الكريات البيضاء ومناعة التوجيه في جسد الأمة
حين يدقق الحكيم
في أسباب انهيار الأجساد القوية، يكتشف أن الخطر الأكبر لا يكمن دائماً في قوة
المهاجم الخارجي، بل في قدرته على شلّ مراكز التوجيه، ففيروس نقص المناعة لا يدخل
في عراك عشوائي، بل يتقصد «الخلايا القائدة» التي تميز النافع من الضار، وتدير
منظومة الدفاع، وحين يُعزل هذا الموجه، يسقط الجسد بلا حراك رغم امتلاكه لكل أدوات
القوة، وقدرة الخلايا المكلفة بمهاجمة الجرثومة على القضاء عليها لو صدر الأمر إليها.
هذا القانون
الحيوي ينطبق تماماً على حياة الأمم، فالأمة جسد حي، ومناعتها تقاس بسلامة «الخلايا
القائدة» فيها؛ وقدرتها على التعرف على النافع من الضار، ونعني بـ«الخلايا القائدة»
في المجتمع تلك النخبة الواعية التي تمثل خط الدفاع الأول، وأمام هذا التشابه،
يبرز السؤال: ممَ يتكون النسيج الدفاعي في الأمة؟
أولاً:
الثوابت والثقافة.. وتعادل البصمة الوراثية (DNA) للخلية:
تُشكل أصول
الشريعة، ممتزجة بذاكرة التاريخ واللغة، ما يمكن تسميته «البصمة الوراثية الحضارية»،
وكما يحمل الـ«DNA» شفرة من وظائفها تميز «الذات» عن «العدو»،
فإن ثقافة الأمة هي شفرة وجودها، هي ليست مجرد فلكلور أو أزياء، بل المصفاة
الأخلاقية التي تشكلت عبر قرون من توجيه الوحي وتراكم التجارب.
هذا الموروث هو
الذي يمنح العقل المسلم بصيرة التمييز؛ فيفتح ذراعيه لـ«الوافد النافع» كعلوم
العصر وتقنياته لأنها تنسجم مع شفرته في عمارة الأرض، بينما يلفظ «الغازي الضار»
كالقيم التي تفتك بالأسرة، لأنها جسم غريب يهدد سلامة النسيج، وهنا لا بد من
التنبيه إلى خطر الطفرة حين تهاجم الذات نفسها.
وذلك حين تتنكر
الأمة لتاريخها، يحدث ما يشبه الطفرة الجينية في الخلايا، هذه الطفرة لا تحرر
المجتمع، بل تصيبه بالعمى؛ فيفقد القدرة على معرفة ذاته، ويعجز عن التمييز بين
الصديق والعدو، بل قد ينتهي به الأمر إلى مهاجمة نفسه وتدمير حصونه بيده.
ين الهوية والهاوية
هذا التيه
المناعي هو ما شخّصه الشاعر هاشم الرفاعي ببراعة في قصيدته «أيها السائر»، واصفاً
مأساة من فقد بوصلة التوجيه وأضاع شفرته التعريفية:
أيها السائرُ
بين الغيهبِ عاثرَ الخطوِّ جليّ التعبِ
ضارباً في لجةٍ
حائرةٍ من مصير العالم المضطربِ
أنتَ لا تعرفُ
من أنتَ ولم تقرأ التاريخَ يا ابنَ العربِ
لقد أدرك الشاعر
ببصيرته أن نسيان الذات ليس مجرد جهل، بل هو تشوه في الشفرة الحضارية يقود حتماً
للسقوط، وهي معادلة لغوية ووجودية مذهلة في دقتها؛ فمن يفرّط في الهُوية (بضم
الهاء)، يجد نفسه حتماً في قعر الهَاوية (بفتح الهاء)، فالتخلي عن البصمة الوراثية
لا يمنحك الحرية، بل يحكم عليك بالتلاشي في الفراغ.
ثانياً: التدافع.. نبض الحياة وشرط البقاء:
إن امتلاك
المناعة ليس ترفاً فكرياً، ولا خياراً قابلاً للتأجيل؛ بل هو شرط الوجود ذاته، وكما
أن توقف القلب عن النبض يعني موت الجسد، فإن توقف المجتمع عن المقاومة يعني نهايته
حضارياً.
المناعة، بهذا
المعنى، ليست انغلاقاً أو انعزالاً في غرفة معقمة، بل هي اشتباك دائم ويقظة لا
تفتر، وهذا هو المعنى العميق لمفهوم التدافع القرآني: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (البقرة: 251)، فالحياة قائمة على الحركة
والمدافعة، وإذا توقفت هذه الحركة تأسن روح المجتمع وتتعفن كما يتعفن الماء
الراكد، فيغدو بيئة مثالية لنمو جراثيم الفساد.
من النظرية إلى التطبيق.. السيادة التشريعية ومصافي الفحص
من أبرز
التطبيقات العملية للمناعة الحضارية ممارسة السيادة التشريعية في التعامل مع
القوانين والاتفاقيات الدولية، ونعني بها الشجاعة الواعية في فحص هذه المواثيق قبل
السماح لها بالدخول إلى نسيجنا القانوني، فالجسد الحي لا يترك أبوابه مشرعةً لكل
وافد، بل يمتلك غشاءً انتقائياً يفرز الغذاء عن السم، وذلك عبر آليات دقيقة:
1- الوعي
بالأثر: التوقيع ليس بروتوكولاً عابراً، بل عقد ملزم يفرض إعادة هندسة القوانين
الوطنية، التوقيع الأعمى هنا يشبه حقن مادة مجهولة في الوريد، قد تغير التركيبة
الخلوية للمجتمع وتدمر نسيجه الأسري.
2- لجان الفحص
(حراس البوابة): هي نقاط تفتيش مناعية وليست ترفاً إدارياً؛ وظيفتها استشعار
الألغام الكامنة خلف المصطلحات البراقة.
3- آلية الفرز:
نطبق سُنة التدافع؛ فنمرر المغذيات (ما يعزز العدالة)، ونلفظ السموم عبر حق التحفظ
السيادي على ما يصادم الشريعة، وقاية للمجتمع من الانفصام بين قوانين الدولة وقيم
الناس.
ثالثاً: النفاذية الاختيارية.. خطر الدواء المستورد:
إن المناعة
الذكية ليست انغلاقًا يقود إلى موت تدريجي، كما أنها ليست ذوبانًا يؤدي إلى فناء
حضاري.
بل هي أشبه بغشاء
ذكي يمتلك القدرة على التمييز الدقيق بين:
- العلم الكوني
المشترك: وهو المعرفة والحكمة التي تُطلب أينما وُجدت، حتى لو كانت في أقصى بقاع
الأرض.
- والحلول
الاجتماعية الخاصة: وهي النظم الثقافية التي تخص مجتمعًا معينًا ويجب تكييفها
محليًا.
وهنا تكمن
عبقرية المفكر مالك بن نبي في تحذيره من الأفكار المُميتة، فكثير من الأفكار
المستوردة نشأت كعلاج لمرض غربي خاص (كصراع الكنيسة)، لكن استيراد هذا الدواء
لبيئة إسلامية لا تعاني المرض ذاته، يحول الدواء إلى سم زعاف، فما كان ترياقاً
لغيرنا، قد يكون هلاكاً لنا.
رابعاً: التشريح الاجتماعي.. حماة الأمة نسيج متكامل:
لا يقوم جهاز
المناعة على صنف واحد، بل هو نسيج حي؛ فهناك المفكرون ويمثلون (الخلايا القائدة (CD4)): هم عقل
المناعة والرادار الذي يكشف العدو، ولا تكتمل فاعليتهم إلا بوعي مقاصدي، واعتزاز
يرفض الدونية، وفقهٍ يربط النص بالواقع.
ومعهم السياسيون
(الخلايا المشرعة والمنفذة): وظيفتهم تحويل الفكر إلى سيادة وقوانين تحمي الحدود؛
فبدونهم تظل الأفكار نظريات، وتقع الأمة في فخ التبعية، ويليهم عموم الأمة
(المناعة الفطرية): تتجلى في شعيرة الأمر بالمعروف، حيث يدعم الفردُ العالِمَ
ويبصّر السياسي بالنصح المنضبط، دون فوضى.
خامساً: دورة الانهيار.. حين تبكي المنابر روادها:
حين يغيب التوجيه
الرباني وتتعطل هذه الخلايا القائدة، يدخل الجسد في دورة الانهيار التي شرّحها
مالك بن نبي، فتبدأ الأمة بالتمسك بأفكار ميتة؛ وهي مؤسسات كانت تقود العالم،
فاستحالت طقوساً جوفاء، هذا الموت السريري هو ما أبكى أحمد شوقي أمام أطلال بني
أمية، مدركاً أن الكارثة ليست في دمار الحجر، بل في غياب الرجال:
مَرَرتُ
بِالمَسجِدِ المَحزونِ أَسأَلَهُ هَل
في المُصَلّى أَوِ المِحرابِ مَروانُ
تَغَيَّرَ
المَسجِدُ المَحزونُ وَاِختَلَفَت عَلى
المَنابِرِ أَحرارٌ وَعِبدانُ
فَلا الأَذانُ
أَذانٌ في مَنارَتِهِ إِذا تَعالى وَلا الآذانُ آذانُ
لقد أدرك الشاعر
أن المنبر حين يعتليه العبيد (فاقدو الإرادة) يفقد الأذان روحه، فلا يجاوز الآذان.
حين تستقيل المناعة
إن مأساة المسجد
المحزون وسقوط المجتمع في عالم الأشياء، لم يحدثا صدفة، لقد وقع الانهيار لحظة
تخلت الخلايا القائدة عن مناعة التوجيه، وتركت الجسد مكشوفاً لتستبيحه الأفكار
المُميتة، إن الشفاء لا يكون باستيراد المزيد من الأشياء، بل بقرار داخلي؛ أن
تستعيد الخلايا القائدة وعيها، وأن يعود الأحرار إلى صدارة المنابر، ليعيدوا ضبط
البوصلة وفق شفرتنا الأصيلة، فالمناعة ليست جدرانًا، بل إرادة ترفض أن تموت.
اقرأ
أيضاً:
«الإيدز الحضاري».. انهيار حارس البوابة