته على الشيخ أحمد عطية الأثري «قطر الندى»، و«شذور الذهب»، وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، كما قرأ على الشيخ عبدالعزيز حمادة شرح خالد الأزهري على الآجرومية، ولما أتمّ حفظ ألفية ابن مالك أقام وليمة مشهودة ابتهاجاً بهذا الإنجاز شهدها لفيف من الأصدقاء والأهل والجيران.

ومن المبادئ العلمية التي أرساها في تدريسه لطلبة العلم أن يبدأ في منهجه العلمي بتدريس النحو، إذ إنه كما يؤكد ذلك دائماً مفتاح العلوم، فقد سمعه أحد أنْجب تلامذته وهو د. وليد المنيس مراراً يتمثل قول الشاعر:

النحو أولى أوّلاً أن يُعلَّما          إذ الكلام دونه لن يُفهما

العمل الخيري.. والحفاظ على اللغة العربية

وأما المحسن والوجيه عبدالعزيز سعود البابطين يرحمه الله، فسيرته تمثل قصة عشق للغة العربية؛ إذ قلما يُسخّر ثريّ  من أثرياء العرب أمواله لهذا النوع من الحب والميول، بل لهذه الوجهة من العمل الإنساني الخيري، حيث يمثل هذا العمل عند التأمل إغاثة فكرية نوعية، وعملاً إنسانياً فريداً، حيث أنشأ أول مكتبة للشعر العربي، وأقام العديد من المؤتمرات في عواصم العالم تنويهاً بهذه اللغة العظيمة، وذوداً عن حياضها وإحياء لمآثرها.

الحاسوب يتكلم العربية

وعلى ذكر تسخير الأموال لهذه الوجهة الفريدة؛ وهي خدمة اللغة العربية، فقد كان للكويت إسهام لا مثيل له، ومأثرة قلّ نظيرها، وذلك في عمل محمد عبدالرحمن الشارخ (ت 2024م)، المهندس ورجل الأعمال، مؤسس شركة صخر لبرامج الحاسوب، الذي يعود له الفضل في إدخال اللغة العربية إلى الحواسيب في فترة مبكرة عام 1982م.

فأصبح «صخر» أول حاسوب عربي، وقد استوحى الشارخ اسم مشروعه من المثل العربي الشهير: «العلم في الصغر كالنقش على الحجر»، وهو أول من أدخل القرآن الكريم ودواوين الحديث النبوي إلى عالم التقنيات والحواسيب.

تاج العروس بروح كويتية

ومن الإنجازات العلمية اللغوية التي تُحسب للكويت تحقيق كتاب «تاج العروس من جواهر القاموس» للإمام محمد مرتضى الزّبيدي (ت 1205هـ)، اللغوي الفقيه المحدّث، الذي شرح فيه كتاب «القاموس المحيط» لمجد الدين الفيروز آبادي.

وعلى الرغم من جلالة هذا السِّفر ومكانته السّامقة بين معاجم اللغة العربية، فإنه ظلّ مهملاً لم تصل إليه يد العناية والتحقيق، والكتاب على أهميته اللغوية، فإنه كنز معرفي زاخر بالعلوم والمعارف، فهو يتنقل بك حسب السياق من لغة إلى أمثال أو شعر أو تاريخ أو تفسير أو حديث، بل إلى عالمي الحيوان والنبات، بله أنه تاج اللغة وعنوان معاجمها.

وبعد منتصف القرن العشرين، التفتت لهذا السِّفر العظيم عناية الكويت ممثلة بوزارة الإعلام والمجلس الوطني للثقافة والفنون، فألقت له سترة النجاة من مهاوي الضّياع، وانتشلته من الإهمال، فسخّرت الجهود وذلّلت الصعاب لتحقيق هذا الكنز اللغوي المعرفي، حيث بدأت بالعناية به وتحقيقه منذ عام 1965 إلى عام 2001م على مدى 36 عامًا، وقد اشتغل على تحقيقه 25 عالمًا من أبرز علماء العربية، وبلغ عدد أجزائه 45 مجلدًا.

باب فصيح العامي والهوية العربية

يمكن أن نعتبر الكتابة هي باب فصيح العاميّ في الكتابة الكويتية هاجساً لغوياً للتأكيد على الهوية العربية والامتداد اللغوي، وذلك نظراً للمخاوف التي تعتري بعض المثقفين مما قد يصيب هذه الهوية العربية من عوامل الضمور، التي قد يكون سببها:

  • الموقع الإقليمي والانزياح الثقافي واللغوي.

  • هيمنة الثقافة الغربية.

  • تصدع الانتماء العربي.

وعليه، يمكن تفسير تناوب المهتمين باللغة العربية من الكويتيين على تأكيد الهوية العربية للمجتمع الكويتي من خلال باب فصيح العامي، وبيان الجذور العربية الفصيحة التي ترجع إليها جملة واسعة من مفردات اللهجة الكويتية.

وإن من أوائل من تنبهوا إلى هذا الباب المعروف بفصيح العامي تأكيداً لامتداد اللهجة الكويتية من اللغة العربية الأم د. ليلى السبعان، والأستاذ الأديب عبدلله خلف في كتابه «لهجة الكويت بين اللغة والأدب»، وتتطلب الكتابة في هذا الباب معرفة وافية في اللغة العربية، وقدرة على البحث فيها، ومعرفة كافية أيضاً باللهجة الكويتية.

ثم جاء إسهام د. يعقوب الغنيم، في كتابه «ألفاظ اللهجة الكويتية في كتاب لسان العرب»، وبعده جاء الباحث خالد سالم محمد يرحمه الله، وتتبع المزيد من الألفاظ الكويتية ذات الأصول العربية في كتابه «من العامية الفصيحة في اللهجة الكويتية».

«معرّي الكويت».. ومسؤولية المثقف

زار الشاعر الكويتي صقر الشبيب الملقب بـ«معرّي الكويت» المدرسة المباركية، وجلس على كرسي كان قريباً من أحد الفصول، وسمع مدرس اللغة العربية يلقي درساً، وقد كان كثير اللحن، فاستاء الشاعر كثيراً من ذلك اللحن، فاندفعت قريحته بقصيدته «لهفي على الفصحى»، ومنها:

ما زلت أسمع لحن ذا اللحان        حتى لكدتُ أذوب من أشجاني

لهفي على الفصحى يدرسها      امرؤ تدريسه ضرب من الهذيان

يا أيها اللغة الجميلة إنني          مغرى الفؤاد بحسنك الفتان

ما فات وجهك منهما من بعدما      فيه تجلى معجز القرآن

إنه ليس الحب الغامر للغة العربية فقط، ولكن مسؤولية المثقف وغيرته على لغته هما اللذان جعلا الشاعر يفصح مندفعاً مع شاعريته الفياضة عن غيرته القوية والصريحة على لغته العربية، التي لا يقولها على لسانه فقط، وإنما على لسان جيل من شعراء وأدباء الكويت الناهضة آنذاك من براثن الأمية والجهل، من أمثال خالد الفرج، وفهد العسكر، ومحمود شوقي الأيوبي، ولا تُستغرب هذه المشاعر الحية من هذا الشاعر الكويتي الكبير الذي أفنى عمره في حب الفصحى وتلقي علومها، فهو القائل في قصيدة له قالها للشيخ سالم الصباح:

منذ حرضتني على بذل جدي        في تلقي الفصحى وبذل اجتهادي

كان شغلي جميعه في نهاري        بل وليلي تطلبًا للضاد

ما تقدم ليس كل سردية علاقة الفصحى بالكويت، وإنما هي محطات وإشارات لهذه العلاقة التي تستحق من المعنيين المزيد من البحث والتنقيب لتأكيد هذه العلاقة الوطيدة بين الكويت على صعيديها المؤسسي والأهلي، واللغة العربية الفصيحة؛ حماية لها وذوداً عن حياضها وإحياء لها بين أجيالها الناهضة وشبابها الواعد، على الرغم من الشعور اللاذع الذي ينتاب جمهرة من المعنيين باللغة العربية بخذلانها   والتقصير في حقها.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة