محاورة بين اثنين
شوقي الكيلاني
محاورة بين
اثنين:
يا أخي لقد كثر
ترداد هذه الكلمات على الألسن: الجهاد، النضال، الدفاع، التضحية، القتال.
أليست هذه كلمات
يراد من ورائها قتل النفس، وإضعاف الإنسانية، ومحو الحضارة؟ أفلا يستطيع الإنسان
أن يعيش في هذه الأرض الطويلة العريضة إلا إذا فتك بغيره أو قتل نفسه؟
أيها العزيز: إن
«التضحية» سبيل الحرية والمجد، ونظام من أنظمة الحياة، و«الجهاد» و«القتال» سُنة
من سنن الله، و«الدفاع» و«النضال» قانون من قوانين الطبيعة، فليس بإمكانك ولا
بإمكان غيرك أن يحور نظاماً من أنظمة الحياة أو يبدل سُنة من سنن الله أو يغير
قانوناً من قوانين الطبيعة، فالعز لا يدرك بالرجاء، والشرف لا يصان إلا بالدماء،
والمجد لا ينال إلا إذا رفرف علم الحرية فوق سيوف الجهاد.
ولكن القوة إذا
لاقت القوة ذهب الخيار وجهلت النتيجة، فليس من العقل والحكمة أن يغرر الإنسان
بنفسه ويلقيها في الهلاك والدمار، فكم من طالب عز رجع مكبلاً بقيود الذل
والعبودية؟
نعم، إن القوة
إذا لاقت القوة ذهب الخيار، فالخيار يومئذ لله، وحاشا لله أن يخذل من تبع سُنته،
ورام عزاً بحق ومجداً قد دفع ثمنه أعز الأشياء المال والنفس، فواجب الإنسان أن
يقوم بما عليه حق القيام وليس عليه أن يضمن الأقدار.
فعش سيداً أو مت
كريماً وإن تمت وسيفك مشهور بكفك تعذرِ
ما دام الإنسان
لا يضمن الأقدار ولا يعرف مستقرها، فلا يحق له أن يسفك الدماء، ويبيد الأموال
ويقتل الأنفس البريئة لشيء يجهل نتيجته.
اعلم يا أخي أن
من لم يذق مرارة الدواء لا يعرف حلاوة الصحة، ومن لم يطلب الآمال بالآلام لا يدرك
جسيماً، فإن المعالي لا تنال إلا بأطراف العوالي، فالموت في سبيل الحق، في الدفاع
عن الدين والوطن والشرف، شرف وعز وفخر.
إن الله عز وجل
لم يمنحنا القدرة على خلق أنفسنا فلا يحق لنا بوجه من الوجوه أن نلقي بها إلى
التهلكة والفناء!
وإنا كذلك لا
نستطيع أن نرد عنها الموت، فلا يحق لنا أن نموت مستعبدين أذلاء، وليس الميت من قضى
شهيداً في ساحة الوغى إنما الميت من أذيق الذل والهوان في دار الحياة.
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً