مقاييس الفصاحة وجماليات البيان (3 - 3)

مهارات الفصاحة ووسائلُ اكتساب مَلَكَتِها

صورة تعبيرية لرجل يمثلون عصر النهضة العلمية والفكرية للحضارة الإسلامية يتحاورون

ذكرنا في الحلقتين السابقتين أن المتكلم أو الكاتب إنما يقال له: «فصيح» إذا ما تملَّك ناصية الفصاحة؛ وذلك بأن يكون في كلامه المسموع أو في كتابته المقروءة مُبينًا مُفْهِمًا، لا يستخدمُ ألفاظًا مستهجنةً، ولا يُركِّب الكلامَ تركيبًا مُعقَّدًا.

الإشادة بالفصاحة والفصحاء

ولا جرم أن تكون الفصاحة غايةً يتطلع الناس إليها؛ إذ طالما امتُدح الفصحاءُ، وكانت فصاحة منطقهم وحسن بيانهم من دواعي إكبارهم وتقديرهم، والإقبال على سماع حديثهم والإنصات إليهم؛ فالفصيح المـُبين يستحوذ على أسماع الناس، وينال تقديرهم وعنايتهم، وقد استمع النبي صلى الله عليه وسلم لخطيبين فصيحين بليغين فأشاد ببيانهما، كما روى البخاري في صحيحه؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ مِن البيانِ لَسِحْرًا»، وكما جاء في بيت زُهَيْر ابن أبي سُلْمَى:

لِسانُ الفَتى نِصفٌ وَنِصفٌ فُؤادُهُ      فَلَم يَبقَ إِلّا صورَةُ اللَحمِ وَالدَمِ

فصاحة الإنشاء والبيان وفصاحة الأداء واللسان

على أن للفصاحة جانبين هما:

1- فصاحة الإنشاء والبيان: ومن خلالها يكون المرء قادرًا على إبداع نص لغويّ فصيح مُبين.

2- فصاحة الأداء واللسان: ومن خلالها يكون المرء قادرًا على مواجهة الناس بنص لغويّ فصيح، وإن لم يكن هو منشئ القول ومبدعه، وإنما تكون فصاحته في حسن المنطق، والعناية بضبط مخارج الحروف، وتقسيم الجملة إلى وحدات دالة مؤثرة، ورفع الصوت أو خفضه في مواضع بعينها دلالةً على المعنى، فهذه الفصاحة تبدو فيها المهارة من حيثُ القدرة على مواجهة الجمهور في الخطابة، أو في إلقاء للشعر، أو الحوار والمناظرة، وغير ذلك من الفنون الصوتيّة.

وقد يوصف الإنسان بالفصاحة مع أن فصاحته فصاحة لسان ينطق بما أبدعه غيره، فقد يكون المرء قادرًا على مواجهة الجمهور بكَلَامِ غيره، واستمالة الناس بكلامٍ حسنٍ لم تجُد به بنات أفكاره، وهو –في ذات الوقت– أعجز ما يكون عن الإبداع من تلقاء نفسه، وعلى جانب آخر قد يُحسن المرء الإبداع وهو عاجز عن مواجهة الجمهور بما أبدعه.

نموذج لتفاوت الأدباء في فصاحة اللسان

ولعله من الطريف الذي يدعم ما ذكرناه ما يروى عن تفاوت الشاعرين: أحمد شوقي وحافظ إبراهيم في المقدرة على الإلقاء ومواجهة الجمهور؛ فلم يكن شوقي –رحمه الله– ممن يحسنون الإنشاد، ولذا كان يتخير فصحاء اللسانِ لإنشاد شعره في المحافل، ممن يأسرون الأفئدة بجمال الإنشاد، ويحسنون النطق باللفظ تبعًا لما يقتضي المعنى، أما حافظ فقد كان من خير الشعراء المحدثين إنشادًا، ولذا كان يؤثر إلقاء شعره في المحافل على نشره في الصحف، وما أنشد في حفل إلا فاق أقرانه، وتملَّك قلوب السامعين بحسن صوته وقوةِ أدائه، وربما كان في الحفل من هم أجود منه لفظًا وأفصح منه بيانًا فيما يبدعون من المعاني الشعريّة.

وكم اشتهر من أناس بأنهم خطباء فصحاء، تمثل خطبهم قِطعا أدبية فريدة، لا سيما القادة والزعماء من الساسة، والحق أنهم مؤدون فصحاء لخطب دبَّجها فريق من ألمع الكتاب والأدباء، فليس حتميًّا ولا لازمًا –إذن– أن يكون الماهر بالفصاحة إبداعًا وتأليفًا ماهرًا –بالضرورة والتبعيّة– في فصاحة اللسان بالقدرة على الإلقاء ومواجهة الجمهور.

الجمع بين فصاحتي اللسان والبيان مستحب ومطلوب

والجمع بين المهارتين مسألة مندوب إليها بلا شك، حتى تكتمل أدوات الفصيح؛ فهو الأقدر على التعبير لسانًا عمَّا يتوخاه من إبداعه، وإلا فليس في وسعه إلا ممارسة الكتابة، ومخاطبة الجمهور من وراء ستار المطبعة، والحديث إليهم من خلال النص المكتوب.

عوامل تكوين مهارة الفصاحة

والفصاحة موهبة فطريّة، وطبعٌ قد يُجْبَلُ عليه الإنسانُ تبعًا لظروفٍ معيّنة تتعلقُ بالبيئة والمجتمع؛ فولادة الإنسان في بيئة فصيحة قمينة بإكسابه مهارة الفصاحة، وقد كانت البيئة البدويّة -مثلاً– معقل الفصاحة والبلاغة حتى القرن الرابع الهجري تقريبًا؛ لأن أهل البادية لم تفسد ألسنتهم بمخالطة الأعاجم، ومن ثم حوفظ على الفِطرة اللغوية السليمة فيها، ومن العوامل الاجتماعيّة عامل الوراثة، فقد ينشأ المرء في أسرة تحترف الكتابة، فتولد معه الموهبة، وفي الأدب الجاهلي ثمة أسرات عرفت بالشعر؛ منها: أسرة زهير بن أبي سلمى الذي كان هو وأبوه وأولاده وخاله وزوج أمه من الشعراء.

على أنَّ الفصاحة –مع ما ذهبنا إليه من عوامل الفطرة والوراثة– فنٌ يستوجب الخبرة والبصيرة والممارسة، وهذا شأن جميع الفنون التي تُكتسب بالصبر والتؤدة وطول المعالجة، ومهما كانت الموهبة قويةً، والطبعُ الفطريّ أصيلًا، فإن ذلك ليس مغنيًا –بحال من الأحوال– عن طول التحصيل والتعليم، ولا عن تعدد التجارب والممارسات، فهذا كله مما يعمّق الموهبة، ويدفعها نحو الإجادة.

وسوف نشير هنا إلى بعض الخطوات المهمّة التي يمكن اعتبارها عوامل تكوين الفصاحة:

1- الموهبة وسلامة الفِطرة:

الموهبة نقطة الانطلاق الأولى، فلا بد للفصيح (كاتبًا أو مُسمعًا) من موهبة قبل الخوض في غمار التدريب والممارسة، فطول التعلّم لن يصنعَ فنَّانًا أو أديبًا ما لم تكن عند هذا الفنان موهبة فعلًا، وكل ما يُبذلُ من جهود لن يؤتي ثمرةً تستحقُ العناء؛ ما لم يكن الدارس موهوبًا. والموهبةُ (من اسمها) إنما هي (وهبةٌ) لا تُكتَسبُ، وعطيّةٌ تتعاظمُ بالرعاية والتدريب، لكن الرعاية والتدريب لا يصنعانها صنعًا ما لم تكن موجودة من البداية.

ومن حسن حظِّ الفصيح أن تُكتَشَفَ موهبته في وقت مُبكّرٍ، لا سيما في عهد الصبا حيث يكون التدريب والتعليم أوفى وأمكن، والواقع أن اكتشاف الموهبة قد لا يُعَوَّل فيه على الأدباء لوحدِهم، فلطالما كان للأساتذة أو الآباء الدور الأكبر في اكتشاف مواهب أبنائهم وتلاميذهم، ولولا توجيههم وتشجيعهم لما أثمرت الموهبة وأفضت إلى ظهور كُتَّاب وأدباء كبار في المجتمع، على أن ذلك لا يحول دون اكتشاف المرء لموهبته بنفسه، عندما يجد في ذاته ميلًا وتجاوبًا فطريًّا نحو الأدب الفصيح، وذوقًا ناقدًا قادرًا على المفاضلة بين ألوان الكلام، واستحباب ضرب من ضروبها على غيره، ويجد أنه مقبل على هذا كله بِشَغَفٍ واستمتاع، غير مدفوع إليه دفعًا، ولا هو مُكْرهٌ عليه إكراهًا.

2- جمع حصيلة لغويّة واكتساب مَلَكَةِ التركيب:

لا يُبدع الإنسانُ من العَدَم المطْلقِ، وليس في وسع إنسانٍ أن يصنَعَ كلماتٍ جديدة، وإنما يعيدُ نظمَ الكلماتِ المتداولةِ المعروفة في جملٍ وعباراتٍ ومعانٍ جديدة، فالكلامُ من الكلام، ولذا يُقالُ: «لولا أنَّ الكلامَ يُعَادُ لنفد»، ولذا لا يستطيع الأديب أن يكون فصيحًا مبينًا قبل أن تكون له ذخيرة من الكلمات التي استوعبتها ذاكرته، حتى يستطيع أن يفاضل بينها، ويختار منها ما هو أفصح وأليق لموضوعه الذي يتكلم فيه أو يكتبه، ويكتسب من بعد امتلاكه لهذه الذخيرة اللغوية مَلَكَةً تتيح له تركيبَ هذه الذخيرة اللغوية في عبارات من إبداعه.

3- طرق اكتساب الفصاحة عند أجدادنا العرب القدماء:

وقد كانت فصاحة العربيّة ومَلَكَةُ التَّركيب في العصور الأولى تُكتَسب بداهةً من المجتمع الفصيح؛ فالمتكلم يسمع كلام قومه –من الفصحاء والبلغاء– ويتلقاه تارةً بعد أخرى متجدِّدًا في كل لحظة، إلى أن يصبح ذلك مَلَكَةً راسخةً في عقله ووجدانه، ولغةً طليقةً سائغةً تجري على لسانه. ثم فسدت السليقة اللغوية لأسباب حضارية متعددة كمخالطة الأعاجم وغيرها، فلم يكن ثمة بد من رحيل طالب الفصاحة إلى البادية، ومجالسته الأدباء والخطباء الفصحاء لاكتساب هذه المـَلَكَة.

وما من سبيل إلى اكتساب هذه المـَلَكَة في عصرنا الحاضر إلا بجمع ذخيرة لغويّة من مصادر موثوق بها، وأولها القرآن الكريم، بقراءته وتدبر معانيه، ثم تجويده على يد مُعلّم خبيرٍ لكي يُلَقَّن الدارس مخارج الحروف السليمة وكيفية النطق المنضبط، وحين يكتسب هذه المـَلَكَة من كتاب الله -عز وجلّ- سيكون من السهل عليه تطبيقها فيما هو دونه من كلام، ومن ثمَّ يكون على طالب الفصاحة أن يقرأ كثيرًا في روائع البلاغة النبويّة، وفي التراث الأدبي شعرًا ونثرًا.

4- اختزان الأدب في الذاكرة عماد الفصاحة في كل زمان:

وحين تجتمع في عقل الدارس ودائع كثيفة من الذخيرة الأدبية الراقية، وتقرّ في ذهنه وإدراكه؛ ستكون –إذ ذاك– مُخَلَّطةً متداخلةً متراكبةً، وفي وسعه أن يَسْتَمِدَّ منها بشكل عفويٍّ تلقائي، وقد نُصحَ الشاعر العباسيّ الكبير أبو نواسٍ من أستاذه بحفظ الذخائر الشعريّة، ولم يأذن له أستاذه في نظم الشعر حتى استوثق من حفظه ألف مقطوعة متنوعةٍ، فلما أن جاءه حافظًا واستوثق من حفظه؛ ما كان منه إلا أن طلب منه نسيانها، ولم يأذن له في نظم الشعر حتى نسيها، وهذه النصيحة المـُعتَبَرَة لم تزل عِمادَ الكتابة حتى عصرنا الحاضر؛ فالإبداع الفصيح في كل زمانٍ صوغ جديد من مخزون مطمور في الذاكرة، ولولاه ما كان الإبداع، وهذا ما تلخصه العبارة التي صاغها الدكتور عبد الله الغذَّامي: «إنما أكتبُ لأنني نسيت».

5- التمكُّن من اللّغة السليمة:

كانت لغة القدماء سليمةً نقيةً فصيحةً مع أنهم لم يكونوا على دراية بعلوم النحو والصرف، بل إن هذه العلوم إنما نشأت اعتمادًا على القرآن الكريم، ثم قياسًا على ما أبدعوه من شعر ونثر وأدب فصيح، فقد كانت لديهم الفطرة التي تجعلهم يميزون الصواب من الخطأ دون إدراكهم لمعايير الصحة والخطأ، ولما فسدت السليقة اللغوية صرنا نتفاصحُ تعلُّمًا لا فطرةً، ولا بأس –طبعا– على أن يكون التعلم والإلمام بالقواعد اللغويّة مصحوبًا بالقراءة الأدبية الموسَّعة؛ لأن التمرس بالأدب الفصيح يُكسب القارئ الذوق السليم، وهو مما ينوب عن غياب السليقة اللغويّة، ولا نقول إن طالب الفصاحة لا بد أن يكون ملمًّا بالقواعد المـُتعمِّقة العويصة والقضايا الخلافيّة في النحو والصرف وعلوم اللغة، وحسبه منهما ما يُصلح لسانه وكتابته، وما يحول دون وقوعه في أخطاء تشين كتابته.

6- الاعتياد وكثرة المزاولة مع عدم التكلُّف والتصنُّع:

على طالب الفصاحة ألا ينقطع عن ممارسة القول أو مزاولة الكتابة؛ فاعتياد الإبداع اللغوي مما يوسِّع من دائرة التجربة، ومما يزيد الخبرة، وقد قال الجاحظ في هذا الشأن: «إذا ترك الإنسانُ القولَ ماتت خواطرُه، وتبلّدَتْ نَفْسُه، وفسَدَ حِسُّه، واللّسان إذا أكثرتَ تقليبه رقَّ ولانَ، وإذا أقللتَ تقليبَه وأطَلْت إسكانَه جَسَأ وغلظ»، (المقصود بالرقة واللين: السلاسة والبساطة والطلاقة اللغويّة -وهذا أُسُّ الفصاحة- أما الغلظة والجُسأَةُ، فهما إشارة إلى غياب الفصاحة بإيراد الكلام الخَشن النافر المـُتنافر، وتلك ركاكة تجافي الفصاحة وتدابرها).

على أنَّ من العوامل التي تهيئ الفصاحة لمن يبتغيها: عدم التكلُّف والتصنُّع، وذلك بأن يترك نفسه لسجيتها، حتى يكون الكلام مطاوعًا له، وألاّ يتعمَّد سَوْقَ الكلام على غير ما تقتضي الضرورة، ومن أفضل ما قيل في ذلك مما جاء في وصية أبي تمام للبحتري، وهو أستاذه في نظم الشعر: «كن كأنَّك خيَّاط يُقطِّع الثيابَ على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجرُ فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب».

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة