دور الزكاة في النهوض بالمستوى الاقتصادي
تقوم فريضة
الزكاة بدور فعال في الارتفاع بمستوى النشاط الاقتصادي لتحقيق التنمية وتلبية
حاجات الأفراد، وذلك من خلال الأمور التالية: محاربة الاكتناز، والحث على
الاستثمار، والحث على الإنفاق.
أـ- محاربة الزكاة للاكتناز:
الاكتناز: حبس
الأموال المعدة للتداول من ذهب وفضة وغيرها، والمراد بحبسها: هو منع حق الزكاة
منها وحبسه عن السائل والمحروم، جاء في «نيل الأوطار»: قال القاضي عياض: اختلف
السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن وفي الحديث، فقال أكثرهم هو كل مال وجبت
فيه صدقة الزكاة فلم تؤد، فأما مال أخرجت زكاته فليس بكنز(1).
وخطورة
الاكتناز: أن فيه تخلف أحد عناصر التنمية والإنتاج عن المساهمة في النشاط
الاقتصادي الجاري، وبقاؤه في صورة عاطلة، ومن هنا حرم الإسلام الاكتناز، وتوعد
المكنزين بالعذاب الأليم في الدار الآخرة، وجعلهم في مرتبة المجرمين الذين يصدون
عن سبيل الله، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ
كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ
بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ {34} يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا
جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ
فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة).
ولم يكتف
الإسلام بهذا التحريم، وإنما اتخذ سبيلاً إيجابياً، يضمن مشاركة المال على اختلاف
صوره في النشاط الاقتصادي، هذه الأداة الإيجابية هي الزكاة، التي تخرج إلزاماً
شطراً من المال سنوياً، من ثروة من تجب عليهم بشروطها من أفراد الأمة، وتهدد
الزكاة رأس المال المكتنز بالفناء في مدة لا تتجاوز أربعين سنة، وذلك إن لم يشارك
في النشاط الاقتصادي الجاري، وينمو حلالاً نتيجة هذه المشاركة وفقاً لما حدده
الشارع من مصارف(2).
وبذلك تقوم
الزكاة بمحاربة الاكتناز وحبس الأموال وتجميدها، وذلك أن إيجاب الزكاة في الأموال
النامية مدعاة لتوجيهها للاستثمار والتنمية، ذلك أن إخراج الزكاة من المال دون
العمل على تنميته فعلاً، يصبح عقاباً على الاكتناز، حيث يؤخذ مقدار الزكاة من رأس
المال، فيؤدي إلى القضاء عليه في فترة محددة، تقل عن أربعين سنة(3).
يؤكد ذلك حديث النبي
صلى الله عليه وسلم: «اتَّجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة»(4)،
وعن الشعبي أن عمر بن الخطاب ولي مال يتيم فقال: إن تركنا هذا أتت عليه الزكاة، يعني:
إن لم يعطَه في التجارة، كما روي عن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة تبضّع أموالنا
ونحن يتامى وتزكيها(5).
ولا ريب أن
إخراج المال من كنزه يعود على المجتمع بالكفاية والرخاء والوفرة.
ب- الحث على الاستثمـار:
إذا كانت محاربة
الاكتناز الوجه السلبي لأثر الزكاة المباشر على مستوى النشاط الاقتصادي، فإن الأثر
الإيجابي للزكاة هو الحث على الاستثمار، وتوسيع الإنتاج.
والاستثمار
معناه في الاقتصاد الإسلامي تنمية المال في أي قطاع من القطاعات الإنتاجية سواء
كان ذلك في التجارة أم الزراعة أم الصناعة أم غيرها من الأنشطة الاقتصادية بشرط
مراعاة الأحكام الشرعية في استثماره(6).
وللزكاة دور
عظيم في الحث على استثمار الأموال وعدم تعطيلها، ومن البراهين على ذلك ما يلي:
1- تشجع فريضة الزكاة المدخرين على تشغيل مدخراتهم، واستثمارها:
وذلك لأن إخراج
الزكاة من المال المدخر عاماً بعد عام يهدد بفنائه، ما لم يتدارك أصحاب المال ذلك
الخطر باستثمار ذلك المال والزج به في سوق العمل والإنتاج والحرص على إخراج هذه
الفريضة من عائد الاستثمار والأرباح، والمحافظة على أصول رؤوس الأموال مع تنميتها
وهذا ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «اتجروا في أموال اليتامى لا
تأكلها الزكاة».
والوصية
بالاتجار في هذا الحديث ليس تحديداً لقصر النشاط الاقتصادي على المجال التجاري
وحده، وإنما الاتجار هنا هو مصطلح يكنى به عن تشغيل رأس المال في النشاط الإنتاجي
سواء أكان إنتاجاً مادياً، أم إنتاجاً خدمياً(7).
ولماذا اليتيم
خاصة؟! إنما جاء الحث على تنمية أموال اليتامى خاصة؛ لأن المظنون في الإنسان ألا
يهمل مال نفسه فيدع تنميته وتثميره، بمقتضى الدافع الذاتي والرغبة في المال، أما
اليتامى فمالهم في أيدي أوصياء قد يهملون تثميره عمداً أو كسلاً فجاء هذا الأمر
النبوي الكريم يوجب ابتغاء التنمية في هذه الأموال، حفاظاً عليها من التناقص
والفناء، وإذا كانت نسبة النقود هي (2.5%) فالواجب أن تكون تنميتها بطريقة تدر
ربحاً أكثر من هذه النسبة، وهذا من شأنه أن يدفع العقول الاقتصادية المفكرة لتفتش
عن آفاق جديدة للتنمية والتثمير، وتبحث عن أفضل الوسائل للكسب المشروع الذي يتسع
لإخراج الزكاة، وسد أبواب النفقات الشخصية، والتكاليف العائلية، والإسهام في أعباء
المجتمع الأخرى(8).
2- عدم أحقية القادرين على العمل للزكاة:
وذلك دفعاً
لاشتراكهم في العملية الإنتاجية ففي الحديث: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي»(9).
3- إعطاء الفقراء والمساكين من الزكاة بغرض إغنائهم:
فليس الغرض من
إعطائهم سد حاجاتهم الاستهلاكية فحسب، وإنما إخراجهم من الفقر والمسكنة إلى
الكفاية التامة، بل إلى الغنى والقدرة على إخراج الزكاة، ولا يتأتى ذلك إلا بتوفير
رأس المال الإنتاجي الذي يحتاجون إليه، ولا يستطيعون توفيره بجهودهم الذاتية، وهذا
ما تفعله الزكاة، إذ توفر لهم ما يحتاجون إليه من وسائل إنتاجية تتناسب وإمكاناتهم
وحرفتهم فتنقلهم الزكاة من دائرة الفقر إلى دائرة الكفاية والغنى، ومن دائرة الأخذ
إلى دائرة العطاء ونفع المجتمع بأسره.
وفي ذلك يقول
الإمام النووي: فإذا كانت عادته الاحتراف أُعطي ما يشتري به حرفته أو آلات حرفته،
قلت قيمة ذلك أو كثرت، ويكون قدره بحيث يحصل له من ربحه ما يفي بكفايته غالباً
تقريباً، ويختلف ذلك باختلاف الحرف والبلاد والأزمان والأشخاص(10).
جـ- الحث على الإنفاق الاستهلاكي:
إن الاستثمار
وحده لا يضمن تحقيق التنمية المنشودة إذا لم يوجد السوق المناسبة لاستهلاك منتجات
هذا الاستثمار، وهو الدور التي يضطلع به الإنفاق الاستهلاكي والذي يعتبر دوراً
تكميلياً لدور الاستثمار(11).
فهناك علاقة
تبادلية بين كل من الاستثمار والإنفاق، ذلك أن انخفاض مستوى الاستهلاك، وما يعنيه
ذلك من محدودية السوق يكون له أثره على أصحاب رؤوس الأموال، وعدم إقبالهم على
القيام بالاستثمارات.
وللزكاة دور
فعال ومؤثر في مجال زيادة الإنفاق الاستهلاكي للسلع والخدمات، فالزكاة تمد عديمي
الدخل أو محدودي الدخل من الفقراء والمساكين بدخول في صورة أموال سائلة يستخدمونها
للإنفاق على الاستهلاك العائلي بشراء ما يحتاجون إليه من السلع والخدمات، أو في صورة
عينية بتقديم تلك السلع والخدمات إليهم مباشرة(12).
وهكذا يسهم فرض
الزكاة في زيادة الاستهلاك، وهو الأمر الذي يؤدي إلى الارتفاع بمستوى النشاط
الاقتصادي ودفع حركة التنمية إلى الأمام.
اقرأ
أيضاً:
الهوامش
- 1 نيل الأوطار: الإمام الشوكاني (4 / 114)، ط مصطفى البابي الحلبي 1347هـ.
- 2 الزكاة: د. نعمت مشهور، صـ 264.
- 3 المال في الإسلام: محمود محمد بابللي، صـ 57، ط الكتاب اللبناني بيروت 1402هـ.
- 4 الطبراني في الأوسط عن أنس، والسيوطي في الجامع الصغير (1/ 20)، (96).
- 5 الأموال: أبو عبيد، صـ 548، 549.
- 6 انظر: مشكلة الاستثمار في البنوك الإسلامية وكيف عالجها الإسلام: د. محمد صلاح الصاوي، صـ 600 سنة 1405هـ/ 1985م.
- 7 منهج الادخار والاستثمار في الاقتصاد الإسلامي: د. رفعت العوضي، صـ 166، ط الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، القاهرة، ط الأولى، 1972م.
- 8 دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية، د. القرضاوي، صـ 55 - 56.
- 9 سنن الترمذي: ك (الزكاة عن رسول الله ) ب (ما جاء فيمن لا تحل له الصدقة) رقم (652).
- 10 المجموع: للنووي، جـ 6، صـ 193.
- 11 الزكاة: د. نعمت مشهور، صـ 301،
- 12 التطبيق المعاصر للزكاة: شوقي إسماعيل شحاتة، صـ 61، ط دار الشروق جدة، 1977م.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً