في أسرار الرسم العثماني (1)
رحلة العلماء في استنطاق الحرف القرآني
شغلت ظواهر
الرسم العثماني العلماء قديمًا وحديثًا؛ فحاولوا تفسيرها، واختلفت وجهات النظر في
تفسير هذه الظواهر؛ فمنهم من أرجع بعضها إلى علل لغوية أو نحوية، ومنهم من أرجع
هذه الظواهر إلى خطأ الكاتب كالفراء نفسه الذي علل بعض هذه الظواهر بعلل لغوية
ونحوية كما سيأتي وابن قتيبة، وعبدالرحمن بن خلدون، ومنهم من أرجعها إلى غير ذلك
من التفسيرات، ومنهم من فسر هذه الظواهر بحمل اختلاف الرسم على اختلاف المعنى
كالقسطلاني الذي ذكر كثيرًا من هذا في كتاب له يحمل عنوان: "الدليل في مرسوم
خط التنزيل"، ومن العلماء من فسر هذه الظواهر باحتمال القراءات، ومن هؤلاء
الشيخ عبد العظيم الزرقاني الذي صرح بهذا في كتابه: "مناهل العرفان في علوم
القرآن"، وفيما يأتي بيان الاتجاه الأول.
التعليل اللغوي لبعض الظواهر
ذهب بعض العلماء
إلى تعليل بعض ظواهر الرسم العثماني بعلل لغوية أو نحوية، من هؤلاء الفراء، ومن
ذلك تفسيره لظاهرة الحذف حيث يقول في كتابه «معاني القرآن» عند قول الله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن
دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) (المائدة: 3) وقوله: "واخْشَوْنِي" أثبت فيها الياء ولم
تثبت في غيرها، وكل ذلك صواب، وإنما استجازوا حذف الياء لأن كسرة النون تدل عليها،
وليست تهيب العربُ حذفَ الياء من آخر الكلام إذا كان ما قبلها مكسورًا، من ذلك حذفها
في الفعلين: "أكرمن، وأهانن" الواردين في قول الله تعالى: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ
رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) (الفجر: 15)، وقوله تعالى: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ
رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) (الفجر: 16)، وحذفها من الفعل: "أتمدونن" الوارد في قول
الله تعالى: (قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا
آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) (النمل: 36).
ومن أمثلة حذف
الياء غير المسبوقة بالنون: "المنَادِ" و"الدَّاعِ" وهو كثير
يكتفي من الياء بكسرة ما قبلها، ومن الواو بضمة ما قبلها مثل قوله تعالى: (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) (العلق: 18)، وقوله تعالى: (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ
وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) (الإسراء: 11)، وما أشبهه، وقد تُسقط العرب الواو وهي واو جماعة
اكتفاء بالضمة قبلها فقالوا في ضربوا: قد ضربُ وفي قالوا: قد قالُ، وهي في هوازن
وعليا قيس أنشد بعضهم:
إذا ما شاءُ
ضَرُّوا مَنْ أرادُوا وَلا يَأْلُو لهم أحَدٌ ضرارا
أراد الشاعر: شاؤوا،
فحذف الواو اكتفاءً بالضمة قبلها.
وتفعل ذلك في
ياء التأنيث كقول عنترة:
إنَّ العَدُوَّ
لهم إليكِ وسيلة إنْ يأْخذوكِ تكحلي وتخضبِ
أراد الشاعر:
تخضبي، فحذف الياء اكتفاءً بالكسرة قبلها.
قال الفراء في
كتابه معاني القرآن: يحذفون (ياء التأنيث) وهي دليل على الأنثى اكتفاء بالكسرة
والأصل وتخضبي.
من تعليلات الفراهيدي إلى منهج الداني
ومن قبيل
التعليل لظواهر رسم المصحف بعلل لغوية ما ذكره الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتابه
العين حين علل لكتابة كلمة "الحياة" بالواو حيث ذكر أنها كتبت بالواو
"ليعلم أن الواو بعد الياء"، وفي هذا إشارة من الخليل إلى أصل الألف من
كلمة "الحياة" وهو الواو لذلك كتبت بالواو للدلالة على الأصل.
ويتحدث الخليل
نفسه عن أصل هذه الألف لكن في كلمة الصلاة فيقول "الصلاة: ألفها واو لأن
جماعتها الصلوات، ولأن التثنية صلوان"، وبهذا التعليل علل بعض العلماء
المحدثين.
ويعلل الخليل
كتابة كلمة "الحياة"، بالواو بوجه آخر وهو الدلالة على التفخيم حيث
يقول: "ويقال بل كتبت على لغة من يفخم الألف التي مرجعها إلى الواو نحو
الصلوة والزكوة"، وبالدلالة على التفخيم علل ابن يعيش النحوي كتابة هذه
الكلمات.
ومن هذا أيضًا
ما ذكره جلال الدين السيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" في تعليل
كتابة الصلاة، والزكاة، والحياة، والربا، والغداة ومشكاة، والنجاة، ومناة بالواو؛
إذ علل كتابتها بالواو بالدلالة على التفخيم.
ويواجه هذا
التعليل السابق للسيوطي تساؤلا هو: لِمَ لَمْ يطبق مثل هذا الرسم على كل فتحة
طويلة اكتسبت تفخيمًا عارضًا فرضه حرف مفخم يجاورها كما هي الحال في ألفات: أصابه،
والضالون وطاغوت؟
ويرى بلاشير، وأغناطيوس
يعقوب الثالث أن كتابة الفتحة الطويلة برمز الواو في صلاة، وزكاة وحياة يرجع إلى
أن هذه الكلمات سريانية الأصل ونقلت إلى العربية ودونت كما كانت في السريانية.
وهذا القول
يعترض عليه بأنه إذا كان الأمر كذلك في هذه الكلمات الثلاث؛ فما الشأن في الكلمات:
غداة، مشكاة، نجاة، مناة، ربا وهي لا تمت إلى السريانية بصلة.
ويبدو أن أبا عمرو الداني من خلال كتابه "المحكم في نقط المصاحف" اتخذ طريقة التعليل اللغوي والنحوي لظواهر الرسم المصحفي منهجًا عامًا في تفسير هذه الظواهر يتضح هذا من قوله: "وليس شيء من الرسم ولا من النقط اصطلح عليه السلف رضوان الله عليهم إلا وقد حاولوا به وجهًا من الصحة والصواب، وقصدوا به طريقًا من اللغة والقياس لموقعهم من العلم ومكانهم من الفصاحة، علم ذلك من علمه وجهله من جهله، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً