نساء في ذاكرة الرسالة (2)

السيدة حفصة بنت عمر.. الصوَّامة القوَّامة (1 - 2)

مصطفى المكبر

18 يونيو 2026

189

السيدة حفصة بنت عمر.. الصوَّامة القوَّامة (1 - 2)

ما عشتُ مع مقالنا السابق عن السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها، إلا وهزَّني خاطرٌ يفيض رفقًا وحنوًّا؛ أنَّ كثيرًا من المسلمين يعرفون الكثير عن السيدة خديجة بنت خويلد، والسيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، وكثيرًا منهم أيضًا لا يعرف إلا القليل عن بقية أمهات المؤمنين.

وأنت، يا من أحببتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حبًّا لا يرتاب فيه قلبٌ، تجد في سيرته العطرة وسِيَرِ نسائه الجليلات مُلْتقى تتعانق فيه الأرواح مع عطر الإيمان، ويُضمِّخُ القلب بعبق العمل الصالح، فأبقِ في فؤادك أريج ما تُحب، وتعالَ نرتحل معًا في رحاب بقية نسائه، ونتفيَّأ ظلالهنَّ الشذية في لقاءاتٍ قادمة.

في مكة المكرمة، وبجوار البيت العتيق، وقبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسنوات خمس، وفي سنة 605م، أولَدَ عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزَّى(1) زوجته زينب بنت مظعون بن حبيب القرشية(2) طفلة وديعة دعاها حفصة، وفي دار لها سَمْتَها الخاصّ بين دور مكة تفتحت عينا حفصة على دنياها، تشي بسمت الدار هذا شخصية صاحبها عمر بن الخطاب الذي كان قويًا في رحمة، شديدًا في رفق، ذكيًا حادّ الذكاء وذلك على المستوى الشخصي.

أما على المستوى العام، فقد «كان من أشرف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية، وذلك أن قريشًا كانوا إذا وقع بينهم حرب أو بينهم وبين غيرهم، بعثوه سفيرًا، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر رضوا به، بعثوه منافرًا أو مفاخرًا»(3).

ولما كانت حفصة تَدْرُج في عامها الخامس تقريبًا بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولئن سكتت المصادر التي بين أيدينا عن تاريخ إسلامها، فإننا نستطيع أن نحدس في ثقة، أنها أسلمت في بواكير حياتها، بمجرد أن خالطت بشاشة الإسلام شغاف قلب أبيها، فما كان لرجل مثل عمر أن يدع طفلته على الكفر، هذا إن لم يكن نور الإسلام قد سرى في روحها قبل روحه.

وهكذا شبت حفصة وترعرعت كشجرة طيبة في بيئة ما أولاها بالخصب والثراء، وزهرة فواحة بصَقْلِ البيئة وتهذيب الدين، فأبوها عمر الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان نبيًا بعدى لكان عمر»(4)، عمر التقي النقي، الذي ضرب الله الحق على قلبه ولسانه، وكان لحفصة منه خير ميراث، وعمها زيد بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قال عنه أبوها عمر: سبقني إلى الحسنين؛ أسلم قبلي واستشهد قبلي، وكان زيد استشهد يوم «اليمامة».

وعمتها فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها التي بكرت إلى اعتناق الدين، وأخلصت لقضيته رغم حذرها من أخيها عمر الذي كان شديدًا على المسلمين قبل أن يعزَّ الله به الإسلام، وزوج عمتها هو سعيد بن زيد رضي الله عنه ابن عم أبيها، ولن نُوفّيَه حقه مهما انحنت عليه الألسنة والكلمات بالمديح والثناء إلَّا إذا قلنا: كان أحد العشرة المبشرين بالجنة.

وخالها هو الصحابي الجليل عثمان بن مظعون، الصوام القوام السبَّاق إلى كل خير، وأخوها عبدالله بن عمر، كانت هي أسنّ منه، ولكن سيرته تدلنا على أنها كانت تراه نفسًا كبيرة حولها.

ولما تفتَّحت حفصة عن أنثى مكتملة الأنوثة يصقلها تهذيب البيئة والدين، وينتابها الشرف من كل جانب، انتفض خنيس بن حذافة طالبًا إياها للزواج، فزفَّها عمر رضي الله عنه إليه.
وهنا لا بد من سؤال التاريخ عن خنيس؛ هو خنيس بن حذافة بن قيس القرشي، أخو عبدالله بن حذافة، كان من السابقين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، ثم هاجر بزوجه حفصة بنت عمر إلى المدينة، فشهد «بدرًا» و«أُحدًا»، وأصابته جراحه يوم «أُحد» فمات منها في المدينة، وقيل كانت إصابته يوم «بدر»(
5).

نحن طوع أقدار لا نملك منها الفرار، ولا إرادة هنا أو هناك تسمو إلى تغيير ما كُتِبَ من الأقدار، كان هذا المعنى يدور في نفس السيدة حفصة لما استشهد عنها زوجها، ورغمًا عن المعنى فقد شعرت بسُحُب ثِقال من الغيم الحزين تسبح فوق رأسها، وبقيت على حالها هذه عدة أشهر، حتى جاءها الخبر فأسفر عن إشراق وجهها وحياتها، وانقشعت عقب سماعها له الغيوم الثقال، وطافت السعادة بنفسها ألوانًا، فما الخبر؟ هلموا إليه.

ترملت السيدة حفصة وهي في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة، وشقَّ على أبيها أن يرى عباءة الترمل المُرِّ تُسَرْبِل(6) ابنته، أو يقرأ لقلمه الحزين على وجهها حديثًا اشتد وامتد، وكثيرًا ما انتابه بشأنها تفكير عميق، كان يطمح لابنته في زوج يألفها وتألفه، يأنس إليها وتأنس إليه، يواسي جرحها وترد له ذات الجميل.

بيد أن الزوج الذي طمحت إليه نفسه لم يكن كأي زوج، بل كان من طراز خاص وفريد من الرجال، فقصد عمر هذا الطراز يعرض عليه حفصة كزوجة، فعرضها أولًا على عثمان بن عفان لأن زوجته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت قد توفيت، فرفض عثمان بأدب، ولا ريب أن رفضه أحزن عمر، ولكن نفس عمر ظلت طامحة لما تراءى له، فأسرع يعرضها على أبي بكر، ولكن أبا بكر سكت ولم يجبه إلى شيء، فأرمض(7) الأمر فؤاده وآلمه.

فقصد النبي صلى الله عليه وسلم شاكيًا إليه صاحبيه، ومُفْضيًا إليه بهمه، وهناك كانت بانتظار عمر أجمل مفاجأة، وأعظم مكافأة، حيث قال له صلى الله عليه وسلم: «يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة»، ثم خطبها صلى الله عليه وسلم فزوجه عمر(8).

وتزوجها صلى الله عليه وسلم في العام الثالث الهجري، وعمرها الميمون نحو واحد وعشرين عامًا، وأصدقها أربعمائة درهم، وبساطاً ووسادتين وكساء وإناءين(9).

أَمْرٌ لم تكن تطمح إليه نفسها أو نفس أبيها، ولم يتطلعا إليه كأمنية، فإذا به حقيقة واقعة في حياتهما الطيبة، فانْتُشِلَت السيدة من أحزان الترمل المرَّة، وتبدلت دنياها من حال إلى نقيضها.

ومنذ اليوم الأول لحلولها في البيت الشريف كان لها فيه مكان، وفي قلب صاحبه مكانة، وكانت تتمتع بسعادة خاصة يُفْرزها القرب منه صلى الله عليه وسلم، وفي هذا المعنى، قالت السيدة عائشة: «إن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة، وحفصة، وكان صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث، فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين الليلة بعيري، وأركب بعيرك، تنظرين وأنظر؟ فقال: بلى، فَرَكِبَتْ، فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا..»(10).

وهنا، جدير بنا ذكر قصة العسل، التي جاءت بروايتين، الأولى تقول: إن حفصة هي التي سقت النبي صلى الله عليه وسلم عسلًا؛ ما أثار غيرة بعض نسائه صلى الله عليه وسلم، واتفقن على أن يقلن له: أكلت مَغَافِيرَ؟(11).

والرواية الأخرى تقول: إن زينب بنت جحش هي التي سقت النبي صلى الله عليه وسلم عسلًا، وكانت حفصة من اللاتي شعرن بالغيرة، قالت عائشة: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلًا، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلتقل: إني أجد منك ريح مَغَافِير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: «لا، بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له»(12)، فنزلت: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التحريم: 1).

ولئن كانت السيدة حفصة هنا أو هناك، فإن الروايتين مجتمعتين مع قصة تبادل البعير مع السيدة عائشة، بيِّنات الدلالة على أنها كانت أحرص ما تكون على القُرْبِ منه صلى الله عليه وسلم.

ولنا أن نسأل: لماذا فعلت السيدتان عائشة، وحفصة، ما فعلتا وهما من هما(13)؟!

ولنا أن نجيب: إنها غيرة الأنثى الطبيعية، التي دفعتهما إلى محاولة الاستئثار بالزوج الحبيب والفريد، ويُقال على السيدة حفصة ما يُقال على السيدة عائشة: كانت السيدة أنثى سليمة الفطرة، طبيعية الغرائز، تنزع بها عواطفها الجياشة إلى إظهار غرائزها الطبيعية دون تكلف، ولا تثريب عليها إذا تحركت غريزة الغيرة في نفسها المترعة بإحساسها المرهف، فالغيرة تراث مشترك تتوارثه بنات آدم وكأنها تتلاءم مع طبيعة نفوسهن الحساسة، ولو ضرب لنا التاريخ مثلًا لذكر قصة غيرة السيدة سارة من السيدة هاجر؛ لذا يجهل فطرة الأنثى من يظن أن الغيرة تقدح في جميل طبائعها، أو يتوهم أن هناك أنثى لا تغار، ونحن لا نملك إلا التماس الأعذار بعد أن نتساءل في دهشٍ: وحتى زوجات الأنبياء تجد الغيرة إلى قلوبهن سبيلًا؟!

نعم، فالعصمة من الأخطاء كانت تخصُّ الأنبياء فقط، ولا تخصُّ زوجاتهم أيضًا، ولكننا نستطيع أن نقرر بقوة أن غيرتهن لم تكن لتخرجهن عن قواعد الدين أبدًا، عدا زوجة نوح، وزوجة لوط.

وراحت الأيام تمضي بالسيدة، تنتظم أحداثًا جِسامًا يصنعها النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو يصنعها الله له، فتضفي على تلكم الأيام عظمة وأهمية، تتناوبان أَنهُرها(14) ولياليها، حتى ألقت أعظم محنة بظلالها الكدراء على حياة السيدة، قيل: إن السيدة حفصة زلَّت في خطأٍ، وربما أفشت سرًا للنبي صلى الله عليه وسلم دفعتها غيرة الأنثى الطبيعية إلى إفشائه، فأثارت في نفسه الشريفة مزيجًا موجعًا من الغضب لله والحزن البليغ، فطلقها تطليقة، ولم يجزم التاريخ بسبب هذا الطلاق، ولم تقطع المصادر فيه بقول فصل، ولكن ورد أن زوجة عمر بن الخطاب راجعته في أمر، فأنكر عليها ذلك متشددًا.

ما رأيكم لو نسمع من عمر؟! يقول رضي الله عنه: .. فصحت على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولمَ تنكر أن أُراجعك؟ فو الله إن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، فأفزعتني، فقلت: خابت من فعلت منهن بعظيم، ثم جمعت عليّ ثيابي فدخلت على حفصة، فقلت: أي حفصة، أتُغاضب إحداكن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟! فقالت: نعم، فقلت: خابت وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله، فتهلكين؟ لا تستكثري على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ، ولا يغرنَّكِ إن كانت جارتك هي أوضأ منكِ، وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(15)(16).

هل راجعت السيدة النبي صلى الله عليه وسلم يومًا مراجعة لم يألفها، فطلقها؟ فعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة، وحفصة، حتى حرَّمها(17).

وفي ذلك أوردت بعض المصادر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أصاب مارية، وعلمت حفصة، وتحدثت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأعلمها أنه حرَّم مارية على نفسه، فأفشت حفصة هذا السر لعائشة، وفي هذا المعنى، قال عمر في حديث التخيير: فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة(18).

فهل كان سبب اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه هو ذاته سب طلاقه حفصة، لأنها هي التي أفشت الحديث، ثم ردها إلى عصمته وبقي على اعتزاله لهنَّ، لأنه قال: «ما أنا بداخل عليهنَّ شهرًا»(19) الله أعلم.

وما نريد أن نخلص إليه أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق السيدة تطليقة بحدث أحدثته.

وأغلب اليقين يا أمي أن الحياة استحالت إلى جهامة وعبوس، أقاما حولكِ سياجًا حاصركِ أينما ذهبتِ وحيثما تلفتِّ، وزاد من حدة هذا الحصار الممرور حذركِ من رد فعل أبيكِ، ويعلم الله وحده كم بَيَّتَ لكِ خبر الطلاق من أسباب الإقلاق والترويع، ريثما حكم لكِ الحكيم الخبير، وأنزل الأمين جبريل يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم مراجعتكِ في كلمات انتظمت أرق عتاب، وأعظم بشارة، وأسرّ مفاجأة التقيتها يا سيدتي على مرِّ أيامكِ: «.. يا محمد، إن الله يأمرك أن تراجع حفصة، رحمةً لعمر، فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة»(20).

الله أكبر يا أمي، كيف بكِ وخبر طلاقكِ من النبي صلى الله عليه وسلم يَصُكُّ منك القلب الرقيق، والأسماع المرهفة؟ ثم كيف بكِ وخبر الوحي يهدم سياج الجهامة والعبوس من حولكٍ، ويُحيلَه إلى سياج من إيناس وحبور؟

الله أكبر يا أمي، إن خبر الوحي يدع التاريخ الأمين من فضلكِ على ثقة لا يتطرق إليها ارتياب، وما كتم عنَّا ما علِمَ من أمركِ، لنستشرف هذا الشرف الذي انتابكِ من كل جانب.

الهوامش
  • 1 أسد الغابة (3830).
  • 2 المرجع السابق (6974).
  • 3 المرجع السابق (3830).
  • 4 حديث حسن: أخرجه أحمد (4/154)، والترمذي (3686).
  • 5 الإصابة (2299)، أسد الغابة (1485).
  • 6 تُلْبِس.
  • 7 أحزن بشدة.
  • 8 قال الألباني: إسناده حسن في السلسلة الصحيحة (2526).
  • 9 طبقات ابن سعد (8/ 54)، السير (2/ 251).
  • 10 حديث صحيح أخرجه البخاري (4913).
  • 11 صمغ يسيل من شجر العَرْفَط، حلو الطعم كالعسل، ولكنه كريه الرائحة.
  • 12 حيث صحيح أخرجه البخاري (5267)، ومسلم (1474).
  • 13 وفي روايات أخرى مع أخريات من أمهات المؤمنين.
  • 14 جمع نهار.
  • 15 يقصد عائشة رضي الله عنها.
  • 16 حديث صحيح أخرجه البخاري (5191)، ومسلم (1479).
  • 17 حديث صحيح، أخرجه مسلم (1474).
  • 18 حديث صحيح، أخرجه البخاري (4913)، ومسلم (1479).
  • 19 حديث صحيح، أخرجه البخاري (2468)، ومسلم (1479).
  • 20 صححه الحاكم في المستدرك (4/18)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (7988).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة