5 وقفات تكشف معاني الافتقار إلى الله
خرج من بلاده
خائفاً يترقب، يلتفت حوله خوفاً من أن يدركه القوم فلا يستطيع الخروج أبداً، يسافر
ليس إلى وجهة بعينها، وإنما إلى حيث ينتهي به الطريق وحيداً، بغير دليل، بغير مال
أو زاد، فقط يخرج تاركاً الظلم إلى أي مكان آخر أكثر أمناً، وفي مدين وجد موسى (أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ
وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ
قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)
(القصص 23).
(فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ
فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص: 24)، تولى موسى عليه السلام بعدما قدم الخير وكأنه لم يفعل
معروفاً لأحد، ثم يناجي ربه.
من معاني الافتقار إلى الله
1- حين تضيق الأسباب لا يضيق باب الله:
خرج موسى عليه
السلام من مصر خائفاً: (فَخَرَجَ
مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
(القصص: 21)، وفي طريقه إلى مدين: (عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (القصص: 22)،
كانت رحلة نحو المجهول، وإن فقد معرفة إلى أين، فإنه لم يفقد صلته بربه، والشعور
بالافتقار إلى الله، ليس عجزاً، ولا دعوة للاستسلام، إنما هو إدراك أن الإنسان لا
يملك وحده أن يضمن لنفسه كل ما يحتاج إليه.
إن الإنسان لا
يملك أن يمنع الضيق عن نفسه، لكنه يملك أن يعود إلى الله كلما ضاقت به السبل،
فيطلب منه الهداية والفرج، وهو على يقين أن علمه سبحانه أوسع من علمه، وأن تدبيره
لا تحيط به التوقعات.
2- لا تحصر الخير فيما تطلبه:
لم يصرح موسى
عليه السلام بحاجته للطعام، أو حاجته للعمل أو المال، فقال: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ
إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)، يقول سيد قطب في «الظلال»: «إنه يأوي إلى
الظل المادي البليل بجسمه، ويأوي إلى الظل العريض الممدود، ظل الله الكريم المنان،
بروحه وقلبه.. رب إني في الهاجرة، رب إني فقير، رب إني وحيد، رب إني ضعيف، رب إني
إلى فضلك ومنك وكرمك فقير محووج».
والإنسان قد يلح
في طلب يظنه خيراً، بينما لا يعرف عواقبه، ولهذا كان من أدب الدعاء أن نسأل الله
حاجاتنا، وأن نترك له تدبير ما نجهل عاقبته، من غير أن نتوقف عن السعي إلى ما نريد.
3- أحسن إلى الناس حتى لو كانت حاجتك أكبر:
من السياق نفهم
أن دعاء موسى عليه السلام جاء بعد أن أنهى موقف الإحسان، ثم تولى إلى الظل ينظر
أمر نفسه ويدعو ربه، يقول تعالى: (فَسَقَىٰ
لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ) (القصص: 24)، يذكر القرطبي أنه
عليه السلام كان قد اجتمع عليه الجوع ومشقة الطريق وقت الظهيرة فيقول: «قاله ابن
مسعود وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله: إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير وكان لم يذق
طعاماً سبعة أيام، وقد لصق بطنه بظهره، فعرض بالدعاء ولم يصرح بسؤال».
ومع ذلك تحرك
نحو مساعدة الفتاتين ولم يتعلل بما هو فيه من حاجة تفوق في مشقتها حاجتهما لراع
يسقي لهما، ومع ذلك فعمل الخير لا يحتاج لكثير مال، ولا وفرة موارد، وقد يحتاج فقط
لبضع دقائق من وقت صاحبه يبذلها في سبيل مساعدة ضعيف، أو إغاثة ملهوف.
وفي الأصل أن
موسى لم يكن إحسانه إليهما مشروطاً بانتظار منفعة، لكن أحداث القصة تعلمنا أن فعل
الخير له مكانه في حياة الإنسان، وأنه لا ينبغي أن يتوقف عن الإحسان لمجرد أنه
محتاج.
4- الدعاء لا يعفيك من الأخذ بالأسباب:
بعد أن سقى موسى
للمرأتين، جاءت إحداهن تدعوه إلى أبيها ليجزيه أجر ما سقى لهما، وبعد ذلك عرض عليه
الشيخ أن يستأجره، كما ورد في الآيات التالية من سورة «القصص»، وهنا يظهر تتابع
الأحداث: تقديم مساعدة إنسانية، ثم دعاء، ثم لقاء يفتح باباً لفرصة عمل، ولا يعني
هذا أن كل دعاء يعقبه رزق بالطريقة نفسها، أو أن كل مساعدة يقدمها الإنسان ستعود
عليه بمنفعة مادية، لكنه يذكرنا بأن التوكل لا يناقض الحركة، ولذلك يقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «احرِص على ما ينفعُكَ واستعِن باللَّهِ ولا تعجزْ» (رواه مسلم).
5- لا تشترط على الله صورة الفرج:
لم يكن موسى عليه السلام، حين دعا ربه عند الظل، يعلم تفاصيل ما سيحدث بعد ذلك، ولم يرد في
القرآن أنه طلب زواجاً أو عملاً أو مأوى، لكن الأحداث مضت إلى لقاء الشيخ، ثم عرض
العمل والزواج، وهذا من أهم المعاني التي ينبغي الانتباه إليها، فالإنسان يعرف
حاجته، لكنه لا يعرف الطريق الذي سيأتي منه الفرج، وقد يطرق أحدنا باباً وهو يحسبه
باباً للفرج، فيظل مغلقاً، لكن الله يفتح له باباً آخر، كزواج أراده وسعى إليه ولم
يتيسر دون أن تتضح له حكمة الله، أو سفر فيه فرصة عمل جيدة لا تكتمل، فتتهيأ له في
بلاده فرصة يراها أنسب له.
وهكذا نلتقي في
الحياة بمثل تلك المواقف التي قد تتضح فيها حكمة الله، ومنها ما يظل خافياً عن
إدراكنا، وما علينا في كل حال إلا أن ندعو، ونحن موقنون بإجابة الله لنا، غير أننا
لا نعرف ماهية تلك الإجابة، وفي أي صورة؛ (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (البقرة: 186).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً