سعادة الإنسان.. بين الواقع والطموح!
يختلف مفهوم السعادة بين شخص وآخر، وبين مكان ومكان، وزمان وزمان.
والسعادة صورة من صور الاطمئنان الإنساني، والقبول بالواقع، والسعي لخلق
الابتهاج، والبهْجة، والفرَح والهَنَاء والارتياح في النفس البشرية ومفاصل الحياة
ولو في الظروف البسيطة المتوفّرة!
والسعادة في المنظور السماوي الروحي النقي تختلف عن السعادة في المفهوم
الأرضي المادّي والمتقلب.
والسعادة في المفهوم الديني الأصيل حالة من الراحة الروحية والنفسية
والفكرية لدى الإنسان، وتأتي من الاعتقاد بالله تعالى وعبادته والرضا بالقضاء
والقدر، والعيش برفق ورحمة مع الآخر.
والسعادة في المفهوم الدنيوي الجامد مرتبطة، غالبًا، بالجوانب المادّية
والمالية، وهذا لا يعني، بالمفهوم الديني الأصيل، هجر الدنيا والزهد فيها لأن
السعادة الدنيوية المنضبطة والنافعة تعتبر الطريق للسعادة الأخروية الأبدية!
ويسعى غالبية الناس للحصول على السعادة بكافة السبل المتاحة، ولهذا نجد أن
الأمم اتّفقت على جعل يوم 20 مارس اليوم العالمي للسعادة.
وبمناسبة اليوم العالمي للسعادة، أصدر مركز أبحاث الرفاهية بجامعة أكسفورد
نهاية مارس 2025م، تقرير السعادة العالمي.
ومجددًا تصدّرت دول الشمال الأوروبي المراتب الأولى، واحتفظت فنلندا بمركز
التصنيف الأول للسنة الثامنة على التوالي، وحَلّت الدنمارك في المرتبة الثانية،
وأيسلندا في المرتبة الثالثة.
ويعتمد تقرير سعادة الدول على متوسط تقييماتها للحياة على مدى
الأعوام الثلاثة السابقة؛ أي بين عامي 2022 و2024م.
ويطلب استطلاع التقرير من كلّ مشارك تقييم حياته ككلّ، وينظر التصنيف إلى
تلك التقييمات الحياتية، ومن ثمّ يتناول التقرير 6 متغيّرات رئيسة تساهم في تفسير
تقييمات الحياة، وهي: نصيب الفرد من الناتج المحلّي الإجمالي، والدعم الاجتماعي،
ومتوسط العمر المتوقّع الصحّيّ، والحرّية، والكرم، ومدى إدراك الفساد.
والسعادة عمومًا يقصد بها حالة من الرضا عن الذات، التي تعني تصالح الإنسان
مع نفسه والواقع الذي يعيش فيه، وبعبارة بسيطة فإن السعادة هي الشعور الإنساني
الذاتي بالبهجة والسرور والقناعة بالواقع!
وتختلف، وربما، تتفق أحيانًا، رؤية الأديان السماوية والعلماء والفلاسفة
للسعادة، ومن ذلك الأثر المنقول عن نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي حدّد فيه
أركان سعادة الإنسان بقوله: «من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح،
والمركب الصالح».
وسابقًا اعتبر الفيلسوف أرسطو السعادة كهدف مركزي في حياة الإنسان وهدف
بذاتها، فيما يرى أفلاطون بأن السعادة هي تحقيق التوازن بين النفس والعقل والجسد!
وبالمقابل، يعتقد سقراط بأن السعادة لا تأتي من المال أو الشهرة، بل من
تحقيق الخير والتعلّم.
ويلفت جورج بيرنارد شو إلى مفهوم مُميّز عن السعادة حيث يرى بأنها ليست
شيئًا جاهزًا، بل هي نتيجة أفعالك.
ويُعَدّ تعريف ليو تولستوي راقيًا في رؤيته للسعادة، التي يراها بأنها تكمن
في السعي لتحقيق الخير وليس في الأشياء المادّية.
والسعادة ليست مرتبطة، دائمًا، بالمال والمناصب، بل، ربما، تجد من يمتلكون
ملايين ومليارات الدولارات يعانون من أمراض نفسية وقد يهربون من التعاسة والحياة
نحو الانتحار!
وسعادة الإنسان الحقيقية هي بالإيمان الديني النقي، والبيت الهادئ، والزوجة
الصالحة، والعائلة الساكنة، والمال الكافي، والصحّة الجيّدة، وعدا ذلك فهي مجرّد
أوهام لا علاقة لها بالسعادة الحقيقية!
وتابعت قبل أيّام فيلمًا وثائقيًا عن أسعد قرية في العالم، وهي قرية
دنماركية، ورأيت أن سعادتهم تنبع من البساطة!
وكانت قريتهم نائية، وبيوتهم خشبية وصغيرة وبسيطة، وليس لديهم سيّارات
حديثة، وهم حريصون على عملهم في الحدائق، ويحاولون ترميم كلّ شيء بأيديهم، دون
الاستعانة بالحرفيين!
وذكر أحدهم بأن سعادته بوجود عائلته، رغم أنه كان يعاني من ألم وصداع في
الرأس حينها!
هؤلاء فهموا الحياة، وبأنها لا تستحقّ أن يتألّم الإنسان على مفقودها
المادّي، وهي رحلة قصيرة، مهما طالت أيّامها، ويفترض ترميمها بالحبّ والأمل والعمل
والبشائر، بعيدًا عن الكراهية واليأس والبطالة والتنفير!
السعادة الحقيقية لأيّ إنسان هي بوطن آمن وحكومة عادلة، ومسكن مليء بالحبّ
والسلام والتعاون، وتوفير للرعاية الصحّيّة المجانية، أو شبه المجانية، مع كفاية،
ولو بسيطة، في المال تسد قوت يومه وتبعده عن الحاجة للآخرين!
وعدا ذلك فهي كماليات يمكن للإنسان أن تستمرّ حياته بدونها!
المال ليس سرّ السعادة، والسعادة الحقيقية قائمة على راحة البال والضمير
وحبّ الوطن والناس!
__________________
dr_jasemj67@
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً