لماذا لا يكون الحب مُبصِراً؟
من أكثر
التصورات شيوعًا في الحديث عن الحب والهوى، الاعتقاد بأن الحب مبررٌ لذاته،
تصديقًا للعبارة الدارجة «الحب أعمى»، وقد نُسجت قصص كثيرة حول عمى الحب، منها قصة
قرأتها ومفادها أنه قبل أن يعرف الإنسان طريقه إلى الأرض، كانت المشاعر تهيم في
العالم وقد أثقلها الملل، فاقترح الإبداع لعبة الغميضة، وتحلّق الجميع حول الفكرة
بحماس.
تولّى الجنون
العدّ، واتكأ على جذع شجرة، وانطلقت المشاعر تبحث عن مخابئها:
- توارَت الرقة
في ضوء القمر.
- وادّعى الكذب
أنه خلف صخرة بينما غاص في قاع البحيرة.
- وتعثّرت
الصراحة في طريقها.
- وابتسمت
السعادة في وضح النهار.
- واختبأ الأمل
خلف الغيوم.
- وتأنّق الحنين
في حضوره العابق.
وحده الحب ظلّ
متردّدًا؛ فمن الصعب إخفاؤه! وقبيل النهاية، احتمى بشجرة ورد صغيرة.
انتهى العد،
وبدأ الجنون رحلته في الكشف، فعثر على الجميع تباعًا، إلا الحب، حتى كاد أن ييأس
من العثور عليه، فهمس له الحسد بمكانه، اندفع الجنون بعصا يطعن بها شجرة الورد،
حتى شقّ الصمتَ صوتُ بكاءٍ دامٍ، خرج الحب، وقد فقد بصره!
ارتجف الجنون
ندمًا، وسأله كيف يُصلح ما اقترف. فقال الحب بهدوءٍ موجع: «قد أعمَيتني.. فكن
دليلي».
ومنذ ذلك الحين،
صار الحب أعمى، يقوده الجنون.
وفق هذا التصور،
لا يحتاج الحب إلى سبب، ولا يخضع لمعيار، بل هو شعور يقع في القلب فجأة، وعلى
صاحبه أن ينساق خلفه حيث قاده، فيتبعه تبعية عمياء، ويسخّر جهده كله لبلوغ
المحبوب، دون أن يتوقف ليسأل: من هذا الذي أحبه؟ ولماذا أحبه؟ وهل هو أهل لهذه
المحبة أم لا؟
غير أن التأمل
يكشف أن حركة القلب ليست عشوائية تمامًا؛ فميول الإنسان وانجذاباته في أصلها
انعكاس لجوهره الداخلي، لما يحمله من قناعات، أو لما يعتمل في نفسه من نقص
واحتياج، أو لكليهما معًا، فالمرء يميل غالبًا إلى من يجد فيه صورةً مما يؤمن به،
أو إشباعًا لما يفتقده، وفي هذا المعنى يقول مصطفى صادق الرافعي في كتابه «وحي
القلم»: «وكل إنسان لا يتعلق من الحياة إلا بالشعاع الذي يضيء المكان المظلم في
قلبه»، فالقلب إذن لا يهوى اعتباطًا، بل وفق ما يسكنه من رغبات وتصورات.
ومن هنا، يتشكل
الحب بين بُعدين؛ بُعد نفسي داخلي يعكس طبيعة الإنسان ونضجه واحتياجاته، وبُعد
روحي يرتبط بعلاقته بخالقه، فكلما كان القلب أقرب إلى الله، كان أهدى في
انجذاباته، وأبعد عن التعلقات المضلة؛ إذ إن بعض صور الحب تكون نفحات رحمانية،
وأخرى تكون علائق يستجلبها الإنسان على نفسه بما في داخله من خلل أو فراغ.
والإنسان، وإن
لم يكن آلةً عقليةً بحتة، فإنه أيضًا ليس كتلةً عمياء من المشاعر؛ بل هو كيان
متكامل يجمع بين العقل والوجدان، لذلك، يمكنه أن يتأمل مشاعره، ويفكك دوافعها،
ويميز بين ما هو صادق منها وما هو متوهم، وهذا التأمل هو أول طريق التعافي من
التعلقات المرهقة والإدمانات العاطفية.
حب الهوى وحب الأهلية
عبّر أبو حامد
الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين» عن نوعين من الحب، في بيت من الشعر منسوب إلى
رابعة العدوية:
أحبك حبّين: حب
الهوى وحبٌّ
لأنك أهل لذاكا
فحبّ الهوى هو
حبّ مرتبط باحتياجات النفس ورغباتها؛ يميل فيه الإنسان إلى من يكمّله أو يسدّ نقصه،
وهو موطن التوهم، حيث قد يُسقط المحب رغباته على صورة المحبوب، فيراه كما يتمنى لا
كما هو، وكلما ازداد وعي الإنسان بذاته ومشاعره، استطاع أن يميّز بين الحقيقة
والوهم، وتضاءلت فرص وقوعه أسيرًا لتعلقات زائفة، أو إثقال من يُحِب فوق ما
يستطيع.
أما الحب الآخر،
«لأنك أهل لذاكا»، فهو حبّ الأهلية أو الاستحقاق؛ حبّ قائم على صفات حقيقية في
المحبوب تجعله جديرًا بالمحبة، وهذا هو الحب المُبصر، الذي لا يكتفي بالاندفاع
العاطفي، بل يستند إلى تقدير واعٍ، واطمئنان داخلي بصحة الاختيار، وهو حبّ يثمر
سلوكًا راشدًا، قائمًا على الإحسان والوفاء، واتقاء الله في العلاقة.
والفرق بين
الحبين واضح في نتائجهما: فالحب المُبصر يوازن، ويرى المحاسن والعيوب، فيستقر
ويُريح، أما الحب الأعمى، فيبالغ في التقديس عند الرضا، ثم يبالغ في الهدم عند
السخط، فلا يعرف الاعتدال.
الحب شعور لا تشريع
ميل القلب
معتبر، لكنه ليس الحكم النهائي، فليس كل ما نحبّه خيرًا لنا، ولا كل ما ننفر منه
شرًا، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا
وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216)، فالعبرة
ليست بمجرد الشعور، بل بميزان أوسع يضبطه ويهذبه.
ومن هنا يكون من
المهم إدراك أن الحب في ذاته شعور فطري، كالشهوة، لا يُحكم عليه بالحِلّ أو الحرمة
من حيث هو إحساس، وإنما يتعلق الحكم بموضعه، وبما يترتب عليه من سلوك، ففي التصور
الشرعي، لا تترتب على مجرد الحب بين رجل وامرأة أي حقوق أو امتيازات حتى يتم عقد
الزواج الشرعي، أما المشاعر وحدها فلا تُنشئ علاقة معتبرة، ناهيك عن أن تكون معذرة
تستبيح محرّمًا.
وقد وجّه الشرع
إلى الزواج بوصفه الإطار المشروع للحب، كما في الأثر: «لم يُرَ للمُتَحابِّينَ
مِثلُ النِّكاحِ»(1)، فالحب مما يعين على نجاح الزواج، إلا أن غيابه لا
يسقط المسؤوليات، كما أن وجوده لا يبرر تجاوز الحدود، فلا يصح أن يتذرع الإنسان
بحبه ليقع في المحظور، كالعلاقات السرية أو التقصير في الواجبات، إذ إن الإنسان قد
يُعذر في مشاعره، لكنه لا يُعذر في أفعاله إذا خالفت الشرع، فالشريعة لا تحاسب على
تقلب القلوب، بل تضبط سلوك الجوارح، وتطالب الإنسان بالعدل والصدق، مهما كانت
مشاعره.
الحب في حقيقته نعمة عظيمة، وكثرًا ما يكون رحمة يهديها الله لعباده، لكنه كغيره من النعم يحتاج إلى وعي يحسن توجيهه، وميزان يضبط حركته في النفس والسلوك؛ فليس كل حبّ يزهر، ولا كل حماسة مبرورة عواقبها، والحب الحق –آخر المطاف- هو الذي يجمع بين صفاء الشعور ونور البصيرة، فيأخذ بيد صاحبه إلى هدى ونور، لا إلى تيه وظلمات.
اترك تعليقاً
التعليقات (3)
عبد الله
منذ 4 أشهركتابة رائعة تثفق أفكارنا , بارك الله فيكم نرجوا منكم الاستمرار في مجال الكتابة والتأليف وندعو كتاباتكم إلى مدونة عين الحق
Ahmed Salah
منذ 4 أشهرالله المستعان.
رؤى
منذ 4 أشهرمقال جميل🩷