فلسفة الصوم (2)

الاستسلام لأمر الله

من مقاصد الصوم السامية التي يتعلمها المسلم الاستسلام لأمر الله؛ فليس المقصود في الصوم مجرد أن يجوع ويظمأ الجسد، بل إن أعظم المقاصد أن تتعلم النفس البشرية وتُتقن معنى الاستسلام الكامل لله رب العالمين؛ وذلك الاستسلام الواعي في شريعتنا لا يُنقص قدر صاحبه، بل يُحرّره من قيود نفسه ولا يكسره، ويُعيد بناءه على ميزان العُبودية الصحيحة؛ فالإنسان بطبعه يميل إلى النَّهم والطمع، ويأنس بالاعتياد، ويستجيب لدوافعه وغرائزه سريعًا.

وهذه الطبيعة ليست عيبًا في ذاتها، بل هي جزء لا يتجزأ من التكوين الإنساني الذي أراده الله، غير أن النفس البشرية إذا تُركت بلا إرشاد ولا ضبط تتحول من خادمٍ للإنسان إلى سيّدٍ شرس يأمر بالمعقول واللا معقول، وهنا تأتي الشريعة الربانية لتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه؛ لا لقمع الفطرة ولا لمحوها، بل لقيادتها والسيطرة عليها بشكل يدفعه بها إلى المقاصد العُليا والشريفة، والبعد كل البُعد عن السفاسف والرذائل.

نداء من ربّ العالمين

حين ينادي الله سبحانه على عباده المؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)، فإن الخطاب الربَّاني لا يقف عند حدود التكليف وفقط، بل يوقظ في القلب معنى الاستسلام والانقياد، ويُظهر للإنسان عُبُوديته، فالصائم يَترك ما هو مباح، لا لأنه عاجز عنه، بل لأن الله تعالى أمره بذلك.

وهذا هو لُبّ العبودية وجوهره؛ أن يكون الامتثال سابقًا حتى على الفهم الكامل من المقصود، وأن يتقدّم التسليم على الرغبة والحاجة، وألا نناطح بعقولنا القاصرة أوامر ربنا، ولا أن نناقشها بالقبول أو الرد، فقد قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (الأحزاب: 36)، بل على العبد أن يعرف قدره وينطلق من هذا القدر ولا يتجاوزه ولا يتعداه، وأن يعرف مقام ربه العظيم وينطلق مستسلماً من منطلق هذا القدر العظيم.

البُعد النفسي للصوم

وهنا يتجلّى البُعد النفسي العميق للصوم؛ فالإنسان في حياته اليومية تحكمه دوافع فورية؛ الجوع يُستجاب له بالأكل، والعطش بالشرب، والرغبة الجنسية بالجماع، أما في الصوم، فيتعلّم أن يقف وينضبط بين الدافع والاستجابة، والأمر الرباني ومقام العبودية، وأن يقول لنفسه: ليس كل ما أستطيع فعله ينبغي أن أفعله، وهذه القدرة -كما يقرر علماء النفس- أساس النضج الانفعالي وضبط الذات؛ إذ يتحول الإنسان من كائنٍ منقاد لاندفاعه، إلى شخصٍ يملك قراره الداخلي، ويتحول من عبد مملوك لنزواته وشهواته إلى عبد ينقاد ويستسلم لأوامر ربه جل جلاله.

فالصوم إذن تدريب عمليّ على الحرية من الداخل؛ حرية لا تعني الانفلات والجري خلف الملذات والشهوات، بل تعني القدرة على الامتناع والتوقف عن احتياجاته حين يقتضي الأمر ذلك، والاستسلام هنا ليس ضعفًا ولا خَوَرًا، بل وعيٌ بأن الإنسان مهما اتسعت قدرته وزادت رُتبته يظل محتاجًا إلى ميزان يضبط مساره، ويُهذب أعماله وأفعاله، ويضبط سلوكه.

ولهذا كان الامتثال في الصوم خالصًا لله رب العالمين؛ إذ لا رقيب على الصائم إلا ضميره بعد الله، ولا شاهد إلا يقينه بأن الله يراه، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم إحسان العبودية أعلى مراتب الدين وهو الإحسان، فقال في حديث جبريل وقد سأله عن الإحسان: «.. أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (متفق عليه).

ولذلك، تجد في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الصوم عبادة تتجرد من المظاهر، وتُختبر فيها حقيقة التسليم، فالمرء يستطيع أن يأكل ويشرب خِفية، لكنه يمتنع لا خوفًا من الناس، بل تعظيمًا لأمر الله، وهنا تنشأ في النفس حالة من الاتساق والتوازن الداخلي، وهنا تظهر لنا القاعدة العملية الذاتية داخل الإنسان؛ وهي أن كل ما تؤمن به ينعكس على أفعالك، وما تُعظّمه في قلبك يظهر في سلوكك.

الصوم يُعيد هيكلة العلاقة بين العبد وربه

ولذلك، كان الاستسلام لأمر الله في عبادة الصوم إعادة لصياغة العلاقة بين الإنسان وربِّه؛ وبين العبد وسيّده، وبين الآمِرِ والمأمور، فهي علاقة تقوم على الثقة والقبول، لا على الإكراه المُجرد؛ لأن الإنسان ليس مُسير ومجبور في كل شؤونه، فالصائم الذي ينطلق من مبدأ العبودية لا يشعر أنه محروم إذا مُنِع من الطعام والشراب واللذة، بل يستشعر أنه مشارك في عبادة تُعيد إليه توازنه وتناسقه، وتذكّره بأن قيمته لا تُقاس بقدر ما يُشبع من رغباته وملذاته وشهواته، بل بقدر ما يملك نفسه ويمنعها إذا أراد لها العيش الكريم، لأن الإنسان إذا تملكت منه رغباته وشهواته ولم يستطع أن يُلجمها أهانته أذلته، وذهبت به لمدارك السُّفُول.

نتخيَّل إذا تكلم الصوم بلغته الخاصة، فلن يقول للجسد: جُع أو اظمأ، بل سيقول للروح: تطهّري واستسلمي، ولن يعلّم الإنسان كيف يترك الطعام والشراب واللذة، بل سيُعلمه كيف يترك كل شيء حين يحضر أمر الله، ففي ساعات الإمساك يتعلّم القلب فنّ الاستسلام الجميل؛ استسلامًا لا يُذلّ، بل يرفع، ولا يُميت الإرادة، بل يزكّيها ويهذّب مسارها.

فالصائم حين يستسلم ويخضع لأمر ربه، لا يشعر أنه فقد شيئًا، بل يشعر وكأنه استعاد نفسه من ضياعٍ قديم تاه فيه وسط ظلمات الشهوات والملذات، يرى في كل جوعٍ رسالة، وفي كل امتناعٍ معنى، وفي كل طاعةٍ سرًّا من أسرار الطمأنينة، كأن الصوم يقول له: أنت لست حرًّا حين تفعل ما تشتهي وتجري خلف شهواتك وملذاتك، بل تكون فعلاً حراً حين تملك أن تترك ما تحب وتهوى ابتغاء وجه الله تعالى.

اقرأ أيضا

فلسفة الصوم 1

لماذا نصوم

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة