9 آداب لحماية قلبك من الحسد في زمن صناعة المحتوى
يغلق أحدهم
هاتفه بينما استولى عليه الهم بعدما تحولت مواقع التواصل الاجتماعي لساحة مفتوحة
لاستعراض البيوت والنجاحات والمقتنيات وحتى السفر والاحتفالات الخاصة، بينما
القلوب تتعرض في كل لحظة لاختبارات صعبة، حيث تطلع وترى الفارق الشاسع بينها وبين
هؤلاء، لتقوم العين بالمقارنة، ويقوم القلب بالحسد والاعتراض على قسمة الله التي
قسمها لعباده.
وقد تصدى
الإسلام لهذا المرض، فلفت الانتباه لأهمية العناية بالقلب، يقول النبي صلى الله
عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد
كله، ألا وهي القلب» (متفق عليه)، فمن أراد أن يحمي قلبه منه، فعليه بتلك الآداب التسعة:
أولاً: اليقين بأن الله قسم الأرزاق بين عباده:
حين يوقن المسلم
أن الرزق بيد الله وحده وبحكمته سبحانه، يطرد الحسد من قلبه على الفور، يقول
تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ
رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ
بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)
(الزخرف: 32)، إنها حكمة الله التي تقدر بسط الرزق هنا، وتضييقه هناك،
فالأمر ليس عبثاً، وليس ظلماً، إنه الاختبار الذي يقدره الله على عباده بحكمته
وعدله.
ثانياً: تذكر أن ما تراه ليس الحقيقة كاملة:
من أخطر ما صنعه
عصر «البلوجر» والإعلانات والاستعراض، أنه يوحي لكثير من الناس أن حياة البعض
عبارة عن سعادة مطلقة، ونجاحات لا تعرف الإخفاق، فيتسلل الحسد والغم إلى القلب،
لكن المسلم الحقيقي يدرك حقيقة الأمر ولا ينخدع بتلك المظاهر، فهو يعلم حقيقة
الحياة الدنيا التي يقول الله تعالى فيها: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4)، أي في
مشقة.
والحياة أصلها
الابتلاء كما في قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155)، فقد تكون فتنة
المال والصحة والشهرة أشد خطراً من فتنة الفقر والمرض.
ثالثاً: اشغل قلبك بشكر نِعَم الله عليك:
ومن أعظم أسباب
دفع الحسد عن القلب، أن تنشغل بحمد الله وشكره على نعمه عما في يد غيرك، ولذلك
تكثر النصوص التي تحض على شكر نعمة الله تعالى، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) (المائدة: 11)، وقال عز من قائل: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ) (البقرة: 231)، وقال كذلك: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (إبراهيم:
34)، فالإنسان الذي يعجز أن يعد نعم الله عليه، كيف ينسى كل تلك النعم
لمجرد أن رأى نعمة عند غيره؟
رابعاً: ادع لأخيك بالبركة كلما رأيت نعمة:
إذا كان الحسد
يتولد من تمني زوال نعمة الغير، فإن الدعاء بالبركة الدواء الذي يقتلع هذا الداء
من جذوره، لأنه ينقل القلب من الكراهية إلى المحبة، ومن الاعتراض الخفي إلى الرضا
بقضاء الله، قال سبحانه في وصف المؤمنين: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي
قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:
10)، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه ما
يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق» (رواه النسائي).
خامساً: لا تكثر من متابعة حسابات الاستعراض:
اتسعت دائرة
المقارنات باتساع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والنفس البشرية مجبولة على
التأثر بما تراه وتكرره، والقلوب قد تضعف، ولذلك نهى الله نبيه عن التطلع
والانبهار بما يملكه أهل الدنيا فقال سبحانه: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ
أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ
وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه: 31).
فمن أنفع ما
يعالج الحسد أن ينصرف الإنسان عن تتبع أخبار الناس إلى محاسبة نفسه وإصلاحها،
فالحاسد غالباً يعيش خارج حياته، يراقب نجاح هذا، ويتابع أخبار ذاك، ويحصي نِعَم
الآخرين، حتى ينسى أن عمره ينقضي، وأنه مسؤول بين يدي الله عن نفسه، لا عن غيره،
وإن «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (سنن الترمذي).
سادساً: انظر إلى من هو دونك في الدنيا ولا تنظر إلى من هو فوقك:
من طبيعة النفس
البشرية أنها إذا أطلقت لها العنان في المقارنة، لم تقف عند حد، فكلما بلغت منزلة،
تطلعت إلى منزلة أعلى، ولذلك فإن المقارنة المستمرة لا تورث إلا التعب، ولا ينتهي
معها الشعور بالنقص، مهما كثرت النعم، ولذلك كانت هذه القاعدة التربوية النبوية،
فيقول صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو
فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» (متفق عليه)، فربما لم يكن سبب ضيقك
اليوم نقصاً في نعمك، وإنما كثرة اطلاعك على نِعَم الآخرين ونظرك لمن تراه أعلى
منك.
سابعاً: اعلم أن الحسد يحرق صاحبه قبل أن يصل إلى غيره:
الحسد عذاب مقيم
لصاحبه، فهو نار تعتمل في الصدر، فلا يهنأ صاحبه بنعمة أبداً، ولهذا جاء الإسلام
بتحذير شديد من هذا المرض؛ لأنه لا يفسد علاقة الإنسان بالناس فحسب، بل يفسد
علاقته بربه أيضاً، قال تعالى: (أَمْ
يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء: 54).
وكان الحسد
ملازماً للكبر في ذنب إبليس حين أمره الله بالسجود له، ثم حسد قابيل لأخيه هابيل
فتحول الحسد للقتل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دبَّ إليكم داء الأمم
قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» (سنن
أبي داود).
ثامناً: ازرع في قلبك محبة الخير للمؤمنين:
إذا كان الحسد
يقوم على كراهية أن يرى الإنسان نعمة عند غيره، فإن الإيمان الحق يقوم على نقيض
ذلك، إذ يربي المسلم على أن يفرح بما يفيض الله به على إخوانه، وأن يحب لهم من
الخير ما يحبه لنفسه، بل وأن يعد نعمة أخيه نعمة للأمة كلها، لا خسارة له، فقال
صلى الله عليه وسلم: («لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (متفق عليه).
تاسعاً: سل الله قلباً سليماً:
بعد أن يأخذ
المسلم بالأسباب التي تعصم قلبه من الحسد، يبقى أعظم الأسباب وأجلها؛ أن يفتقر إلى
الله، ويسأله أن يطهر قلبه، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف
يشاء، ولا يملك أحد أن يزكي نفسه إلا إذا زكاه الله، ولذلك كان من أكثر دعاء النبي
صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» (أخرجه الترمذي، وأحمد)،
وقد جعل الله سلامة القلب أعظم ما ينجو به العبد يوم القيامة، فقال سبحانه: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً