شبهات حول الاقتصاد الإسلامي (4)

عائد التمويل في البنوك الإسلامية أكبر منه في البنوك التقليدية

د. أشرف دوابه

12 أغسطس 2025

1391

عائد التمويل في البنوك الإسلامية أكبر منه في البنوك التقليدية

من الشبهات التي تثار حول الاقتصاد والتمويل الإسلامي أن عائد التمويل في البنوك الإسلامية أكبر منه في البنوك التقليدية.

وهذه الشبهة في حقيقتها لا يمكن الجزم بها، فمن خلال الدراسات العلمية التطبيقية، تبين أن العائد على التمويل في المرابحة بالبنوك الإسلامية قد يزيد أو يقل عنه في البنوك التقليدية.

وعلى سبيل المثال، في فترة من الفترات بدولة الكويت وأثناء تدريبي للعاملين بأحد البنوك الإسلامية بها، أثيرت تلك الشبهة، فكلفت أحد المتدربين بتقديم بيان عن عائد التمويل للبنوك العاملة في الكويت، فتبين أن بنكين إسلاميين من ضمن 5 بنوك إسلامية هما فقط من فاق عائدهما العائد التمويلي في البنوك التقليدية، أما الثلاثة الباقية فإن عائدها التمويلي كان أقل من البنوك التقليدية.

كما أنه من العدل النظر إلى حساب طريقة العائد وفق السداد التدريجي للتمويل، فلو تتبعنا ذلك بصورة محاسبية؛ وجدنا أن عدداً لا بأس به من البنوك الإسلامية يقل عائدها عن البنوك التقليدية.

وحتى البنوك الإسلامية التي يزيد عائدها عن البنوك التقليدية هي معذورة في ظل نسبة الاحتياطي القانوني ونسبة السيولة التي يضعها البنك المركزي على رقابها، حيث إن استخدام نسبة من ودائعها كاحتياطي قانوني لا يتفق مع طبيعة ودائعها الاستثمارية القائمة على المضاربة غنماً وغرماً وليس الضمان التام لها كما في البنوك التقليدية.

العائد على التمويل في المرابحة بالبنوك الإسلامية قد يزيد أو يقل عنه في البنوك التقليدية

كما أن مكونات نسبة السيولة تكون غالباً من نقدية وأذون وسندات خزانة ربوية، وهو مسلك لا يناسب منه البنوك الإسلامية سوى الاحتفاظ بسيولة نقدية في ظل ندرة أدوات السيولة الإسلامية في سوق النقد؛ ما يقلل من القوة الاستثمارية للودائع، ومن ثم التأثير سلباً على عائد تلك الودائع، ولجوء البنوك الإسلامية لتعويض ذلك من خلال زيادة عائد التمويل.

كما أن الإنصاف يقتضي النظر لطبيعة عمل البنوك الإسلامية وأهدافها، فالكثير من الناس يظن أن هذه البنوك ما دامت بنوكاً إسلامية، فإن عملها يدخل تحت العمل الخيري، وهذا كلام مناقض لطبيعة تلك البنوك وطبيعة المال والاقتصاد ذاته.

فإذا كانت هذه البنوك من أهدافها المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإنها في الأصل بنوك ربحية، وهي إن كانت تقدم العمل الخيري من خلال صندوق الزكاة والصدقات، فإن هذا العمل الخيري ليس من أساس نشاطها، فهي ليست جمعية خيرية، ولكن مع ذلك العمل الخيري يأتي تابعاً لعملها الربحي الذي هو الأساس في وجودها واستمراريتها، بل والمساهمة في استمرار العمل الخيري ذاته.

الربحية الإسلامية

إن تحقيق الربحية الإسلامية للمساهمين والمودعين بالبنوك الإسلامية يمثل أحد الأهداف الأساسية بهذه البنوك، ونقصد بالربحية الإسلامية الربحية الملائمة أو الربحية العادلة دون جشع أو طمع أو التهرب من تحمل الأخطار وإلقاء عبئها على الغير، أو عدم مراعاة شرط المشروعية الإسلامية للمشروعات وأولوياتها في سلم الاقتصاد من ضروريات فحاجيات فتحسينات أو كماليات، وتبدو أهمية هذا الهدف لسببين:

الأول: أن الربح هو أساس وجود واستمرارية البنك الإسلامي؛ حيث إن تحقيق البنك الإسلامي للربح أمر ضروري لتغطية نفقاته، وتوزيع عوائد على المساهمين والمودعين، فبدون هذه الأرباح سيتحمل رأسمال البنك الإسلامي بتغطية نفقات تشغيله، واستمرارية هذا الوضع سيؤدي تدريجياً إلى تناقص وتآكل أحد مصدري تمويل البنك الإسلامي.

تحقيق الربحية الإسلامية للمساهمين والمودعين بالبنوك الإسلامية أحد أهداف هذه البنوك

ومن ناحية أخرى، فإن عدم تحقيق أرباح سوف يؤدي بالمودعين إلى الإحجام عن إيداع أموالهم بالبنوك الإسلامية بحثاً عن الفرصة البديلة لاستثمار أموالهم؛ ما يؤدي إلى حرمان هذه البنوك من المصدر الخارجي لمواردها المالية، والشيء ذاته بالنسبة للمساهمين؛ حيث سيؤدي عدم حصولهم على أرباح إلى التخلص من ملكيتهم لأسهم البنك الإسلامي ولو بسعر أقل؛ وهو ما يعني تعرض القيمة السوقية لهذه الأسهم للتدهور المستمر.

والثاني: أن الإسلام يحث على الربح من خلال إيجابه استثمار المال وعدم تركه عاطلاً، بالمحافظة على المال وتنميته، فمن المبادئ الفقهية المعروفة أن «الربح وقاية لرأس المال»، وأن «الخسارة مصروفة إلى رأس المال»، وأن «النفقة مصروفة إلى الربح»، كما جعل الإسلام حفظ المال إحدى الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة لرعايتها.

الربح المطلق

وشريعة الإسلام لم تضع حداً معيناً للربح، وفي ذلك نص قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي الذي انعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت في ديسمبر 1988م على أنه: «ليس هناك تحديد لنسبة معينة للربح يتقيد بها التاجر في معاملاته، بل ذلك متروك لظروف التجارة عامة وظروف التاجر والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق، والقناعة، والسماحة والتيسير».

كما أن المسلم الملتزم لحدود الله ما يهمه هو الحلال، حتى لو كان أعلى تكلفة مادية، فلا يعوض ولا يبرر ذلك مطلقاً الوقوع في الحرام وكبيرة من الكبائر؛ وهي الربا باسم عائد أقل، فالإنسان قد يكسب من حرام في أوقات قليلة أضعاف ما يكسبه من الحلال في سنوات طويلة، ولكن يبقى الحرام حراماً لا بركة فيه وإن كثر، والحلال حلالاً تحوطه البركة من كل جانب وإن قل.

كما أن البنوك التقليدية تصل بصاحب الدين المتعثر إلى ربا الأضعاف المضاعفة من خلال جدولة دينه بفائدة مركبة، وهذا لا مكان له في البنوك الإسلامية.

الربح أساس استمرارية البنك الإسلامي لتغطية نفقاته وتوزيع عوائد على المساهمين والمودعين

ويبقى بعد ذلك دعوتنا للبنوك الإسلامية أن تتحمل مسؤوليتها الاستخلافية والمجتمعية، ولا تنجذب نحو البنوك التقليدية، وتحرص على السماحة والتيسير بالخلق والرحمة والرفق بهم وغلق الباب أمامهم للذهاب نحو البنوك التقليدية من خلال ترسيخ العائد الإسلامي العادل الذي يجمع بين الربحية الاقتصادية والاجتماعية معاً، ويسهم في سرعة دوران أموالها، ومضاعفة أرباحها.

ورحم الله الأثرياء من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين فهموا الربح على حقيقته، فكان شعار عثمان بن عفان: «لا أزدري ربحاً»، وشعار عبدالرحمن بن عوف: «ما رددت ربحاً قط».

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة