4 مسائل مهمة في الفطر والإمساك

د. رمضان أبو علي

27 فبراير 2026

192

يحرص المؤمن في صيامه على الدقة والتحري، حتى يؤسس صيامه على اليقين لا الشك؛ لذا فإن تناول الطعام والشراب في الصيام لا يكون بغلبة الظن، بل بالتحري والاجتهاد.

1- متى يبدأ وقت الإمساك في رمضان؟

قال تعالى: (‌وَكُلُوا ‌وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: 187)، من خلال هذه الآية يتبين أن وقت الإمساك للصائم يبدأ من طلوع الفجر الصادق حتى دخول الليل في وقت المغرب.

فعلى الصائم أن يتناول سحوره حتى يتيقن من طلوع الفجر، ففي صحيح البخاري عَنْ ‌عَائِشَةَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ‌«كُلُوا ‌وَاشْرَبُوا ‌حَتَّى ‌يُؤَذِّنَ ‌ابْنُ ‌أُمِّ ‌مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»، وقال ابن عباس: «‌كُلْ ‌ما ‌شَكَكتَ، ‌حتّى ‌تستيقِن»(1).

ومن هنا نعلم أن ما تَعَوَّدَه كثير من المسلمين من الإمساك مدة قبل الفجر من قبيل الاحتياط مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكتابة ذلك في الصحف والتقاويم والإمساكيات مما ينبغي أن يُنكر(2).

قال ابن حجر: ومن البدع المنكرة ‌ما ‌أحدث ‌في ‌هذا ‌الزمان ‌من ‌إيقاع ‌الأذان ‌الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام زعماً ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس(3).

2- حكم من أكل أو شرب عمداً بعد الفجر أو قبل الغروب في رمضان:

إذا تيقن المسلم من طلوع الفجر في رمضان أو تيقن من عدم الغروب، ثم أكل أو شرب عامداً دون عذر شرعي؛ فقد فسد صومه عند جمهور الفقهاء، ويجب عليه إمساك بقية اليوم احتراماً لشهر رمضان، لكن الخلاف بينهم في وجوب القضاء عليه فقط أو القضاء مع الكفارة، حيث رأى الأحناف والمالكية أنه يقضي ذلك اليوم ويؤدي الكفارة، لأنه قصد انتهاك حرمة الصوم، من غير سبب مبيح للفطر(4).

أما الشافعية والحنابلة فذهبوا إلى عدم وجوب الكفارة، وذلك لأن النص -وهو حديث الأعرابي الذي وقع على امرأته في رمضان- ورد في الجماع، وما عداه ليس في معناه، ولأنه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا، ولا إجماع(5).

3- حكم صيام من أكل أو شرب وهو يظن عدم طلوع الفجر ثم تبين أن الفجر كان قد طلع:

إذا أكل أو شرب أو جامع يظن أن الفجر لم يطلع، فبان خلافه، فقد ذهب الأئمة الأربعة أن صومه يبطل، لأنه فعل ما ينافي الصيام، وهو الأكل في نهار رمضان، وعليه القضاء، وإن لم يكن عليه إثم لخطئه(6)، وهذا مذهب الحنفية، ومشهور مذهب المالكية، والصحيح من مذهب الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، وذلك للشبهة، لأن الأصل بقاء الليل، والجناية قاصرة، وهي جناية عدم التثبت، لا جناية الإفطار، لأنه لم يقصده، ولهذا صرحوا بعدم الإثم عليه(7).

هذا إذا ظن ثم تبين له أن الفجر قد طلع، أما إذا شك ثم اجتهد وتحرى ولم يتبين له شيء فأكل وشرب، فقد تنوعت آراء الفقهاء في هذه المسألة بين وجوب القضاء واستحبابه وعدم لزومه، وذلك تبعاً لرؤيتهم في التعامل مع الشك نفسه، حيث إن الحنفية يستحبون لمن شك في طلوع الفجر أن يترك الطعام والشراب(8).

بينما ذهب المالكية إلى كراهة الأكل أو الشرب إذا شك في طلوع الفجر(9).

أما الشافعية والحنابلة فقد أجازوا للصائم أن يأكل ويشرب حتى يتيقن من طلوع الفجر(10).

وبناء على هذه الرؤية جاءت أحكام الفقهاء فيمن أكل أو شرب بعد أن اجتهد ولم يتبين له شيء، ثم عرف بعد ذلك أن الفجر كان قد طلع، على النحو التالي:

1- ذهب الحنفية إلى استحباب القضاء، اعتماداً على رأيهم في استحباب ترك الطعام.

قال السرخسي: للصائم أن يؤخر السحور على وجه لا يشك في الفجر الثاني، فإن شك فيه فالمستحب أن يدع الأكل، فإن أكل وهو شاك فصومه تام؛ لأن الأصل بقاء الليل والتيقن لا يزال بالشك، فإن كان أكبر رأيه أنه تسحر والفجر طالع فالمستحب له أن يقضي احتياطًا للعبادة(11).

2- ذهب المالكية إلى وجوب القضاء، اعتماداً على رأيهم في كراهة الأكل والشرب عند الشك في طلوع الفجر.

قال أشهب: ومَن أكل وهو شاكٌّ في الفجر فإنما عليه القضاء، وكذلك لو جامع، وكذلك لو فعل ذلك وهو لا يشك في الفجر يريد أنَّه لم يطلع ثم شك، أنَّه يقضي في كل صيام واجب(12).

3- ذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم لزوم القضاء، اعتماداً على رأيهم في جواز الأكل والشرب حتى يتيقن من طلوع الفجر.

قال الجويني: ولو فرض أكل ولم يتبين أمرٌ، فالوجه القطع بأن لا قضاء أيضاً؛ اكتفاء باستصحاب الحال(13).

وقال ابن رجب الحنبلي: ما عُمِل بالأصل لم يُلتَفت فيه إلى القرائن الظاهرة، ومنها: إذا شك في طلوع الفجر في رمضان؛ فإنه يباح له الأكلُ حتى يَتَيَقَّنَ طلوعَه، نص عليه أحمد، ولا عبرة في ذلك بغلبة الظن وبالقرائن ونحوها، ما لم يكن مستنِدًا إلى إخبار ثقةٍ بالطلوع(14).

وقال ابن قدامة: وإن أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ولم يتبين الأمر، فليس عليه قضاء، وله الأكل حتى يتيقن طلوع الفجر(15).

4- حكم صيام من أكل أو شرب ظاناً غروب الشمس ثم تبين له أنها لم تغرب:

نص الفقهاء على أنه إذا أفطر الصائم بظن الغروب، والحال أن الشمس لم تغرب، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه(16)، قال ابن قدامة: من أفطر يظن أن الشمس قد غابت، ولم تغب، فعليه القضاء هذا قول أكثر أهل العلم من الفقهاء وغيرهم(17).

هذا إذا أفطر بالشك والظن دون اجتهاد، لكنه إذا اجتهد وترجح عنده بعد البحث والتحري الدقيق أن الشمس قد غربت فأفطر، ثم تبين له عدم غروبها، فصيامه صحيح ولا قضاء عليه، لأنه لم يوجد يقين أزال ذلك الظن الذي بنى عليه، فأشبه ما لو صلى بالاجتهاد، ثم شك في الإصابة بعد صلاته(18).


اقرأ أيضا 

مقاصد الصيام في الإسلام 

الصوم تهذيب لا تعذيب



الهوامش
  • 1 المغني: لابن قدامة (3/ 173).
  • 2 فقه الصيام: د. يوسف القرضاوي، ص 118.
  • 3 فتح الباري (4/ 199).
  • 4 حاشية الدسوقي (1/ 528).
  • 5 فتح القدير (2/ 264).
  • 6 فقه الصيام: د. يوسف القرضاوي، ص 106.
  • 7 الموسوعة الفقهية الكويتية (28/ 41).
  • 8 الأصل: محمد بن الحسن (2/ 209).
  • 9 المدونة (1/ 226).
  • 10 المجموع: للنووي (6/ 306)، والمغني: ابن قدامة، (3/ 174).
  • 11 المبسوط (3/ 77- 78).
  • 12 النوادر والزيادات: القيرواني (2/ 18).
  • 13 نهاية المطلب (4/ 22).
  • 14 القواعد، ص 339-340.
  • 15 المغني (3/ 147-148).
  • 16 الموسوعة الفقهية الكويتية (28/ 41).
  • 17 المغني (4/ 390).
  • 18 المرجع السابق (4/ 391).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة