الهجرة النبوية.. دروس وعبر
5 فنون لاختيار الكفاءات وإنجاز المهمات.. في رحاب الهجرة النبوية
لم تكن الهجرة
النبوية الشريفة من مكة إلى المدينة مجرد انتقال من مكان إلى آخر؛ بل كانت مثالاً
فريداً وتأسيساً لمشروع حضاري متكامل، قائم على العلم الوثيق والعمل الدقيق، وقد
كشفت الهجرة عن جانب عظيم من جوانب القيادة النبوية الشريفة، وهو اكتشاف الكفاءات
وتوظيف الطاقات بما يتناسب مع القدرات والإمكانات.
حيث لم تكن
الهجرة قائمة على الجهد الفردي، بل على العمل الجماعي، حيث أدى فريق الهجرة كله
أدواراً متنوعة، فمنهم الرفيق، ومنهم قائد الطريق، ومنهم ناقل الأخبار، ومنهم من
يمحو الآثار، ومنهم من تحمل الطعام، ومنهم من ينام في فراشه صلى الله عليه وسلم
لأداء الأمانات، حتى تحولت تلك الجهود المختلفة إلى منظومة متكاملة لتحقيق الهدف
المنشود، وكان اختيار وتوظيف هذه الكفاءات قائم على الفنون الآتية:
1- التخطيط المبكر:
لم تكن الهجرة
النبوية مجرد فكرة عابرة تم القيام بها في لحظات سريعة؛ وإنما كانت عملاً حضارياً
يقوم على التخطيط المحكم والتنفيذ المتقن، فقد هيأ النبي صلى الله عليه وسلم
المدينة المنورة لاستقباله من خلال نشر الإسلام فيها وهجرة الصحابة إليها قبل
هجرته صلى الله عليه وسلم.
كما حرص على
اختيار أفراد عملية الهجرة منذ وقت مبكر، حيث استبقى أبا بكر، وعلي بن أبي طالب،
في مكة، ولم يسمح لهما بالهجرة، وكذلك آل بيت أبي بكر، مع سماحه صلى الله عليه
وسلم لبقية الصحابة بالهجرة قبله.
كما يظهر
التخطيط المبكر في إعداد الأدوات اللازمة للهجرة قبل موعدها بوقت كبير، حيث تم
تجهيز الراحلة قبل الهجرة بمدة كافية، فقد قال المقريزي: كان أبو بكر رجلاً ذا
مال، فكان حين استأذن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في الهجرة قال له: «لا تعجل،
لعل اللَّه يجعل لك صاحباً»، فيطمع أبو بكر بأن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه
وسلّم إنما يعني نفسه حين قال ذلك، فابتاع راحلتين، فحبسهما في داره يعلفهما
إعداداً لذلك. (إمتاع الأسماع، 9/ 197).
2- استغلال جميع الطاقات:
حرص النبي صلى
الله عليه وسلم في الهجرة على توظيف جميع الطاقات، حيث لم يغفل أي جهد يسهم في
تحقيق مقصده، فقد أشرك الرجال والنساء، والكبار والشباب، والمؤمن والكافر، ليؤكد
أن النجاح لا يعتمد على فرد واحد مهما تعددت مواهبه وعظمت قدراته، فقد شارك الرجال
كأبي بكر الصديق وهو الكبير في السن، وعليّ بن أبي طالب وهو الشاب، وكذلك عبدالله
بن أبي بكر، وعامر بن فهيرة، كما شاركت المرأة ممثلة في أسماء بنت أبي بكر، كما
شارك الكافر الذي يعلم خفايا الطرق مع الثقة في أمانته، وهو عبدالله بن أريقط.
من خلال هذه
المشاركات المتنوعة، يتبين أن الهجرة النبوية كانت مثالاً فريداً في توظيف الطاقات
المتعددة، لتتحول إلى منظومة عمل متكاملة، تحرص على تحقيق الإنجازات وتتجاوز
التحديات والصعوبات، حتى يصبح كل فرد في ميدان العمل جزءاً منه، لا يمكن تجاوزه أو
التخلي عنه.
3- توزيع الأدوار:
تنوعت الأدوار
في الهجرة النبوية الشريفة، بين تجهيز الراحلة والتمويه ومحو الآثار ونقل
المعلومات وتتبع الأخبار والتزويد بالطعام والشراب والدلالة على الطريق.
وقد أعطى النبي
صلى الله عليه وسلم هذه المهام لعدد من الأفراد، ولم يجمع بين مهمتين لفرد واحد،
حتى يمنع التداخل بين المهام، وحتى يكون ذلك معيناً على تركيزه وإنجازه، فقد شارك
أبو بكر بالرفقة وتجهيز الراحلة، وشارك علي بن أبي طالب بالمبيت في فراشه صلى الله
عليه وسلم ورد الأمانات إلى أهلها، وشارك عبدالله بن أبي بكر بجمع المعلومات ونقل
أخبار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشارك عامر بن فهيرة بالتمويه وإخفاء
الآثار، وشارك عبدالله بن أريقط بالدلالة على الطريق، وشاركت أسماء بنت أبي بكر
بإمداد النبي وصاحبه بالطعام والشراب. (سيرة ابن هشام، 1/ 486).
4- اختيار الأكفأ لكل وظيفة:
من أهم المبادئ
الإدارية الناجحة اختيار الأكفأ لكل مهمة، حيث لا مجال في العمل الناجح لعشوائية
الاختيار أو المحسوبية فيه، لأن نجاح الأعمال مرتبط بكفاءة القائمين عليه بعد
توفيق الله تعالى.
وقد جاءت
اختياراته صلى الله عليه وسلم للمعاونين له في الهجرة من مكة إلى المدينة قائمة
على الخبرة العملية والكفاءة الميدانية لكل فرد وفق الاحتياجات التي تقتضيها كل
مهمة.
قال الشيخ محمد
الغزالي: وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم دليلاً خبيراً بطريق الصحراء؛
ليستعين بخبرته على مغالبة المطاردين، ونظر في هذا الاختيار إلى الكفاية وحدها،
فإذا اكتملت في أَحَد -ولو مشركاً- استخدمه وانتفع بموهبته، (فقه السيرة، ص 173).
وهذا الدرس
العظيم هو الذي تحتاج إليه مؤسساتنا على الدوام، فكم من المهام تعثرت بسبب إسنادها
إلى غير أهلها! وكم من الطاقات أهدرت بسبب استبعاد المؤهَلِين والقادرين على
الإنجاز! وهذا من الفساد الذي تقوم عليه الساعة.
ففي صحيح
البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ:
كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى
غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».
5- الاستفادة من التخصصات المتنوعة:
كانت الهجرة
النبوية الشريفة عملاً عظيماً يحتاج إلى توظيف عدد من التخصصات التي تسهم في
خدمتها ونجاحها، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج من بيت محاط بالمشركين
الذين تجمعوا لقتله، كما يريد أن يتابع حركة الكفار من خلال معرفة الأخبار، كما
يريد أن يضلل المتابعين له من أجل الحماية، بالإضافة إلى حاجته للطعام والشراب، وهذه
كلها مهام تحتاج إلى تخصصات عدة؛ كالتخطيط، والاستخبارات، والتمويه، والتموين،
والإرشاد، والحماية، وقد قام بها فريق الهجرة خير قيام، من خلال توزيع الأدوار
الذي سبق ذكره.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً