إشارات المرور في تناول حالات الانتحار!
في الفترة
الأخيرة، تناول الناس بعض حالات الانتحار التي حدثت في مصر، كان آخرها انتحار
السيدة بسنت سليمان التي أقدمت على الانتحار في فيديو مباشر بثته على وسائل
التواصل الاجتماعي، وذلك عبر إلقائها بنفسها من شرفة منزلها بالإسكندرية، وقبلها
بأيام تم تداول صور وفيديوهات لإقدام رجلين على الانتحار شنقاً، أحدهما شاب فعل
ذلك على جسر في شبرا المظلات (شمال القاهرة)، والآخر رجل في العقد السابع من عمره
من محافظة دمياط (دلتا النيل).
وبالرغم من
تداول الناس على وسائل التواصل الاجتماعي لتلك الحالات، فإن الحالة الأخيرة أثارت
لغطاً أكثر، وكالعادة انقسم الناس إلى فرق تتناول كل منها القضية من مدخل من
المداخل؛ إما دينياً، وإما اجتماعياً، وإما نفسياً، وفي كل زاوية من زوايا التداول
والتناول ينقسم الناس إلى فريقين يتخاصمان على جانبي الموضوع، فهل من سبيل لتنظيم
النقاش والخلاف حول الأمر؟
حقائق عالمية
أولاً هناك بعض
الحقائق التي وردت في تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول الانتحار، نشر في 25 مارس
2025م(1): يقدم على الانتحار سنوياً 720 ألف شخص، بمعدل حالة كل 40 إلى
45 ثانية، ويعد الانتحار رابع أسباب الوفيات العالمية، حيث يقدم 9 أشخاص من كل 100
ألف على الانتحار سنوياً، وتحدث 73% من الحالات في البلدان المنخفضة والمتوسطة
الدخل، ويفوق عدد الذكور المقدمين على الانتحار الإناث في البلدان المرتفعة الدخل،
حيث يبلغون ضعف أعداد النساء اللائي يفعلن ذلك.
وتعتبر منطقة
شرق المتوسط من بين الأقل في معدلات الانتحار عالمياً، بينما تبلغ الحالات السنوية
في بلد مثل مصر 6.5 حالات انتحار من بين كل 100 ألف نسمة، وهو بذلك أقل من
المعدلات العالمية، وأشارت بيانات صحفية إلى أن المعدلات غير الرسمية بلغت بين
عامي 2016 و2021 ما بين 2584 إلى 3800 حالة، بينما أشرت تقارير لوزارة الصحة
المصرية أن الشباب في العقد الثاني والثالث هم الأكثر إقداماً على الانتحار، مع
وجود نسبة من طلاب الثانوية.
مع ملاحظة أن
أرقام حالات الانتحار فعلياً تكون غالباً أعلى من المعدلات المسجلة رسمياً بسبب
الوصمة الاجتماعية، والاعتبارات الدينية والثقافية.
جدل اجتماعي
نعود إلى اللغط
المثار حول مثل تلك الحالات على وسائل التواصل الاجتماعي:
1- هناك فرق بين
الحكم الديني العام، أياً كان، وتنزيل الحكم على حالة معينة، الذي يسمى بـ«الفتوى»،
وهو يشبه تماماً ما يحدث في الطب مثلاً، من وجود فرق بين الكلام العام عن مرض ما،
وطرق التعاطي معه تشخيصاً وعلاجاً، وتنزيل تلك الأحكام العامة على حالة ما.
2- هذا الأمر لا
يخص فقط قضية الانتحار، ولكن هذا أصل من أصول التعامل الديني مع أي حالة فردية.
3- يقتضي هذا
الأصل إذاً أن يكون هناك إلمام بكافة الجوانب المتعلقة بالحالة؛ اقتصادياً،
واجتماعياً، ونفسياً، قبل أن يتم تنزيل الحكم الديني عليها.
4- ولكن من
البديهيات أيضاً أن التألي على الله بإصدار حكم يخص الآخرة هو من التجاوز المنهي
عنه بشدة، فضلاً عن أن الحكم/ الفتوى فيما يخص حالة ما هو من اختصاص أهل العلم
الذين ألموا بالفقه الشرعي من جهة، وفقه الواقع الذي يخص تلك الحالة من جهة أخرى،
حتى يتسنى لهم الحكم، وبالتالي فإن هذا الأمر، خاصة عند تناول حالة بعينها، ليس
مادة لـ«خناقات» شوارع وحواري وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأنه في الأغلب لا إلمام
لأحد ممن يخوض في الأمر بجانبي الفقه الشرعي والواقعي في حالة ما من الحالات.
5- فيما يخص
الجوانب الاجتماعية والنفسية لحالة من الحالات، هذا أيضاً ليس محل نقاش عام تلوكه
الألسنة لأنه يخص «إنساناً» يلوك الناس حالته بلا إحاطة بحالته الاجتماعية أو
النفسية بحال من الأحوال، وإنما أخذ كل طرف يتحدث انطباعاً ما بنى عليه تصوراته
وأحكامه وانحيازاته بغير علم كافٍ.
جانب نفسي
هنا نقطة في
غاية الأهمية تخص الجوانب النفسية، فهناك تفاصيل في علم النفس تخص سمات الأشخاص
الذين يقدمون على هذه الخطوة، وهناك تفرقة –في حدود علمنا– بين من هو مريض، يدفعه
مرضه إلى ذلك، أو أنه ربما شخص ليس مريضاً، يمر بمنعطف نفسي حاد، دفعه لهذا الأمر،
وبالتالي فإن فهم الأمر كحكم عام، وكتفصيل شخصي في كل حالة من الحالات قبل إصدار
فتوى طبية نفسية عليه، ناهيك عن إصدار فتوى شرعية، والثانية هنا لا بد أن تكون
مبنية على استيعاب كامل للأولى، العام منها، والخاص بالحالة، فكما يقال: فإن الحكم
على شيء فرع عن تصوره، ولا نظن أن أحداً ممن يخوضون على وسائل التواصل الاجتماعي
لديه إلمام محيط بـ«تصوره» هذا.
اجتماعياً، هناك
بلا شك من الأحوال والعلاقات الاجتماعية ما قد تدفع الفرد إلى المرور بالحالة
النفسية الحادة، أو تدفعه حتى إلى حافة المرض النفسي، إذا كانت لديه القابلية لهذا
الدفع؛ وبالتالي فإن الإلمام أيضاً بهذه الظروف فيما يخص بالحالة موضع التناول جزء
ضروري من فقه واقعه، ومن ثم الحكم/ الفتوى اجتماعياً ونفسياً وشرعياً عليه.
وبما أن الإنسان
المُقْدم على هذه الخطوة قد أصبح بين يدي الله، فينبغي التحوط من الانحيازات
الحادة في تتناول قضيته، بين نساء ورجال، وأهل دين، وأهل طب وعلاج نفسي، ومحللين
اجتماعيين؛ لأن البعض قد يلجأ لتصفية حساب مع طرف ثالث خفي وراء كل هذا الجدل
والنقاش غير الصحي، لأنه نقاش يتم بلا قواعد ولا إشارات مرور، والله أعلم.
اقرأ أيضاً:
ظاهرة الانتحار
.. كيف عالجها القرآن؟
الفراغ مشنقة
الشباب.. فهل من منتحر؟!
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً