كيف أعاد الاسلام بناء مفهوم الفخر
متى يصبح الفخر بالأنساب كبرًا؟ أسماء بن خارجة وابن مسعود
عندما يكون المبارزة باللسان والفخار بالانساب يفوز صاحب الدليل الذي ينتسب للإسلام.
يذكر الإمام الذهبي في «السير» أن أبا إسحاق روى عن أبي الأحوص، قال: فاخر أسماء بن خارجة(1)
رجلاً، فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام، فقال ابن مسعود: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق
الذبيح بن إبراهيم الخليل(2).
يمثل هذا الخبر
القصير مشهدًا بالغ الكثافة في فهم النفس الإنسانية وبناء المجتمع؛ فهو لا يقف عند
كلمة قالها رجل يعتز بنسبه، ولا عند جواب مختصر من صحابي جليل، بل يكشف عن انتقال
حضاري كامل من مقاييس الجاهلية في تقدير الإنسان إلى ميزان الإسلام الذي يجعل
القيمة مرتبطة بما يقدمه الإنسان لا بما يرثه فقط.
والخبر كما
أورده الإمام الذهبي في ترجمة أسماء بن خارجة الفزاري رحمه الله يكشف عن تفاعل بين
بيئة قبلية كانت تعرف قيمة النسب ومكانة العشيرة، ومدرسة الصحابة التي أعادت ترتيب
المفاهيم على ضوء الوحي، ومن هنا تأتي أهمية الوقوف عند هذا الحوار؛ لأنه يعالج
قضية لا تزال حاضرة في المجتمعات؛ هل يستمد الإنسان قيمته من ماضي أسرته، أم من
عمله واختياره ومسؤوليته؟
كيف أعاد ابن مسعود ضبط ميزان التفاخر؟
كان قول أسماء
بن خارجة: «أنا ابن الأشياخ الكرام» تعبيرًا عن ثقافة اجتماعية كانت ترى في النسب
رأسمال معنويًا مهمًا، ولم يكن هذا الأمر غريبًا في البيئة العربية؛ فقد كانت
القبائل تحفظ تاريخها وتعتز بآبائها، وكان معرفة الأنساب جزءًا من البناء
الاجتماعي العربي.
لكن المشكلة لا
تكمن في معرفة الأصل أو الاعتزاز المشروع بالأسرة، وإنما في انتقال الإنسان من
الاعتزاز إلى الاستعلاء، ومن حفظ التاريخ إلى استخدام التاريخ ميزانًا للحكم على
الناس.
وهنا يأتي تدخل
عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ليعيد ترتيب الأولويات، فلم ينكر وجود الكرامة في
الأنساب، لكنه قدم نموذجًا أعلى لا يكاد يترك مجالًا للمقارنة، فقال: «ذاك يوسف بن
يعقوب بن إسحاق الذبيح بن إبراهيم الخليل».
فهو لا يواجه
الفخر بفخر مضاد، وإنما ينقل النقاش إلى مستوى آخر؛ إذا كان معيارك شرف الآباء،
فأين يقع ذلك أمام سلسلة النبوة؟ ثم إن هذا الشرف نفسه لم يكن قائمًا بمجرد النسب،
بل بما اقترن به من إيمان وصبر وعبودية لله.
ومن هنا يظهر أن
الإسلام لم يلغِ انتماء الإنسان، لكنه حرر هذا الانتماء من أن يتحول إلى سبب للكبر
أو احتقار الآخرين.
إن المتأمل في
موقف سهيل بن عمرو رضي الله عنه مع أبي سفيان وسادات قريش يعلم أنه صحب النبي صلى
الله عليه وسلم وعوا هذا الدرس؛ أنهم حين قدموا المدينة المنورة واستأذنوا على
أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأبطأ بالإذن لهم وأذن للفقراء
والمساكين كعمار، وبلال، فقال أبو سفيان مستنكراً تقديم المساكين على ذوي الجاه
والأنساب: «عجباً، يُؤذَن للمساكين والكبار وكبار قريش واقفين!»، فرد عليه سهيل بن
عمرو رضي الله عنه مبيناً خطأ المفاخرة بالأصل وتأخر العمل قائلاً: «اغضبوا على
أنفسكم، فإن الله دعا هؤلاء فأسرعوا، ودعاكم فأبطأتم، والله إن الذي سبقوكم إليه
من الخير خير من هذا الذي تنافسون فيه من هذا الباب»(3).
لكم صد سهيل بن
عمرو عن الدين ولكم حارب النبي صلى الله عليه وسلم؛ إنما ما إن خالط هذا الدين
بشاشة قلبه حتى غيرت مفهوم الكبر والعبودية والفخار بالأنساب الذي كان معلوماً
ومشهوراً عند العرب، وربما لا يزال إلى اليوم نرى البعض يفاخر بالأنساب فخار
الجاهلية الأولى.
الكريم ابن الكريم.. حين تجتمع المكارم والنسب
اختيار ابن
مسعود ليوسف عليه السلام لم يكن اختيارًا عشوائيًا؛ فقد جاء في السُّنة الصحيحة
وصف يوسف عليه السلام بأنه «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم»(4).
وهذا الحديث
يرسم صورة فريدة لاجتماع عناصر الشرف؛ شرف النبوة، وشرف الصبر، وشرف التقوى، وشرف
السيرة، فليس المقصود مجرد سلسلة آباء، بل اجتماع المكارم التي تجعل الإنسان
عظيمًا عند الله وعند الناس.
وهذا المعنى
تؤكده القاعدة القرآنية الكبرى: (إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، فالكرامة الحقيقية
ليست في لون أو قبيلة أو مال أو جاه، وإنما فيما يحمله الإنسان من تقوى وعمل صالح،
ولهذا كان جواب ابن مسعود تربية قبل أن يكون ردًا؛ لأنه لم يهدم قيمة النسب، بل
وضعه في حجمه الطبيعي.
إن اختيار الرد
والكلمات فن تعلمه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم، فعندما جلس مع عتبة بن
ربيعة حين جاءه مبعوثاً من قريش يعرض عليه المال والشرف والملك والطب ليتخلى عن
دعوته؛ فلم ينفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يواجهه بتوبيخ مباشر، بل أدار
الموقف الاجتماعي بذكاء وحلم بالغين، واستمع له كاملاً حتى فرغ، ثم قال له بكل
أدب: «أفرغت يا أبا الوليد؟»، قال: نعم، قال: «فاستمع مني»، ثم تلا عليه صدراً من
سورة «فصلت»، فنقل النقاش والموقف من المساومة المادية الضيقة إلى آفاق الوحي
البليغة؛ ما أربك عتبة وأعاده إلى قومه متأثراً بغير الوجه الذي ذهب به.
إن المسلم يعرف
كيف يوجه الحديث وكيف يستخدم الكلمات بفطنة وحكمه دون تنازله عن قيمه ومعتقداته،
فموقف جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في مجلس النجاشي ملك الحبشة، حين حاول عمرو
بن العاص إيغار صدر الملك على المسلمين بتهمة أنهم يبغضون الدين والمملكة، فلم
يدخل جعفر في مهاترة، بل أدار الموقف بذكاء وحكمة، فشرح تحول المجتمع من الجاهلية إلى
الإسلام، ثم تلا آيات من سورة «مريم»، فبكى النجاشي وحصن دماء المسلمين.
إن جعفر بن أبي طالب لم يكذب في اعتقاده، ولم يداهن في دين الله، ومع ذلك حافظ على وجود هذه
النواة الإسلامية التي استبقاها النبي صلى الله عليه وسلم صمام أمان للدولة
الإسلامية، ونواة للدعوة في جوار ملك عادل يحفظ على الدعوة رجالها وموقفها الذي
حرص النبي صلى الله عليه وسلم على بقائهم عند النجاشي من أجله.
وأيضاً لم يغامر
بقولة حق تحمل في طياتها إساءة إلى معتقد الملك العادل الذي يرى في مريم رأياً
يخالف معتقد المسلمين ويرفعها عن كونها أمة الله، وأم نبي من أنبياء الله، وربما
لو صرح بأسلوب آخر أو كلمات أخرى كانت قد تغضب الملك عليهم، وربما يردهم مع مبعوث
قريش؛ فيهدم ما سعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم من حفظ الدعوة وحفظ الدين بعيداً
عن يد الظلم والجور والبطش الذي خشي النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة منها، فالمسلم
يضع الكلمة في موضعها ويجعل كلماته في ميزان دقيق يعود عليه بالفائدة في الدنيا
والآخرة.
كيف صحح ابن مسعود المفاهيم دون توبيخ؟
تكمن عبقرية
جواب ابن مسعود رضي الله عنه في أنه لم يدخل في جدال طويل، ولم يواجه أسماء بن
خارجة بتوبيخ مباشر، وإنما استخدم أسلوبًا تربويًا عميقًا يقوم على إعادة توجيه
الفكرة.
فبدل أن يقول:
لا تفتخر بآبائك، قال له بطريقة عملية: إن أردت أن يكون النسب معيارًا للفخر،
فهناك نموذج أعلى وأعظم، وهذا الأسلوب من أنجح أساليب التربية؛ لأن النفوس غالبًا
لا تستجيب لمن يهدم قناعاتها بالقوة، لكنها قد تستجيب حين تقدم لها معيارًا أرقى
وأوضح.
وفي حياة الناس
اليوم، تتكرر هذه المواقف بصور مختلفة؛ فقد يفتخر الإنسان بعائلته، أو منصبه، أو
شهاداته، أو مكانته الاجتماعية، وليس الخطأ في امتلاك هذه الأشياء، وإنما في جعلها
سببًا للنظر إلى الآخرين من موقع الاستعلاء.
والقائد والمربي
الناجح لا يكتفي بمنع السلوك الخاطئ، بل يقدم النموذج البديل الذي ترتفع به النفوس،
ففي الصحيح أن عُمَر كان يقولُ: أبو بَكرٍ سَيِّدُنا، وأعتَقَ سَيِّدَنا(5)؛
يَعني بلالًا، فبلال بن رباح رضي الله عنه الذي لم يرث نسباً ولا مالاً في قريش،
بل كان عبداً مملوكاً يُمَسّ بالعذاب في رمضاء مكة وتوضع الصخرة على صدره، فصنع
لنفسه بإيمانه وصبره قيمةً خالدة جعلت عمر يقول ذلك.
إن مقولة عمر بن
الخطاب القرشي الذي يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في النسب، ومع أبا بكر في
النسب، ولا يجتمع مع بلال إلا في الدين، يزيح كل فخار بالأنساب ويعرف لبلال رضي
الله عنه وأرضاه سابقة إسلامه وعظم منزلته، وبل ويذكره بالسيادة والمنزلة الحسنة
ويجمعه مع أبي بكر في هذه المنزلة التي يظن السامع معها أن أبا بكر، وبلال، في
منزلة أرفع من عمر، وكلهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وكلهم كالنجوم بأيِّهم
اقتدينا اهتدينا.
تلك المقولة ما
هي إلا دليل عملي وتطبيقي على أن المربي الناجح يمتثل بالمنهجية العملية التطبيقية
والتقريرية، فيذكر بالفضل أصحاب الفضل، ولا يتفاخر بالأنساب مع مقدرته على ذلك.
الانتماء الآمن.. كيف نحفظ الأنساب دون عصبية؟
كان المجتمع
الإسلامي في بداياته يعيش انتقالًا كبيرًا؛ إذ انتقل من مجتمع القبائل المتنافسة إلى
مجتمع الأمة الواحدة، وهذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل كان إعادة بناء
للمعايير التي يحكم بها الناس على بعضهم.
ولهذا جاءت
النصوص النبوية في محاربة فخر الجاهلية بالآباء، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ اللهَ قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليةِ وفخرَها بالآباءِ، مؤمنٌ تقيٌّ،
وفاجرٌ شقيٌّ، أنتم بنو آدمَ وآدم من تراب، لَيَدَعَنَّ رجالٌ فخرَهم بأقوامٍ،
إنما هم فحمٌ من فحْمِ جهنمَ، أو لَيكونُنَّ أهونَ على اللهِ من الجِعْلَانِ التي
تدفعُ بأنفْها النَّتِنَ»(6).
فالمشكلة ليست
في أن يعرف الإنسان أصله، وإنما في أن يجعل أصله سببًا لاحتقار غيره أو تضخيم ذاته،
ومن هنا كان موقف ابن مسعود جزءًا من مشروع حضاري أوسع؛ أن صناعة إنسان مسلم يحمل
هويته القبلية أو الاجتماعية دون أن تتحول إلى جدار يفصله عن بقية الأمة.
لماذا لا يكفي اسم العائلة لصناعة مكانتك؟
يكشف هذا الموقف
عن قاعدة نفسية مهمة؛ أن الإنسان قد يرث اسمًا لكنه لا يرث مكانة، وقد يرث تاريخًا
لكنه لا يرث أثرًا، فالآباء قد يفتحون لأبنائهم أبواب الاحترام، لكن الأبناء هم
الذين يقررون هل يحافظون على هذا الاحترام أم يبددونه، ولهذا قال الله تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا
مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا
يَعْمَلُونَ) (البقرة: 134)، فالمسؤولية فردية، والإنسان لا يحمل فضل غيره
إلا بقدر ما يسير على طريقهم.
وفي واقع
المؤسسات والأسرة والتعليم، تظهر هذه القاعدة بوضوح؛ فابن العالم لا يصبح عالمًا
بمجرد نسبه، وابن القائد لا يصبح قائدًا بمجرد اسمه، وصاحب المكانة الاجتماعية لا
يحافظ على مكانته إلا بما يضيفه من عمل وأخلاق.
صناعة الثقافة تبدأ بضبط كلمات التفاخر العابرة
لم يكن ابن
مسعود رضي الله عنه مجرد ناقل معلومة، بل كان قائدًا فكريًا في مجتمعه، فقد كان
يعلم أن الكلمات الصغيرة قد تصنع ثقافات كبيرة، وأن السماح بالمفاخرة غير المنضبطة
قد يتحول إلى تنافس اجتماعي يضعف وحدة الناس، وبهذا المعنى قال الإمام علي بن أبي
طالب:
لَعَمْرُكَ مَا
الإنْسَانُ إِلا بِدِينِهِ فَلا
تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالاً عَلَى النَّسَبْ
فَقَدْ رَفَعَ
الإِسْلامُ سَلْمَانَ فَرِسٍ وَوَضَعَ
الْمُشْرِك الشَّرِيفَ أَبَا لَهَبْ
ولهذا تدخل ابن
مسعود في اللحظة المناسبة، وبالعبارة المناسبة، فالقيادة الحكيمة لا تعالج
المشكلات بعد تضخمها، بل تضع المعايير التي تمنع نشوء الخلل من الأصل، ومن هنا فإن
المؤسسات الناجحة اليوم تحتاج إلى قادة يعيدون تعريف النجاح أمام أتباعهم؛ فالنجاح
ليس في الامتيازات الموروثة، بل في القيمة التي يضيفها الإنسان.
شرف الانتماء.. حين يصبح النسب اختبارًا للمسؤولية
لا ينبغي أن
يفهم هذا الموقف على أنه انتقاص من أسماء بن خارجة رضي الله عنه، فهو من وجوه قومه
ومن رجال الفضل، وله ذكر في كتب التراجم، وكان من بني فزارة من مضر.ء
لكن الموقف يبرز
حقيقة أوسع؛ أن حتى صاحب المكانة يحتاج إلى مراجعة نفسه؛ لأن أعظم الناس نسبًا قد
لا ينتفع بذلك إذا لم يصاحبه عمل، وأرفع الناس منزلة عند الله هم أهل التقوى
والعمل الصالح.
فالشرف الحقيقي
ليس أن يقول الإنسان: كان آبائي عظماء، وإنما أن يكون امتدادًا حيًا لمعاني العظمة
التي يزعم الانتساب إليها.
إن كلمة ابن مسعود القصيرة بقيت قرونًا لأنها لم تكن مجرد جواب في مجلس، بل كانت تصحيحًا لميزان كامل؛ أن الإنسان لا يُرفع بما خلفه وراءه، وإنما بما يحمله بين يديه من إيمان وعمل وأثر.
الهوامش
- 1 أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري: تابعي من رجال الطبقة الأولى، من أهل الكوفة (بالعراق)، كان سيد قومه، جواداً مقدماً عند الخلفاء.
- 2 سير أعلام النبلاء (3/ 536).
- 3 أوردها الطبراني في المعجم الكبير (6/ 212) (6038).
- 4 من إفراد البخاري على مسلم (3390)
- 5 أخرجه البخاري (3754).
- 6 أخرجه أبو داود (5116) واللفظ له، والترمذي (3956) مختصراً باختلاف يسير، وأحمد (8736) باختلاف يسير.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً